11 ( ج ) - الشخصيات
يمكن أن نقسم شخصيات (( كليلة ودمنة )) - إجمالا لا على وجه الحصر والاستيعاب - الى ثلاثة أصناف حسب حظها من العقل لا من القوة الجسدية . وأقل ما يشترط فى العاقل الذكاء والحلم والجلد أو ما نعبر عنه بقوة الشخصية .
1) - شخصيات رئيسية وهى الدافعة أو المحرك للاحداث : دمنة - الغراب الوزير - الوزير إيلاذ - أم الاسد فى ( باب الاسد والشغبر الناسك ) .
2 ) شخصيات ثانوية لها دور سلبى وهى المدفوعة الخاضعة لتأثير الصنف الاول خضوعا يكاد يكون تاما رغم ما يصدر منها من معارضة ومقاومه وردود فعل لاسترداد حرية تصرفها والاستقلال بمصيرها : الاسد فى باب الاسد والثور .
3 ) _ صنف ثالث وسط له حظ من عقل وقوة الشخصية ولكنه لا يؤثر فى الاحداث إلا بفضل تعاونه مع إخوانه ( باب الحمامة المطوقة ) ولربما أعدائه اذا اقتضت الضرورة ( باب الجرذ والسنور ) ؛ أو هو يحاول أن يؤثر فى الاحداث بتبصره وحكمته وبره وطيبته فلا يفلح بالرغم من جهوده المتواصلة ويكون ضحية لمودته وإخلاصه للاشرار ( وتلك نقطة الضعف فيه أعنى عدم تغليب العقل على العاطفة ) .
والمثل فى ذلك مأساة كليلة الذى مات حزنا على صديقه السجين دمنة . ولقد صمد فى وجه دمنة طويلا وثابر على نصحه له ولكنه ضعف أمامه أخيرا وانضم الى رأيه مستسلما الى إرادته الاجرامية . ومثل ذلك أيضا الطائر الذى تمادى فى نصح القردة فلقى حتفه وذلك جزاء من يريد خيرا بالجهال دون أن يتقى شرهم ( 19 ) .
نستخلص من هذا التصنيف أن صاحب الكتاب - مع حرصه على غرضه التوجيهى ومن أجل هذا الغرض نفسه - قد نظر الى المجتمع نظرة واقعية ؛ فليست شخصياته تنقسم - كما هو الشأن فى بعض القصص القديمة المغرقة فى المثالية - الى قسمين متميزين متعارضين لا يمت أحدهما الى الآخر أصلا بقرابة أو نسبة ما : شخصيات خيرة وشخصيات شريرة وهذا التقسيم محض وهم يقوم على فكرة باطلة لا تتفق والطبيعة البشرية فما من خير يخلو من شر والعكس .. بل إن هناك شخصيات خيرة تدفع الى الشر أو العنف دفعا : الاسد - الثور فى باب الاسد والثور - الغيلم فى باب القرد والغيلم . وقد يتقارب الاعداء ويتحالفون حينا من الزمن للمصلحة المشتركة ، وقد يتصافون ويتأخون دهرا ( صداقة الجرذ والغراب فى باب الحمامة المطوقة ) .
ذلك أن صاحب الكتاب يدرى بفضل خبرته ونفاذ بصيرته أن النفس البشرية لا تثبت على حال ثباتا مطلقا ( مثلا الاسد فى باب الاسد والثور ) وليس معنى ذلك انه فى وسعها أن تغالب الطبع دائما وتنقلب من الضد الى الضد .
كما انه يدرى أن النوايا - مهما تكن طيبة أو خبيثة - لا تكفى لتدبير الامور والقيام على المصالح وانما يحرك المجتمع ويصنع التاريخ ما أوتيه الافراد والجماعات من طاقات فكرية وإرادية فعالة لا سيما اذا وحدت وأحكم تنسيقها .
فنحن إذن بازاء شخصيات متميزة واضحة المعالم لا يلتبس بعضها ببعض وقد وفق الكاتب - بفضل نظرته النفاذة - الى تصويرها تصويرا يتسم بالصدق ( ونعنى بذلك الصدق الفنى ) أى أنها تطابق ، فى جوهرها ، ما نشاهده من نماذج بشرية فى واقع الحياة .
وميزة الصدق تتمثل فى أن هذه الشخصيات ، سواء كان دورها ايجابيا أو سلبيا أو بين بين ، ليست دمى تحركها يد الكاتب بصفة آلية بل إنها
شخصيات تفكر وتشعر وتفعل وتنفعل وتناضل وهى بذلك تستطيع أن تؤثر فى القارىء وتحرك سواكنه وتخاطب العقل والشعور فيه .
ويحسن بنا أن نوضح ظاهرة الصدق هذه بأن نلقى بعض اللمحات على شخصيات الكتاب ونخص منها دمنة .
لقد وفق صاحب الكتاب الى رسم هذه الشخصية توفيقا كبيرا فقدم لنا نموذجا رائعا للرجل الجلد الطموح (( المكيافلى )) Machiavélique لمذهب يفتن فى حبك خططه لا تعييه الحيل أبدا ولا تفل عزمه المصاعب والمآزق ، قد استبد به حب الذات والشغف بالسلطة فلم يعد يرعى ذماما ولا عهدا ولا صداقة . إنه (( الوحش )) السياسى لا يعدل بمصلحته الخاصة أى مصلحة مهما جلت ، والنموذج التام للوصولى الذى لا ضمير له .
وما أشبه هذا الرسم القوى بالنماذج الحية ، التى تزخر بها البيئات السياسية ، فى دهائها وقوة بديهتها .. فى خبثها وقسوتها ( حتى كأنهم فقدوا ضمائرهم وانسلخوا تماما عن انسانيتهم ) . فى ايمانها الراسخ بالحيلة واعتمادها المكر والخديعة الى اقصى غاية جهدها ، وباختصار فى تجمع قواها وملكاتها كلها كتلة مركزة لا تنثنى فى سيرها نحو الهدف المقصود .
ويتجلى ما تمتاز به هذه الشخصية من واقعية فى كيفية تقربه من الملك .. فى المكيدة التى حاكها للايقاع بالثور وهى تعد انموذجا للمكائد السياسية لما اختصت به من براعة فائقة .. فى تهنئته الاسد بانتصاره على خصمه .. ثم فى موقفه القوى الصامد عند المحاكمة وإحباطه جميع المحاولات التى قام بها أعداؤه ليفضحوا سره ويحملوه على الاقرار بجرمه .
إن دمنة رمز للطاقة الحيوية الجياشة العارمة وللقوة الفكرية الحادة تنحرف فتسخر لمآرب خسيسة آثمة .
لقد صور صاحب الكتاب هذه الشخصية بنزاهة وتجرد بما فيها من فضائل ومساوىء ، من جوانب إيجابية وسلبية التزاما للصدق ووفاء للواقع دون أن يقف موقفا منها أو يبدى رأيا فيها أو يحكم لها او عليها .
هذا المزيج الطريف من نزعة تمردية قوامها بصر بسنة الوجود ونظرة حركية الى الحياة وإيمان بأن الانسان مقياسه طاقة الخلق فيه والقدرة على العمل الدائب وليس مقياسه النسب والالقاب والمناصب الموروثة .. قلنا هذا المزيج من نزعة تمردية ومن انحراف وسوء تصرف فى الامكانيات الممتازة الفذة ..
ذاك أخص ما يدعونا الى الاعجاب بهذه الشخصية لان كل صورة صادقه من الحياة ، وإن تكن بشعة بغيضة ، لا بد أن تغتصب الاعجاب وتكون مصدر إمتاع وتأمل واعتبار .
(( قال دمنة : إن المنازل متنازعة مشتركة على قدر المروءة ، فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة الى المنزلة الرفيعة . ومن لا مروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة ... فنحن أخوان نروم ما فوقنا من المنازل ، وطاقتنا أن نلتمس ذلك بمروءتنا . ثم كيف نقنع بها ونحن نستطيع التحول عنها ... )) ( 20 ) .
إننا نلمس شيئا من هذا الصدق فى التصوير ومن هذه الواقعية الصريحة القاسية التى لا تتورع عن كشف الحقائق دون مجاملة للقارئ ولا اكتراث لرقة شعوره من خلال شخصيات أخرى .. مثلا فى شخصية كيلة المعروفة بالرصانة وإيثار العدل والخير وقد انضم مع ذلك الى رأى دمنة بعد معارضة شديدة ووافقه على الايقاع بالثور وذاك تحت تأثير العصبية العمياء فقد ضعف أمام دمنة حين احتج لمشروعه الآثم بأن الثور أجنبى دخيل يخشى على الاسد من معاشرته الحميمة له لأنه من آكلى العشب .
(( قال دمنة : ... وإنى لما نظرت فى الامر الذى به أرجو ان تعود منزلتى وما غلبت عليه مما كنت فيه لم أجد حيلة ولا وجها إلا الاحتيال لآكل العشب هذا حتى أفرق بينه وبين الحياة ، فانه إن فارق الاسد عادت لى منزلتى ، ولعل ذلك يكون خيرا للاسد ، فان إفراطه فى تقريب الثور خليق أن يشينه ويضره فى أمره )) ( 21 ) .
وهذه التفرقة العنصرية نجدها أيضا فى المثل الذى رواه شتربة لدمنة مصورا فيه مأساته متنبئا بنهايته وهو مثل الاسد والذئب والغراب وابن آوى والجمل .
(( .. فتنحوا ناحية ، وتشاوروا فيما بينهم ، وقالوا : ما لنا ولهذا الآكل العشب الذى ليس شانه من شأننا ! ولا رأيه من رأينا ! ألا نزين للأسد فيأكله ، ويطعمنا من لحمه ؟ )) ( 22 ) .
وميزة الصدق تلحظ أيضا فى شخصية شتربة وصموده أمام أقاويل دمنة فى الاسد . لقد جهد دمنة أن يشككه فى صدق الاسد وحسن طويته ولم يأل جهدا فى الطعن فيه وتشويه صورته ولكن شتربة الطيب ظل حتى اللحظة الاخيرة - ورغم ما اعتراه من وسواس وسوء ظن عابر - ظل يعتقد فى خلوص نية الاسد وأنه ليس (( فاجرا خوانا غدارا )) كما وصفه دمنة ، ولئن تحول عن وده فذلك راجع الى أمرين ، أولهما : كراهية أصحاب الاسد له . والثانى : أنه ليس من فصيلتهم قد استشعر الغربة والخذلان بينهم ، ومع اعتقاده هذا يواجه الواقع المفروض عليه مواجهة مشرفة فهو هو المسالم الوديع وهو الأبى الشجاع .
(( قال دمنة : فماذا تريد أن تصنع الآن ؟ قال شتربة : ما أرى إلا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال . فانه ليس للمصلى فى صلاته ، ولا للمتصدق فى صدقته ، ولا للورع فى ورعه من الاجر ما للمجاهد عن نفسه اذا كانت مجاهدته على الحق ... )) (23 ) .
والاسد - وهو رمز لهؤلاء الملوك الضعاف الشخصية الذين يغترون بالمظاهر الخادعة ، ولا يزنون الامور بفضل النظرة المتجردة والرأى المستقل فيعرضونها على محك الواقع ويتخذون الشك طريقا الى اليقين ، ولا يتثبتون من صحة ما ينقل اليهم فيتأثرون بأقاويل أصحاب السوء من حاشيتهم فيقعون فى حبالة مكرهم ويضحون كالدمى بين أيديهم ... هذا الاسد - على ضعف شخصيته - يبقى أسدا أعنى أنه قد يضعف رأيا ولكنه لا يسفل نفسا ولا ينحط ويبقى عليه شئ من حرمة الانسان الكريم وعزة الملك الاصيل وذلك بتمثل فى مقاومته لافتراءات دمنة وفي كونه لم يضعف الا حين مسه دمنة فى الصميم فأشعره بأن سلطته ونفوذه فى خطر ( 24 ) Raison d' Etat .
وهكذا نرى أن شخصيات باب الاسد والثور ( وباب الفحص عن أمر دمنة ) ليست بسيطة التركيب مسطحة البناء بل إنها متعددة الجوانب والوجوه كثيرة الابعاد .
ويجدر بنا ان نشر الى ميزتين لولاهما لما لمسنا فى هذه الشخصيات صدقا ولا واقعية ولا حياة .
الميزة الاولى تتمثل فيما بين شخصيات القصة الواحدة من فروق ، وهى فروق متفاوتة قد تبلغ أحيانا حد التضاد والتناقض . فتنوع الشخصيات وما بينها من اختلاف من شأنه أن يبرز كلا منها بجلاء وقوة ويبلور أبعادها المختلفة - وبضدها تتميز الاشياء - وهذا يدرك حدسا - أعنى تلقائيا بصفة إجمالية وبطريقة حركية أى اثناء الانغماس فى القراءة ، ومن خلال معايشة الشخصيات وملابسستهم ومشاركتهم فى أعمالهم وأفكارهم وأحاسيسهم .
أما الميزة الثانية فتتعلق بأساليب أو أدوات التصوير فكما أن الكاتب نوع الشخصيات فكذلك قد نوع طرق التعبير ، وما كان بوسعه أن يجسم الصدق والواقعية لولا التصوير الدقيق المباشر وغير المباشر ، من الداخل ومن الخارج .. لولا التصوير الدقيق يأتى من زوايا مختلفة ، يكون تارة بواسطة الحوار ، وتارة بالسرد ، وتارة اخرى بطريقة الحوار الباطنى خاصة فى باب إيلاذ وبلاذ وإيراخت ، وإن كان الحوار فى الحقيقة أبرز هذه الوسائل جميعا وأوفرها حظا وأوسعها مجالا .
على أننا نلاحظ - الى جانب ما فى (( كليلة ودمنة )) من مزايا لا ريب فيها - نقائص تنال من قيمته الادبية فتفسد أحيانا على القارىء ما يجده من لذة فنية . هذه النقائص هى شفافية الرمز وطغيان الفكرة على الشكل ووضوح المغزى . إنها مظاهر مرتبط بعضها ببعض تكاد تؤلف كلا لا يتجزأ لانها ترجع الى أصل واحد هو النزعة الحكمية السارية فى تضاعيف الكتاب والتى تخف حينا وتطغى حينا آخر ولكنها تبقى مهيمنة على مجموع أجزائه .
شفافية الرمز : لا يختلف الحيوان فى (( كليلة ودمنة )) عن الانسان فى واقع الحياة أى اختلاف . لا فرق الا فى الاسماء وهى خدعة بسيطة لا وزن لها فلو أبدلت بأسماء بشرية لما تغير وجه القصة ولا اختل سياقها لان كل ما يتصل باشخاص القصة إن هو إلا بشرى محض : التفكير .. الحركات .. السلوك . ونحن لا نشعر البتة إزاء الاسد مثلا أو الثور أو الارنب أننا بازاء حيوانات حقيقية أو شبه حقيقية لها بعض ما عهدنا فيها من مظهر وطباع وسلوك متميز . فالحيوانات فى (( كليلة ودمنة )) إن هى الا أشباح باهتة صور ضبابية وما اسماؤها الا أصداء قاصرة الدلالة معدومة الايحاء .
نعم هنا إطار طبيعى إلا أنه مختصر هزيل لا يكفى لايهامنا بالواقعية ولأن يدمجنا فى روح المحيط الحيوانى الحق .
وخلافا لذلك فاننا نجد عند كتاب آخرين ( 25 ) ( وخاصة لافونتين ) تقمصا لشخصية الحيوان وذلك لان الكاتب قد وفق فى تصوير أحاسيس أشخاصه وردود فعلها وخواطرها - دون اغفال لمظهرها ومحيطها الطبيعى - تصويرا يتسم بالعمق والشمول بفضل ما أوتيه من خصوبة الخيال ودقة الملاحظة ورهافة الشعور و - باختصار - من شاعرية .
وهذا التصوير مزيج من واقع وخيال ، وإن الخيال عليه أغلب أعنى أن الكاتب فى الحقيقة يخلع على الحيوان نظرته الخاصة وتصوراته الشخصية ولكنه فى الآن نفسه يحرص على أن يثبت لها كيانا مستقلا قائما بنفسه فاذا لها حرية وطلاقة الاحياء لانها تبدو وكأنها تحيا بذاتها لذاتها وتتصرف تلقائيا حسب دوافعها وأهوائها الخاصة ، وليست أبواقا يبث فيها مباشرة أفكاره الصريحة .
وهنا مصدر الحيوية والطرافة والغرابة التى نشعر بها عند قراءة أمثال (( لافونتين )) فالقارىء يجد نفسه أمام كائنات وسط بين الانسان والحيوان مزيج محير منهما متردد بين منزلتين متأرجح بينهما . إنها تشبه الحيوانات الحقيقية ولكنها تحمل فى الآن نفسه بعدا آخر يجعل منها صنفا غريبا ممتازا ويخرج بها عن الحيوانات العادية المألوفة .
هذا الكائن العجيب .. هذا المخلوق البدع هو الذى ننشده فى الامثال ونهتز له ونلتذ بمشاهدته وسماعه . ولعل السر فى ذلك أن أمثال الحيوان - فضلا عن مضمونها الفكرى وعن جانب النقد فيها - تشفى رغبة فى نفوسنا أصيلة ملحة فى التعرف الى هذه الكائنات المبهمة المغلقة التى نسميها حيوانا وهى الغاز ممتنعة بالنسبة الينا لولا آثار بعض الافذاذ من الكتاب ولولا اكتشافات العلم الحديث المدهشة .
طغيان الفكرة على الشكل : يحتل التفكير - وخاصة التفكير الحكمى - حيزا كبيرا فى (( كليلة ودمنة )) . وكثيرا ما ترد النظرات الاخلاقية بطريقة السرد
والعرض المباشر بدلا من التلميح والايحاء مما يضفى على الكتاب طابعا من التجريد والجفاف لا يتفق وأصول القصة الفنية ومما يدخل شيئا من البطء على الحركة وسياق الاحداث .
ومما لا شك فيه أننا نشعر بمتعة عقلية فائقة عند قراءتنا لما فى الكتاب من ملاحظات أخلاقية قيمة وثيقة الصلة بفن الحياة ، ومن نظرات وتأملات تصدر عن إيمان عميق بالانسان وبعظمته الروحية ، ولكن ذلك على قيمته وعظيم جدواه يخل شيئا ما بما يشترط فى الاثر الادبى من توازن محكم دقيق بير عنصرى الفكر والفن .
وضوح المغزى : ويتصل بالنزعة الحكمية البارزة فى الكتاب كله وضوح المغزى . فمن المتعارف أن القصة فى (( كليلة ودمنة )) - أيا كان نوعها سواء كانت من الامثال الاصلية أو الفرعية - تفتتح دائما بمغزى يوضح منحاها وهو بمثابة المحور لها ، وقد يعاد هذا المغزى أحيانا وإن بصيغة اخرى - فى نهاية القصة على سبيل التأكيد زيادة فى الاقناع وهو أسلوب تعليمى واضح لا ريب فيه . وهذه الظاهرة من شأنها ن تسلط على القصة من النور اكثر مما ينبغى فتعوق نزعة التطلع فى القارىء وتقلل من لذة الاكتشاف التلقائية ( 26 ) .
ومهما يكن من أمر هذه النقائص التى لا يجوز أن نعدها مآخذ بالمعنى الصحيح - إذ أن الكتاب قد وضع أساسا لغرض الارشاد والتوجيه والتأديب والتهذيب - فهى لا تمس بجوهر الكتاب ولا تخل بقيمته الفكرية الانسانية الباقية على مر الايام .

