كان شهر افريل المنصرم شهر الوحدة الاقتصادية المغربية فقد عقدت اثناءه عدة ندوات والقيت خلال عدة محاضرات تناول فيها المسؤولون وغير المسؤولين على اختلاف مستوياتهم الحديث حول الاسس التى يمكن ان تبنى عليها الوحدة الاقتصادية بين مختلف اقطار المغرب العربى ، وقد كانت أول بادرة لذلك الندوة التى نظمها طلبة جامعة المغرب العربى اولئك الدين ما انفكوا يحاولون حمل شعوبهم على سبق الاحداث والتطلع الى مستقبل افضل بحماس متدفق وعزيمة صادقة ، اولئك الذين بقوا محافظين على شخصيتهم القومية متمسكين بالمبادىء المستوحاة من واقعهم القومى والذين ما فتئوا يسخرون مواهبهم وتكوينهم على اختلاف المصادر والمشارب لخدمة اوطانهم .
ومما امتازت به تلك الندوة هى روح الجد والنزاهة التى اتسمت بها سائر الآراء والاحكام والرغبة الصادقة فى الخروج بنتائج ايجابية وحلول عملية وخاصة الصراحة فى مواجهة المشاكل وتحليلها والوضوح فى بيانها وتعليلها مما فتح المجال للمناقشة الحرة والجدال النزيه من كل العقدة والمركبات .
فى مثل ذلك الجو تساءل الحاضرون هل ان الوحدة التى نريدها هى تلك التى تتجسم - ان اعتبرنا ذلك تجسيما - فى الاقوال والتصريحات ، فى التصفيق والهتافات ، هل هى التى تتجسم فى رفع الاعلام الثلاثة او الأربعة فى رمضان المناسبات او باختصار تلك التى لا تتجاوز المظاهر الزائفة ام هى وحدة حقيقية واقعية تبنى على اسس ثابتة وتلمس فى الافعال والاعمال ؟
لا شك ان تلك المظاهر تصحبها جملة من المشاعر والاحاسيس وترافقها جملة من الاحلام والآمال العريضة التى غذاها تعاقب الاحداث وتشابهها على ممر الاحقاب والاجيال لكنها فى معظمها غامضة شأنها فى ذلك شأن الاحاسيس التى لا تستطيع لها حصرا ولا تقديرا والتى تتلاشى كلما حاولنا ضبطها والارتكال عليها , على انها تمثل رصيدا يمكن ان يعد ركنا اساسيا فى توحيد الجماهير الشعبية والسير بها نحو الوحدة الحقيقية ، فالشعور بالوحدة عند هذه الجماهير مصدره غالبا انتسابها الى العروبة لغة واصلا والى الاسلام دينا وحضارة , لكن ينبغى هنا ان اردنا ان تصدر المساعى الى الوحدة عن الجد وان يكتب لها النجاح والدوام ، ينبغى ان نتساءل عن مدى تعلق شعوب افريقا الشمالية باسلامها وعروبتها وبالتالى عن مدى تاثير ذلك الرصيد العاطف فى بناء الوحدة ؟ ولعل الشك فى اثر هذه العواطف ونجاعتها هو
الذى يحدو بنا الى تجاوزها للبحث عن اسس اقوى وامتن . ولئن كانت مقاومة المستعمر قد غذت تلك العواطف وجعلت شعوب شمال افريقيا غالبا ما تتآذر وتتعاون فان الاستعمار ذاته هو منشأ العراقيل فى تحقيق الوحدة نظرا للسياسة المختلفة التى سلكها المستعمر بهذا البلد او ذاك او لمستوى التطور الفكرى والاجتماعى الذى تركه فى بلدان المغرب العربى او للمناهج التى توخاها الساسة فى كفاحهم ضد الاستعمار والطرق التى عالجوا بها الاوضاع الموروثة عن الاستعمار وما قبله بعد تحقيق الاستقلال السياسى , فان كانت بين بلدان المغرب العربى وشعوبها وجوه للتقارب عديدة لا ينبغى ان نتغافل عن وجوه التباين التى تتمثل فى النظم السياسية والاوضاع الاجتماعية ومستوى الانسجام بين القادة والشعب .
والى جانب هذا الرصيد العاطفى الموروث تولدت مشاعر جديدة فى نفوس شعوب شمال افريقيا منذ عهد ليس ببعيد تتمثل فى شعورها بالتخلف ورغبتها الجامحة فى الخروج منه لتحقيق الرفاهية والازدهار ولئن كان هذا الشعور متفاوتا من بلد الى آخر فان القوى الصاعدة - قوى الشباب والطبقات الكادحة من شأنها ان تغذى ذلك الشعور وان تنمية حتى ينتبة المسؤولون - حيث لم ينتبهوا إلى الرسالة الجديدة الملقاة على كواهلهم الا وهى تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير اسباب الحياة الكريمة وتلك اسمى رسالة يقوم بها المرء لفائدة المجموعة .
ويمكن ان يكون هذا الشعور المشترك بالتخلف والرغبة المشتركة فى القضاء عليه رصيدا نفسيا لبناء الوحدة المغربية على اسس جدية ولا شك ان اختيار الاسس الاقتصادية لتحقيق تلك الوحدة كموضوع بحث فى ملتقى جامعة طلبة المغرب العربى يتجاوب وذلك الشعور ويتماشى وتلك الرغبة اذا الامر هنا يتعلق بحقائق ملموسة يمكن تقديرها وتوجيهها .
وقد يزداد هذا الشعور قوة ورسوخا لنهضة الشعوب ويقظتها فى الداخل ولتطور الاحداث السياسية والاقتصادية فى الخارج فمن ناحية شعوب تصبو الى الرفاهية والعدالة الاجتماعية وتريد الالتحاق بالدول المتقدمة بتوفير انتاجها وتنمية صادراتها ومن ناحية كتل اقتصادية قوية تريد خنقها تلك حقائق تجابه اقطار المغرب العربى الاربعة ولا مفر لها من التفكير فى حلها وقد اتضح انها لا تستطيع ذلك الا اذا تكتلت وتوحدت ، لكن على اى صعيد يمكن ان تتحقق تلك الوحدة خاصة والاحداث تسير سيرا حثيثا فى غير انتظار ولا تأن .
فمن المسلم به ان الحالة السياسية داخل كل قطر وان العلاقات بين الاقطار الاربعة والحالة على ما هى علية الآن غير مؤاتية لتحقيق الوحدة ان اردنا ان تكون عميقة الجذور ثابتة الاركان ، وبقى اذا النظر فى الوحدة على
صعيد اقتصادى تلك الوحدة التى يفرضها الضغط الخارجى من جهة وتمليها المصلحة القومية من جهة اخرى .
من المعلوم ان دول المغرب العربى تتلقى مساعدات خارجية بفضل ما تبرمه من اتفاقيات مع الدول المتقدمة وان اهمية تلك المساعدات فى ازدياد متواصل الا ان هذه المساعدات وحدها لن تضمن للدول المغربية مواصلة السير نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولن يتم لها ذلك الا بتنمية مواردها الخاصة وذلك بفضل ما تصدره من المنتجات الزراعية والمواد الاولية خاصة وان اوضاع انتاجها الحالية تفرض عليها الاتجاه نحو السوق العالمية .
لكن الاتجاهات الجديدة بهذه السوق تتنافى وحاجات البلدان المتخلفة بما فيها بلدان المغرب العربى التى لا بد لها ان ارادت المحافظة على مستواها الحالى من الاستهلاك - رغم ما يتصف به من ضعف بتزايد عدد السكان المتواصل - لا بد لها من تنمية مواردها المتأتية من التصدير اضف الى ذلك العقبات الناشئة عن ضرورة المواد الاساسية لتحقيق النهضة الاقتصادية ولتصنيع البلاد بسرعة فعوض ان تنمو موارد التصدير باستمرار لتسديد هذه الحاجات الجديدة تلاحظ انها فى استقرار ان لم تكن فى انخفاض متواصل ولا ادل على ذلك من هذه الارقام التى تبين ان موارد التصدير بالنسبة لسبعة وخمسين بلدا متخلفا قد انخفضت نوعا ما بين 1957 و 1960 ، فقد بلغت موارد التصدير 13،42 مليار من الدولارات سنة 1957 و 13،28 مليار من الدولارات سنة 1960 اما نصيب البلدان المتخلفة فى التجارة الدولية فلا يزال هو ايضا فى انخفاض اذ بينما كان بلغ 31.5% سنة 1953 اصبح لا يبلغ الا 24،7%سنة 1960 هذا مع العلم بان نصب البلدان المصنعة قد ازداد بنسبة مقابلة .
ويمكن ان نذكر بالاضافة الى ذلك ان هذه البلدان قد اخذت منذ سنوات قليلة تزاحم البلدان المتخلفة فى تصدير المواد الاولية حتى ان نسبة صادراتها بين 1953 و 1960 قد بلغت 57 % بينما لم تبلغ صادرات البلدان المتخلفة الا 15 % وهكذا فان ما تصدره البلدان المتخلفة من المواد الاولية يبدو ضئيلا اذا قارناه بصادرات البلدان النامية :
ثم اذا نحن قارنا بين تطور اثمان المواد الاولية التى يتألف منها المورد الاصلى للبلدان المتخلفة تلك الاثمان التى تفرضها الدول النامية فى السوق الدولية وتطور اثمان المواد المصنوعة التى تكاد تنفرد بصنعها البلدان المتقدمة نلاحظ ان اثمان المواد الاولية قد انخفضت بنسبة 5،5 % بين 1953 و 1958 بينما ازدادت اثمان المواد المصنوعة بنسبة 7 % خلال نفس الفترة .
وعلاوة على ذلك فان الاتجاه الجديد بالبلدان المصنعة يرمى الى حصر المبادلات بينها والى خلق كتل اقتصادية قوية من ذلك السوق الاوروبية المشتركة التى ستزيد الحالة تفاقما والوضع خطورة خاصة بالنسبة للاقطار
المغربية ان هى لم تسرع فى اتخاذ التدابير الناجعة ولم تتكل وتتعاون لمجابهة عمليات الخنق والحصار ذلك ان الجزء الاوفر من صادرات البلدان المغرب الزراعية منها والمنجمية يوجه الى اوروبا الغربية التى لم تنفك فلاحتها تزدهر بفضل ما اتخذته من وسائل وقائية حتى ان التنمية الزراعية خلال السنوات الاخيرة قد تضاعفت مرتين بالنظر الى تزايد عدد السكان وارتفاع مستوى الاستهلاك ، ثم ان الصناعة الاوروبية لا تزال تتحسن وسائلها وتتقن مصنوعاتها , ومن شأن هذه الاتجاهات الاقتصادية الجديدة باوروبا الرامية الى تحقيق الاكتفاء الذاتى فى ميدان التغذية وما يمكن ان ينجر عن احداث تعريفة قمرقية مشتركة بين الاقطار الستة من تأثير على الاثمان ومن امتيازات وقائية ان تعرقل بصفة غير مباشرة تطور البلدان المتخلفة والمغربية منها على الاخص ان هى لم تراجع اوضاعها الاقتصادية ولم تدخل التعديلات والتحويرات التى يقتضيها الانخفاض المتواصل فى الصادرات الموجهة الى اروبا ولم تتعاون لمجابهة المنافسة الاوروبية ولمواجهة التيارات الاقتصادية المتجددة بتنويع انتاجها الزراعى والسير قدما نحو التصنيع ، لكن كما قال الاستاذ " بابى " (U Papi)فى مقال له حول السوق الاوروبية المشتركة فان التدابير الوقائية المزمع اتخاذها فى نطاق معاهدة روما لا تبعث على التساؤم المطلق بمستقبل المبادلات بين بلدان المجموعة الاقتصادية الاوروبية وغيرها من البلدان ، على ان هذا الوضع الجديد باوروبا يفرض على الاقطار المغربية اتخاذ مواقف جديدة لما له من مساس بحاضر الحياة الاقتصادية المغربية وخاصة بمستقبلها .
وان نحن نظرنا فى الاوضاع الاقتصادية بالاقطار المغربية الاربعة لاحظنا بمزيد الاسف والاسى انها تقابل التكتل بالتفرق والاشتراك بالانفراد وانها لم تبذل اى سعى جدى لتنسيق سياستها الاقتصادية سواء أكان ذلك فى مبادلاتها الخارجية مع بعضها بعض او مع غيرها من البلدان الاجنبة او فى مشاريعها وانجازاتها الداخلية فمن ذلك ان تونس لها اتفاقياتها الخاصة مع المغرب الاقصى ومع المملكة الليبية من ناحية وان المغرب له اتفاقياته الخاصة مع ليبيا وتونس من ناحية اخرى ومن ذلك ان البلد الاجنبى الواحد له اتفاقياته مع كل قطر مغربى على حدة مما يجعل البلدان الاجنبية هى التى تستفيد من المنافسة القائمة بين الاقطار المغربية من جراء تشابه صادراتها ووارداتها وامكانياتها وحاجاتها .
اما فى الداخل فان نفس المشاريع او تكاد تبعث بكل من اقطار المغرب العربى فهذا مصنع للسكر يقام بباجة ومصنع مقابل له سيقام بسيدى سليمان بالمغرب وهذا معمل لصنع الفولاذ بالمغرب الاقصى وآخر سيحدث بتونس الى غير ذلك من الامثلة العديدة فى ميادين اخرى ، فان كانت هذه الجهود محمودة فى حد ذاتها فانها لو نسقت لكان كسبها اوفر وفائدتها اعم
ولأدت الى الاقتصاد فى تجهيز ناحية للانصراف الى تجهيز اخرى والى الاقتصاد فى اثمان الكلفة ، وهكذا فان الوحدة الاقتصادية المغربية لا يحتمها الضغط الاقتصادى الخارجى فحسب بل المصلحة القومية ايضا اذا كانت غاية المسؤولين فى الاقطار الاربعة هى حقا الالتحاق السريع بالدول المتقدمة وتحقيق الازدهار والرفاهية .
لكن مما يزيد الوحدة تأكدا خطر مواصلة الجهود والخطوات المنفردة فالشقة بين الاقطار المغربية تزداد كل يوم اتساعا لان اتفاقيات التعاون اصبحت تعقد لآماد اطول فأطول ولان بعض الدول المغربية قد اصبحت عضوا فى مجموعة اقتصادية لم يشارك فيها البعض الآخر واخص بالذكر المغرب الاقصى عضو مجموعة الدار البيضاء ومعلوم انه قد تم خلال شهر افريل 2962 توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية بين رؤساء وفود البلدان الستة اعضاء تلك المجموعة واهم اتفاق هو احداث سوق افريقية مشتركة خلال السنوات الخمس المقبلة وقد تقرر خاصة احداث منطقة تجارية حرة تلغى فيها العراقيل الادارية والحواجز القمرقية ومن بين الاتفاقيات الموقع عليها نذكر اتفاقا يتعلق بوحدة الدفوعات الافريقية واتفاقا برمى الى تأسيس بنك افريقى للتنمية ، ومثل هذه الاتفاقيات وغيرها التى يوقعها احد الاقطار المغربية دون سواه من شأنها ان تبعد ساعة الوحدة لما تنطوى عليه من التزامات وتعهدات ، واذا اضفنا الى ذلك ما تم رسمه فى الداخل من تخاطيط وما شرع فى تنفيذه من مشاريع علمنا ان الوحدة ينبغى ان تكون عاجلة او لا تكون .
ولعل ابرز ما تمخضت عنه ندوة جامعة طلبة المغرب العربى هو الشعور بضرورة تحقيق الوحدة الاقتصادية بين الاقطار المغربية والتعجيل بذلك ولو فى شكل نواة تقام حولها وحدات اقتصادية مشتركة ومواقف تجارية موحدة وترمى الى التخصص قصد التخفيف من التنافس وتحقيق نوع من التكامل بين الاقطار الاربعة ، ولعل اسمى ما اسفرت عنه تلك الندوة على اختلاف من شاركوا فيها اجماعهم على ان تهدف الوحدة الاقتصادية الى تحقيق الاشتراكية اى الى النهضة بالانسان ورفع مستواه وتمكينه من اسباب الحياة اللائقة بالكرامة البشرية ، وان فى ذلك لدليلا على ما فى النفوس من الايمان بمستقبل افضل ومن عزيمة صادقة على تحقيق العدالة الاجتماعية مما يبشر بان ساعة التنسق والانسحام بين كافة اقطار المغرب غير بعيدة ، وبان موعد الوحدة الحقيقية الدائمة ليس ببعيد .

