قرأت في عدد شعبان من مجلة الحج الغراء تعقيب الاستاذ الفاضل احمد محمد جمال الذي حاول فيه تثبيت رأيه فى تعميم معنى الظلم فى آية الأمن : ( الذين امنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) وقد تضمنت هذه المحاولة اعتراف الاستاذ بصحة فهمي لكلامه المتضمن تعميم الظلم وقد خلف عن ذلك فيما قبل ، حين عنون مقاله السابق " بتصحيح فهم " ونشكر للأستاذ هذا الاعتراف وقد تبين لي من كلامه بعد إيفائه حق التأمل أشياء استند عليها فى توجيه قوله . .
أولا : كون التفسير النبوى عنده رأيا من ورائه آراء ومذاهب لا مانع منها عنده بعد ما ذكرها نقلة المفسرين ويدل ذلك منه على ميله الى أمرين : أحدهما اطلاق لفظ الرأى على التفسير النبوى وهو اطلاق لا يصح ؛ والثانى الاعتماد على كل ما فى كتب التفسير من غير فرق بين غثه وسمينه وحقه وباطله ، كأن كتب التفسير عنده منقحة غاية التنقيح ولم يلفت نظره الى اشتمال كتب التفسير على ما لا يحمد من ضعاف التأويلات وقد اوفى المقرى فى ( نفح الطيب ) وغيره هذا المقام حقه فقال : ( لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فى بني اسرائيل لأنا أتينا أكثر مما أتوا ) الى ان قال : ( ومن أشد ذلك إتلافا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعها الصحيحة إذ ذاك لم يكن بتبديل اللفظ إذ لا يمكن ذلك فى مشهورات كتب العلماء المستعملة فكيف فى الكتب الالهية وانما ذلك بالتأويل لمالك لم اختلف الناس فى تفسير القرآن ؟ فقال : قالوا بآراتهم فاختلفوا أين هذا من قول الصديق : أى سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت فى كتابه عز وجل برأيى ؟ كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل الى بعض الميل واقرب ما يحمل عليه معظم خلافهم كون بعضهم علم فقصد الى تحقيق نزول الآية بسبب أو حكم أو غيرهما ، وبعضهم لم يعلموا ذلك تعينا فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم صوروا المسألة بما يسكن النفوس الى فهمها فى الجملة ليخرجوا عن حد الأبهام المطلق
فذكروا ما ذكروه تمثيلا لاقطعا بالتعيين بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموما ولا خصوصا لكنه يجوز ان يكون المراد أو قريبا منه وما يعلم أنه مراد بحسب الشركة والخصوصية ثم اختلط الامر والحق ان تفسير القرآن من اصعب الامور ، والاقدام عليه جرأة فقد قال الحسن لابن سيرين : تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب ؟ فقال له تفسر القرآن كأنك شاهدت التنزيل ؟ ) الى آخر كلام المقرى الذى تلقفه عن شيخه الامام محمد بن ابراهيم بن احمد العبدوى التلمسانى المعروف بالابلى . . وقد أطال القول فيه ايضا الامام التقى ابن تيمية ونقله السيوطي عنه في مؤلفاته وحسنه وارتضاه.. وكل منصف بادىء بدء يتلقى هذا بالقبول ولا يرتضى لنفسه أن يكون إمعة المفسرين وإن أخطأوا بل يدور مع الحق حيث دار ولا يضره قلة متبعيه ويجتنب الباطل ولا يضره كثرة الهالكين ، فبالحق تعرف الرجال ولا يعرف بالرجال .
ثانيا : جعل الاستاذ الاختلاف فى كون هذا القول من الله عز وجل أو من ابراهيم أو من قومه منشأ الاختلاف فى فهم الآية . وكان يحسن به قصر البحث على ما وقع فيه الاختلاف بيني وبينه وليس فى جميع الآية وإنما فى معني لفظة واحدة هي ( الظلم ) ولا يؤثر هذا الاختلاف فى تخصيصها . وهل هناك اختلاف لا يقطعه ويحسم مادته ويستأصله النص النبوى المأمور بالرد اليه عند التنازع والاختلاف ؟ ثم ليس المرتجى من مثل الاستاذ الفاضل سرد الأقوال فقط بل الميلان مع صوابها وحقها . وقد قررا بن جرير أن هذا القول هو قول الله أجاب به عن ابراهيم فاصلا بينه وبين قومه . وذكر أنه لا يصح ان يكون هذا القول لقوم ابراهيم لانهم عبدة أوثان فلو قالوه لكانوا موحدين . واظن ان زيادة الاستاذ كلمة ( الذين أذعنوا معه) كانت لهذا مع أن سياق الآية لا يدل الا على عدم اذعانهم وكيف يصح اذعانهم وخليل الرحمن الرحمن يقول . ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون انكم أشركم بالله )؟ ثم كيف يتولى المؤمنون الغير المخاطبين الجواب عن المشركين ؟ ثم هل هناك مؤمنون بإبراهيم وقت هذه المحاجة ؟
ثالثا : جعل الاستاذ أيضا الاختلاف فى المرادين بالآية هل هم قوم ابراهيم أو المهاجرون مثار الاختلاف فى فهمها والخلاف ليس فى فهم الاية وإنما هو فى تفسير لفظة منها فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه .
رابعا : عدم خلوك كتب التفسير من تفسير الظل بعموبه وكأنه يميل الى حمل القران على كل ماوجه به وليس ذلك بصواب بل يجب حمل القران على أحسن تلك الوجوه أخرج أبو نعم وغيره من حديث ابن عباس : ( القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه ) فهذا يوجب علينا حمله على احسن المحامل . وأحسن المحامل تفسيره صلى الله عليه وسلم.
خامسا : نقله عن الطبري قولين في الآية ، وقد اعترف الاستاذ بترجيح ابن جرير فيها ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأظن ان الاستاذ لو تأمل القول الثاني المرجوح الذي مال اليه ما استدل به على مراده ، ذلك لأن ابن جرير ذكر أن القائلين بعموم معنى الظلم خصصوا الأمن بابراهيم ويفيد ابن جرير فى تفسيره انه لو كان المراد بالظلم فى الآية الشريفة عموم الظلم للشرك وغيره ، لما وجد أحد الأمن الذى فى الآية إلا ابراهيم وهذا نصه : " قالوا فإن قال لنا قائل أفلا أمن فى الآخرة إلا لمن لم يعص الله فى صغيرة ولا كبيرة وإلا لمن لقى الله ولا ذنب له ؟ قلنا : إن الله عنى بهذه الآية خاصا من خلقه دون الجميع منهم والذى عني بها وأراده بها خليله ابراهيم صلى الله عليه وسلم فاما غيره إذا لقى الله لا يشرك به شيئا فهو فى مشيئته فان شاء الله لم يؤمنه من عذابه وإن شاء عفا عنه . قالوا وذلك قول جماعة من السلف ". ثم اسند ابن جرير هذا القول إلى على رضي الله عنه . . وهذا تنصيص منه على ان ( الظلم ) على القول بعمومه لا يوجد الأمن المترتب على عدمه إلا فى ابراهيم ولا يمكن ذلك لأن كثيرا من المؤمنين وقع منهم الاعتداء وغيره ومع ذلك لهم الأ من المذكور فى الآية وحاشا ان يوجد فى كلامه تعالى تناقض ولا فى تفسير النبى صلى الله عليه وسلم اختلال ولهذا لم يرتضه ابن جرير فهلا ائتسيت به أيها الاستاذ الفاضل في ترجيح ما ثبتت به
النصوص الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !. وليس الغرض من مثلك سرد الاقوال فقط ولا ذكر كونها موجودة فى الكتب.. ولو لم يرجح ابن جرير فتفسير النبى صلى الله عليه وسلم ليس لنا إلارد من خالفه إليه وطلب عذر له إن كان من السلف إما عدم الوصول أو غير ذلك من الاعذار اللائقة بالسلف ولا تلزمنا فى الخلف
سادسا : يقول الاستاذ ما عذر من يعارض فى عمومية الظلم ؟ ونجيبه بان عذره قوله تعالى : (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الظلم فى الآية هو الشرك .
سابعا : إيهامه ان كلامى فى الأمن من جهة دنيوية او أخروية ولم أتعرض له من هذه الجهة وانما خالفت فى تطبيق قواعد الأمن العام على الأمن المذكور فى الآية والحق ان تضمين قواعد الامن العام لهذه الآية تكفى عنه النصوص الصحيحة . واما بحث كون هذا الامن من العذاب يوم القيامة فالقول بذلك واجب من الأدلة الدالة على ان الأمن من مضار الدنيا غير مراد هنا بدليل قوله تعالى : ( ولنبلونكم بشئ من الخوف ) الآية . وقوله : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) الآية وقوله ( أحسب الناس ان يتركوا ) الآية . وقوله : ( وكأين من نبي قتل ) . وقوله : ( ويقتلون النبيين بغير حق ) وما جاء فى الاحاديث الصحيحة مما ابتلى به من قبلنا ، وقد روى الامام احمد وابن أبى حاتم ان أعرابيا اسلم وبعيد اسلامه انكسرت عنقه ومات فقال صلى الله عليه وسلم : " هذا من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " وهذا يدل دلالة قاطعة على ان الأمن فى الآية المتحدث عنها ليس دنيويا لأن انكسار العنق لا حذر فوقه فى الدنيا ومع ذلك شهد الوحى لهذا الاعرابى بالأمن ، وكذلك حدث ابن مردويه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "من اعطى فشكر ومنع فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر " وسكت فقالوا يا رسول الله : مالهم ؟ قال " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " فهؤلاء بنص الحديث مظلومون ومع ذلك كان لهم الأمن .
مكة المكرمة

