- 2 - (*) ان الاتصال كما يقول اندرى جاكوب ليس بتلك العملية البسيطة الاتماتكية التى تخضع للرسم الموالى : ارسال - قبول (emission - reception) بل هى أكثر من ذلك الاتصال عجيبة من العجائب حقا . نحن نتصل يوميا ، بعضنا البعض بفضل اللغة ونتفاهم .. ولكن ألم يخطر ببالنا ان نتساءل ولو لفترة وجيزة : كيف يحصل هذا الاتصال ! . ان الاتصال يشترط وجود ارضية واحدة مشتركة بين الاشخاص ليمكن التفاهم اذ ان التفاهم هو اشتراك فى الفهم ( Comprehension ) وتبادل له ( reciproque ) وهذه الارضية المشتركة ككلمة السر تفتح أبواب التفاهم على مصراعيها . ودليل ذلك أنه يسهل الاتصال بين شخصين غريبين عن بعضهما البعض حضاريا . فاللغة ليست جذعا مقطوعا من شجرة بل هى مرتبطة حيويا بالشجرة أى أن اللغة تشمل رمزا الى الكل . الكل النفسى والكل الحضارى والاتصال الحقيقى بين الضمائر مرتبط بوجود هذا الرصيد الحضارى المشترك . وبما أن جوهر اللغة هو الاتصال ، فان الازمة التى نعانيها هى فى وجه من الوجوه ازمة اتصال ، أى أزمة تعبير حقيقى عن الذات . وأزمة اصغاء كلى الى حديث الروح . ولقد حلل هربر ماركوز (Herbert Marcuse) فى كتابه (( الانسان ذو البعد الواحد )) فتور هذا الاتصال وعجز اللغة فى حالتها الحاضرة عن تحقيقه بين الضمائر . انه يلاحظ فى البداية أن الاتصال أصبح سطحيا فارغا من كل معنى ، جامدا لا يتضمن حرارة الحياة والشوق .. ويرجع هذه الحالة الى تحجر اللغة ، فما هى أسباب تحجر اللغة ؟
ما يدل عنوان الكتاب عليه ، أصبح انسان المجتمع الحالى ذا بعد واحد .. وطبعا ذا لغة واحدة . ذلك ان المجتمع الصناعى البرقراطى يؤكد على الجانب المادى فى العالم . هذا الجانب الذى يخضع للقيس والضبط والادارة . واذ
تسيطر الادارة على كل شئ ولا تفلت عنها شاردة ولا واردة فانها تسيطر بالتبع على اللغة . فتتحول اللغة الى شكل ادارى ، علاوة على انها تدار ويقع التحكم فيها من فوق . وينغلق عالم اللغة على نفسه فلا خروج ولا دخول وتتحول اللغة الى عبد طيع للادارة العليا وسيدا قاهرا على مجموعة المتكلمين . وهى التى تملى على الفرد سلوكا لغويا معينا لا يجب الحياد عنه وتطرح نموذجا لغويا لا يمكن للفرد غير الخضوع له . بحيث أن لغة الفرد تصبح نسخة طبق الاصل من المثال اللغوى المطروح . ولا يجوز للانسان ان يحيد عن هذا المثال : كل شئ مرتب مسبقا ، ومنظم مسبقا ، وعلى الفرد أن يلائم نفسه على هذا الترتيب والتنظيم وان يكون نسخة أمينة من الاصل الواحد ...
وهكذا يفقد من جملة ما يفقد بعد الزمن من اللغة أى بعد الحركة والتطور ، وبعد التجربة الذاتية الصادقة والمعاناة الداخلية . وما ان تصبح اللغة صالحة لكل زمان ولكل مكان ولكل انسان ، حتى تؤول الى جملة كليشهات (cliches) ويفرع الاتصال من شحنته الزمنية والوجدانية فيصبح باردا خاليا من كل طرافة . خاليا من الروح ومن المعنى ومن الحياة . وتتحقق بهذا غاية المجتمعات الحالية الا وهى تدجين الافراد (Apprivoisement) وقد تم لها ذلك عن طريق تحصين اللغة وتلقيحها ضد التفاعل مع الحياة والزمن ومكافحة جرثومة الخلق التى تسرى فى كل انسان ويتمثل هذا التحصين فى وضع خط يسير عليه اللفظ . وتقع حمايته من داء التناقض . وكم يخاف منطق هذه المجتمعات من التناقض وكانه شئ غريب عن الحياة ! أليس أروع ما فى الحياة تناقضها على حد قول الشاعر الالمانى قوته ؟ (Goethe) (( بالتناقضات العالم ملآن فلم لا يمكنك أن تتناقض ؟ ))
ولكن المجتمع الحاضر لا يأبه لهذه الحقيقة . ويعمل على تحقيق لغة واحدة مصانة من كل صروف الدهر .. كما يسعى لتحقيق لغة مشخصة (personnalise) أى أن اللغة تصبح تتكلم عوضنا .. فهذه (( جريدتنا )) تغنينا عن الادلاء بصوتنا الشخصى ، وهذا (( برلماننا )) يمثلنا الخ .. بحيث أن الافراد يصبحون متطابقين متشابهين ، وهيكل ما يمثلهم .. ينطق باسمهم وهم لا ينطقون ، يحيا باسمهم وهم لا يحبون ! والاغرب هو ان الفرد لا يتطابق مع الآخرين فحسب بل هو متطابق مع الوظيفة التى يؤديها . فالوظيفة تمثله فى انسانيته ، وتتحول ماهيته الى وظيفته اليس هذا افراغا للبعد الانسانى الربانى الموجود فى كل انسان ؟ اذ ان توظيف اللغة ( le fonctionnalisme du langage ) واعتبار العالم ثابتا وعلاماته ثابتة ، هو تحجير لطاقة الابداع فى الانسان ، وهو فى النهاية
عدو لكل نقد ، مسالم ، وغير جدلى ، وغير تاريخى ، ومضاد للتاريخ .. لذلك كشف النقاب عن هذا الموقف الخطير يصبح امرا ضروريا . وللخروج من هذا العالم المنغلق على نفسه ، الباهت الاضواء حيث كل شئ يحتل مكانا معينا له للابد ، لابد فى نظر ماركوز من وضع الامل فى المستقبل لنستمد منه القوة الكافية لغلغلة المفاهيم المتحجرة ويتجاوز هذا العالم المتعلق نحو دنيا منفتحة ، أى حية . وهذه النظرة المستقبلية الى اللغة ترتكز على الاعتراف بالجدلية كعلاقة أساسية بين الانسان والمادة . ويتغير العالم حسب هذه الجدلية . وهذا النوع من الوجود المفتوح يمكن اللغة من أن تكون مفتوحة جدلية مملؤة بالحركة .
وبين اللغة المنفتحة واللغة المنغلقة فرق كبير ، فبينما لا تعتنى الاخيرة بالبرهنة والشرح ، ولا تمرر الا القرار والامر ، على حد قول ماركوز تعتمد اللغة المنفتحة على الاعلام I' information وتختار الحرية على المملوكية وتضع كل ثقتها فى قدرة الانسان على الخلق لا على مجرد الاستهلاك !
ويمس هذا النقد المجتمع التكنقراطى فى الصميم من حيث أنه مجتمع تعسفى والفكر الذى يرتكز عليه هذا المجتمع هو الفكر الوضعى التحليل المنطقى (Positivisme, philosophie analytique, logique) فلنلق بعض الاضواء على هذا الفكر كما يدل عليه اسمه ، ان المذهب التحليلى يعتمد على التحليل . ( Analyse) ويمجده روسل ((B. Russel) فى كتابه .. تاريخ أفكارى الفلسفية .. قائلا (( ان التحليل كفيل بحل المشاكل الفلسفية وحافز على التقدم، أما كانط وهيجل فالاحسن الاستغناء عنهما )) ويشرح هذا المذهب قائلا : (( بالنسبة للموقف التحليلى يعتبر الوصول الى العناصر البسيطة هدفا رئيسيا .. ومن هذه الزاوية يطلق عليه أيضا المذهب الذرى (I' Atomisme ) الذى يفكك الكل الى العناصر التى تكونه . ويعرفه روسل فى كتابه ( Signification et verite ) قائلا : (( كل عبارة معقدة يمكن لنا تحليلها بالعودة الى أجزائها المكونة لها )) والتحليل يقصيد به التحليل المنطقى . والمنطق اذن هو الوسيلة الاولى لالقاء الاضواء على المشاكل الفلسفية وهو عدو للذاتية لانها لا تدخل تحت قبضة التحليل . ولا يمكن أن يخضع للتعليل الا الموضوع أو الشئ : (l'object) والغاية هى الدقة والنجاعة والحقيقة الموضوعية . وبذلك يبعد التحليل المنطقى عن ميدانه كل الادعاءات المتافيزقيه والافكار الانتربلوجية وبصفة عامة ببعد الانسان كمحور لكل شئ . وهدفه هو القضاء على الاوهام التى سقطت فيها المتافيزيقا ! ولكن اذا ما أهمل كل بعد انتربلوجى انسانى من ظاهرة اللغة تحت فكرة الوصول الى الحقيقة الموضوعية فماذا يبقى من اللغة ؟ ماذا يبقى
اذا حذفنا منها جوهرها وهو الانسان زاعمين أننا بذلك نحفظ التحليل من الزوغ فى متاهات الذاتية .. لا يبقى فى النهاية الا مادة هامدة توضع تحت مخبر التحليل .. يفتتها ، يحللها ، يفككها لعله يرجع لها حياة لن تعود . أيكون التحليل المنطقى كل شئ ؟.. لقد شكك فولد شتاين (Goldstein) فى قيمة هذا المذهب قائلا (( ان جمع الاجزاء لا يكون الكل )) ولذلك يجب ان نهتم كل الاهتمام بالكل والا يضيع منا ، لتكون لنا رؤية شاملة لا رؤية جانبية . ولقد سخر أيضا قوته (Goethe) فى فاوسته (Faust) من هذا المنطق المفتت للأشياء والذى لا ينتبه الى الخيط الدقيق الذي يجعلها وحدة :
(( كل من يريد أن يعرف ويصف الموجود الحى )) (( يبدأ باقصاء الروح عنه )) (( حينئذ تجتمع لديه كل العناصر )) الا من الرباط الروحى . واحسرتاه .! ))
أليس أجدر بنا اذن أن نعترف بالبعد الانتربلوجى لظاهرة اللغة لنفهمها حق الفهم . ولكن المذهب التحليل والفكر الوضعى المنطقى الواضح فى أعمال فيتفنشتاين (Wiugeinstein) وكارناب (Carnap) يغضان الطرف عن هذا الجانب لانهما يعتقدان أنه ضرب من المتافيزيقا .. وبما أن نجم المتافيزيقا فى أفول وقربت نهايتها ، لذلك يجب التحول عنها والبحث عن مذهب علمى ناجع . ولكن أليس اعتبار اللغة موضوعا كسائر المواضيع Langue - object ) ) قتلا لها فى آخر الامر ؟ قد يضئ المذهب التحليلى بصفة عامة ظاهرة اللغة ولكنه غير كاف للاحاطة بكل المشكل ومن هنا تصبح فلسفة اللغة ضرورية .. لأنها شاملة ..
علاوة على دور المجتمع التكنقراطى وهيمنة الفكر التحليل المنطقى فى التسبب فى أزمة اللغة ، سبب آخر لا يقل أهمية يحالمه هنري برجسون (Bergson) في كتابه (La pensee et le mouvant) وهو تدهور علاقة الكلمة بموضوعها ، وقد تغيب تلك العلاقة تماما . فتصبح الكلمة ظلا شاحبا للشئ . اسقاطا له . ويرجع برجسون هذا التدهور الى عادة اجتماعية تلك التى تتمثل فى ايقاف الاشياء أثناء الحديث عنها .. فاللغة المتداولة ليست فى هذا المعنى الا لغة الثبات والسكون . وطبعا فى هذا عدم وفاء للشئ المتحرك دوما . فكيف السبيل الى التوفيق بين الفكر والمتحرك ؟
ان كل مجتمع محتاج الى أشياء ثابتة والى قيم وتقاليد وسلوكات وانماط فكرية ثابتة .. والا عمت الفوضى وتطاير هذا المجتمع شظايا .. وهو تحت هذا النزوع مدفوع الى اهمال الجانب الحى والمتغير فى العالم . وفى كلمة الى اهمال الصيرورة . فى المجتمع نزوع الى التحجر والتصلب تماما كالبناية الشاهقة لا تقوم الاعلى أرضية متينة ثابتة . الا ان هذه العادة تتسرب كالجرثومة الى كل ميادين النشاط والى النشاط اللغوى طبعا . فتتحجر المفاهيم والمعانى وهكذا تبتعد رويدا رويدا عن أصلها . اذ أصلها يتدفق حياة .. وتحدث القطيعة ..
القطيعة بين اللغة والعالم ، ويتحول الانسان الناطق homo- logos) ) إلى انسان )) لافظ (( ( homo loquax ) باصق للكلام ! وتتجمد الاشياء الفريدة من نوعها والموجودة فى نسخة واحدة والتى لا تتكرر أبدا فتدخل فى قوالب قديمة .. لهذا قال برجسون متلاعبا بالالفاظ : إن كل حديث غير حديث ( أى قديم ) ( la conversation ressemble beaucoup a la conservation ) وفي فترات أزمة كهذه يتميز هذا عن ذاك باحاطته الموسوعية وبإمكانياته فى أن يتكلم عن كل شئ دون أن يعرف عم يتكلم وهذا الخطر كثيرا ما يسقط فيه المثقفون الذين يستعيضون عن التجربة الحياتية بالتجربة الثقافية فيتحدثون عن الاسفار دون أن يسافروا ويصورون العشق دون أن يعشقوا ويصفون المرأة دون أن يلامسوا ظفر امرأة..فما اكثر الذين يعيشون على تجارب غير تجاربهم وبأجساد غير أجسادهم فيستعيرون كل شئ من الخارج وينسون داخلهم !! وهذا فى حد ذاته نقد عميق لطريقة بيداغوجية وفلسفية وهى التى تفضل كما يقول مرلوبونتى (Merleauponty) فى كتاب (( المرئى واللامرئى )) خريطة العالم عن العالم ، وجغرافية الارض عن الارض ذاتها والطبيعة المصورة على الكتب على التحول الى الطبيعة ذاتها .. وقد سخر ميخائيل نعيمة من محاولة تعويض الوصف للشىء ذاته قائلا : (( بماذا عسانى أجيب القائلين لى : صف لنا الربيع ؟ )) . فكيف لا تحدث القطيعة وقد تعلمنا من الطفولة الابتعاد عن الشئ الذي نتحدث عنه وكيف لا تحدث القطيعة وقد تعلمنا من الطفولة استعمال اللغة لا العطف عليها لهذا لا يتسامح الفيلسوف الفرنسى برجسون فى كتابه مع هذا الانسان الذى يتحدث عن كل شئ دون معرفة حقيقية سابقة له وهو ما يطلق عليه بالانسان الذكى (I'homme intelligent) ان برجسون يحترم الذكاء ولكنه يحتقر الرجل الذكى وما يسميه العرب بالاديب فى معنى ضيق وهو الانسان الذى يلم بكل علم من طرف هذا الذى يستطيع ان يتحدث عن كل شئ وعن لا شئ حديثه دائما تقريبى .. أى صادر من موقف بعيد ، ويتولد عن هذه العادة عادة
أخرى أخطر وتتمثل فى توجيه انتباهنا لا الى الاشياء التى نتكلم عنها بل الى ما نتكلمه عن الاشياء .. ويصبح البون شاسعا بين لغتنا وموضوع لغتنا .. زد على ذلك ان جهل الشئ يمكن من الحديث عنه بسهولة غريبة كما يقول برجسون فما العمل حتى نميز الحقيقة عن الباطل ؟
(( أنا اعرف كل شئ هكذا يدعى الرجل الذكى فى اصطلاح برجسونى . وهو مستعد أن ينسق مفاهيمه ويرتب العلاقات بينها وينظم أسلوبه وليس مستعدا ان يحاكك العالم ويسير معه ويعبر عنه . لذلك يستنجد برجسون بالنقد من حيث انه قوة هدامة وبناءة فى نفس الوقت .. فليس من خلاص الا بفضل النقد . وهو يمكن من تعميق علاقتنا مع الاشياء ومن مراجعة يومية لكلمتنا . هذا النقد يقوم على مبدأ الدهشة و((الفلسفة وليدة الدهشة)) على حد قول ارسطو . الدهشة من كل شئ واستصعاب الامور : لتكن الامور صعبة يقول برجسون ولتحطم العادات البالية (( فروح متعودة هى روح ميتة )) كما يقول شارل بيفى ch. peguy )))) ولترسم نقاط الاستفهام فى كل مكان ..
فتصبح علاقة اللغة مع الاشياء سليمة وطيدة جدا .. اننا نتكلم دائما عن شئ . ان نتكلم يعنى أن نتكلم عن شئ .. ان يضىء كلامنا ذلك الشئ . الكلمة ضوء يخرج الشئ من الظلمة على حد تعبير هيدجر (M . Heigger) فى الوجود والزمان مع العلم أن الموجود فى حد ذاته يهمس وعلى الانسان الانصات اليه .. فالمسمى دائما حاضر مع اسمه .. ولكن خضورا مطلقا بل حضور الغياب .. والصمت فى بعض الاحيان يعبر بقوة أكثر من الكلمة ، لأن الصمت فى حد ذاته لحظة من لحظات الكلام الانسانى .. ولقد قال ميخائيل نعيمة : (( كم من كتاب افصح ما فيه بياضه )) !
ولكن لكى نتكلم عن شئ من الضرورى فهمه . فالفهم هو عملية هامة فى تكون المقال .. فلا يمكن ان نتكلم عن شئ لا نفهمه كلاما حقيقيا .. وان نفهم الشئ يعنى أن تحيط به . فالكلام هو علاقة المتكلم بالمتكلم عنه .. وهذه العلاقة ليست ذات لون واحد ، فقد تقوى وتفتتر كما أشرنا إلى ذلك .. واذا فترت تنشأ ظاهرة يطلق عليها هيدجر لفظ الثرثرة او اللغو (le bavardage) والثرثرة هى غياب ركيزة اللغة وهى الموجودات أثناء الحديث عنها . فاذا بالكلام هذر ولغو بما ان قاعدته الانطلوجية انسحبت عنه .. وغزارة الكلام لا تحل المشكلة .. لذلك يمكننا ان نتحدث طويلا دون أن نفهم موضوع حديثنا بل ان الثرثرة هى التى تمكننا من (( الفهم )) دون تملك لموضوع الفهم . والثرثرة تصبح
اذذاك مجالا لفظيا وقناعا للأشياء .. ولعل الخطر يتمثل فى أن الثرثرة توهم بالفهم ويحصل عن ذلك ادعاء للحقيقة وللفهم وهذا ما يعرفه هيدجر بالانبتات ( le deracinement ) ويشكل جانبا من الازمة ، ولعله كل الازمة فى نظر هيدجر .
يستخلص من الذى سبق أن ازمة اللغة هى أزمة مجتمع يسيطر على وسائل التعبير ويمليها على الفرد ، وأزمة انسان ممزق بين حياته وتجاربه ولغة لا تعبر عنهما ، وأزمة فكر استغرقته التفاصيل والجزئيات وغابت عنه الكليات لذلك ابتعدت الكفة عن الحياة والفعل وثبتت فى قوالب جامدة فارغة من كل محتوى وتقلص الفعل عن اللغة يساوى تحجرها فى شكل أسماء وكلمات خالية من كل حركة ولذلك واجه الشاعر الالمانى الكبير (Goethe) فوته قول التوراة (( فى البدء كانت الكلمة )) بجملة رائعة نفاذة (( فى البدء كان الفعل )) (Au commencement etait I'action) نعم ان الازمة فى وجه من الوجوه متولدة عن تفضل الكلمة أى الاسم على الفعل واعطائها الاولية . الا ان الاسماء تفقد شحنتها التعبيرية اذا ما انسحبت عنها الحياة وابتعدت عنها المسميات الحية تماما كما تذيل الزهرة إذا ما نزع عنها الماء .. الكلمة ليست جثة هامدة وليست خارجة عن الزمان .. أى أنها لم تخلق مرة واحدة وللابد .. بل هى فى حالة مخاض دائم . وهذا يعنى مواجهة فوته للقولة التوراتية وتفضيله الفعل . إن الفعل وضع متوتر ، وشرط الوضع الانسانى الحقيقى .. الكلمة محتاجة الى توتر دائم حتى لا تسقط فى الجمود .. توتر الحياة وتوتر الفعل .. اللغة ليست شيئا صنع مرة واحدة،دفعة واحدة،بل تصنع شيئا فشيئا على مدى الايام بدم القلب ويكفى أن نشير الى كاتب المسرح الماسوى ( Antonin Artaud ) أرتو الذى كان يكتب بدمه ثوقا لخلق العالم من جديد أو الى بيكات (Beckett) وتحطيمه للعلاقات القائمة والقديمة بين الاسماء والمسميات أملا فى أن يشهدها من جديد تنمو أمامه حية فى كتابه (I'innomable) أو الى جويس ( Joyce ) الذى كان يقول أن الحياة لم تخلق لنحياها بل لنكتشفها من جديد فى كل لحظة بفضل الكتابة .. نعم يكفى ان نشير الى امثال هؤلاء لنفهم أن اللغة لا تعيش ولا يحب أن تعيش بين دفتى كتاب وفى المقابر بل فى الحياة وفى التاريخ وفى قلوب ناطقيها .. ان الفعل (l'action) هو من اشرف الخصائص الانسانية . واذا خلت اللغة منه فستخلو بذلك من روحها .. حتى ان اندرى جاكوب يتحدث عن تجنيد دائم للكلمة وعن حالة طوارىء تعيشها الكلمة ! نعم الكلمة مجندة دائما أى مستعدة دائما للتلاؤم مع الحياة ولتحمل معنى جديد .. تجنيد الكلمة
يعنى تجنيد المعنى .. وتجنيد المعنى يعنى قرب من الانسان ومن تجربته مع نفسه والآخرين والعالم ، لذلك تكون الجدلية La dialectique حسب A. Jacob كما كانت فى نظر (Marcuse) وهنرى لوففر (Lefevre) المفتاح الوحيد للخروج من الازمة الجدلية بين الاسم والفعل ، بين الانسان والواقع . وهى رفض لسيطرة الاسم المطلقة على الفعل او لسيطرة الواقع على الانسان وجدلية اللغة اذ تركز على دور الفعل فى حياة اللغة تعتبر ان الفعل ليس تاما .. ثمة دائما شئ يفعل أو سيفعل الفعل ناقص فى معنى من المعانى .. وهو منفتح على المستقبل ، مترقب للاكتمال .. والذى كان ليس افضل ما فى الامكان ، فى الامكان دائما ان نفعل افضل مما كان .. واللغة هى هذا التوتر بين الواقع والممكن ، بين النقص والاكتمال . ولذلك لا يصح اعتبارها كاثر جامد بل على عكس ذلك هى طاقة (( حية )) . والفرق هنا فرق بين ( l'ergon) اليونانية و (1 energeia ) أى الفرق بين القوة والفعل . ولعل الازمة ناتجة عن الغاء الجدلية بين القوة والفعل واعتبار اللغة اما شيئا مكتملا جاهزا واما شيئا خياليا وهميا .. والحقيقة هى فى التوحيد بين هاتين اللحظتين من الوجود فى لحظة جدلية هى كل اللحظات ..
بحيث أن الفعل Action '1 يؤدى الى رفض اللغة المنغلقة ، تلك التى تفصل الكلمة عن المتكلم وعن موضوع الكلمة . ان الكلمة ليست ميتة . بل هى فى علاقة ديناميكية مع المتكلم ومع الاشياء . الكل يتحرك ينضح حياة . وبذلك تصبح اللغة انفتاحا على عالم الاشياء (Ouverture) وتحريرا للانسان هذا شرط آخر للخروج من الازمة التى تعانيها اللغة . بحيث لا يصبح ممكنا اعتبار اللغة شيئا ان الانسان فى مخاطبته لغيره يحتاج الى ان يكون الاتصال عميقا وثريا واللغة الشئ - المتوظفة - لا يمكن ان تحقق هذه الرغبة الانسانية . ورغبة الانسان فى التفاهم مع غيره وفى فهم نفسه يجب ان تلبيها لغته والا سقط فى السطحية وفى الغربة الروحية . ان اعتبار اللغة شئ أو (( وسيلة للمقاصد )) على حد قول الغزالى يفتر الاتصال بين الناس . ولكن النظر اليها من زاوية الذات والتفاهم بين الضمائر انقاذ لها من التلف . وهذا هو الموقف الروحى والاخلاقى من اللغة . فهى لا تربط بين مادة ومادة بل بين روح وروح .. لذلك يقول قولدشتاين (Goldstein) : (( ان يستعمل اللغة ليقيم علاقة حية بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين ، اللغة ليست آداة ولا وسيلة ، بل هى ظهور الوجود فى صميمه ، وهى رباط نفسى يشدنا الى العالم ويربطنا به وبالآخرين )) وصميم اللغة اذن هو فى كونها رباطا مقدسا بين الناس .
ولكن فهم اللغة على هذا النحو ، يتطلب تغييرا فى الذات واعتناق وجهة أخرى ( Conversion ) وتحولا وجوديا . وهذا يعنى العمل بالمبدأ القائل : (( غير الواقع بتغيير نفسك أيها الانسان )) . وبذلك يقوم حوار حقيقى بين الناس حوار خلاق .. يتيسر بفضل هذه العلاقة الجديدة بين الناس . وهى علاقة قاسية كالآلام المخاض بل هى مخاض . مخاض وجود جديد . حياة الانسان ولغته تصبح مخاضا دائما . وهذا يرفعها عن التفاهة . ولقد ألح على هذا المعنى جان فال J. whal)) بكلمة (poesis) حيث أنها تدل على الخلق الدائم . وبذلك نتأكد من أن ظاهرة اللغة ليست بسيطة ولا ذات وجهة واحدة .. وانها تعفى وراءها الحياة .. وينسىء هذا التفكير بفجر جديد وقريب تزدهر فيه اللغة ، وتصبح ممثلة لقيمة على حد الجملة الختامية فى كتاب اندرى جاكوب(A. Jacob) أى (( اتصالا حقيقيا بين الناس ، لا مجرد أصوات تضاعف عالم الاشياء ولا تكاد تسمع )) .
(( ان اللغة اذن ، كما يقول ميخائيل نعيمة فى (( الغربال )) مظهر من مظاهر الحياة لا تخضع الا لقوانين الحياة ، وهى تنتقى المناسب وتحتفظ من المناسب بالانسب فى كل حالة من حالاتها وكالشجرة تبدل اغصانها اليابسة بأغصان خضراء وأوراقها الميتة بأوراق حية ، وحين لا يبقى لها فى تربتها من غذاء تموت بفروعها وجذورها )) .
ولقد كان بعد الحياة اشرف بعد فى شعر فوته (Goethe) ولعل فى الشعر يكمن جانب كبير للخروج من الازمة .. وهذا ما سنحاول توضيحه فى نهاية البحث . نعم ان الحياة هى عشيقة الشعر .. وقد قال فوته فى جملة رائعة : كل النظريات داكنة الا شجرة الحياة فى اخضرار دائم )) ان الانسان مخلوق حى قبل كل شئ . والحياة هى شبكة علاقات متجددة . متغيرة دوما .. لا تعرف الهدنة ولا الراحة .. ايقاف الاشياء وتجميدها جريمة فى حقها .. وعلينا أن نعيش لحظة بلحظة نمقها .. وهذه الطبيعة بكل عجائبها اكبر عبرة لنا . وأقدر الناس على الاصغاء اليها هو الشاعر . وقد قال قوته : (( ان العالم أكثر عبقرية من عبقريتى )) لذلك يعلم الخضوع التام ونوعا من الاستسلام الى تعليمات الطبيعة والعالم المحسوس الحى . ولعل سر عبقرية فوته كما يقول الشاعر الفرنسى بول فاليرى (P . Valery) يكمن فى خضوعه للأشياء كما هى ، وكما تيدو فى حركيتها ودينامكيتها . والحديث عن الحياة هو الحديث عن الزمن . فالحياة ليست نتفة من الزمن بل هى كل الزمن . وخصوصا منه المستقبل
والآتى . وقد عبر عن ذلك فاليرى (Valery) فى عبارة رائعة قائلا : (( ان الحياة فى آخر الامر الاحتفاظ بالمستقبل )) وليس كما يتبادر الى الذهن الاحتفاظ بالمستقبل يعنى الاحتفاظ بكل فكرة مسبقة ازاءه والامتناع بالادلاء بأى رأ عنه . لنترك له بكارته . وهو سيعرف كيف سيهديها لنا . المستقبل هو هذه الخزانة السحرية التى تحتوى على كل الممكن وهو كنوز من الاكتشافات . والشاعر فى هذا المنظور الذى يغير ويساعد على التغيير .. لذلك يقول أنسي الحاج : (( عند كل زيارة شاعر يتغير العالم قليلا أو كثيرا .. ) الشعر يحدث الكثرة انطلاقا من الواحد )) على حد قول فاليرى (Valery) وهو الذى مثل فوته يعيش مرات عديدة داخل حياة واحدة .. هو الذى يعيش كيفيا . فالحياة خلق أولا تكون . والشعر حب للحياة . وفى هذا المعنى يقول نزار قبانى : (( الشعر هو احداث خلخلة فى نظام الأشياء وترتيبها وهو كسرقشرة الكون وتفتيتها )) لذلك هو عدائى كما يشير الى ذلك أوجين يونسكو (Ionesco) الذى يقول : (( كل أدب جديد هو عدائى . العدائية تمتزج بالاصالة وهى تقلق ما اعتاد عليه الناس من افكار )) .
الشعر هو لحظة تخرج باللغة من الكسوف الذى سقطت فيه . لانه يؤجج نار بروميوس(Promethee) المنطفئة ويرفع الرماد ولانه يختار الحركة ويرفض السكون . الشعر كالفلسفة خروج من مملكة العادة والادمان الى مملكة الدهشة وعظمة الشاعر تقاس بقدرته على احداث الدهشة . الشعر ليس انتظار ما هو منتظر . وانما هو انتظار ما لا ينتظر . انه موعد مع المجىء الذى لا يجىء والآتى الذى لا يأتى .. الشعر الحقيقى لا يسير على الارصفة المخصصة للمارة كما يقول نزار قبانى ، ولا يتقيد بالاشارات الضوئية وانما يتقدم فى المجهول والحدس والمغامرة . ولا يوجد شعر بدون اغتصاب . والاغتصاب يعنى تمزيق الغشاء الذى تنسجه المفردات والافكار والعواطف حول نفسها مع تقادم الزمن .. ولا قيمة لشعر لا يحدث ارتجاجا فى قشرة الكرة الارضية ولا يحدث تغييرا فى خريطة الدنيا وخريطة الانسان . لذلك يقول نزار قبانى : (( انى لا افهم الشعر الا من جهة كونه حركة ، حركة مستمرة فى سكون اللغة ، وفى سكون الكتب وفى سكون العلاقات التاريخية بين الاشياء ..
الخروج باللغة من الازمة هو اعادة الطفولة لها ، بكل ما فيها من براءة ومكاشفة وتلقائية . وهو اعادة الحركة لها بكل ما فيها من خلخلة للموروثات الثقافية والنفسية والتاريخية التى أخذت شكل العادة والقانون ، لان أخطر
ما يقع فيه المتكلم هو السقوط فى صمغ الطمأنينة ومهادنة الاشياء التى تحيط به . والانسان الذى لا يعرف قشعريرة الصدام مع العالم يتحول الى حيوان اليف استئصلت منه غدد الخلق والدهشة . والخلق روح العالم . ولا زمان يؤجله أو يمنعه ولا أحد يعوض الآخر فى عملية الخلق .. ولعل أجمل بيت شعر عربى فى هذا المعنى هو الذى قاله أبو العلاء المعرى :
(( وانى وان كنت الأخير زمانه لآت بما لم يستطعه الآوائل ))
وسان جان بارس ( St. J. Perse ) شاعر مجهول والاكتشاف الذى خلق معجما شعريا ، كل كلمة فيه تحمل معنى جديدا ، وكل مفردة هى مفردة حقا من حيث انها ايداع وتفرد . وكل ذلك الى تجربة الحياة وعمقها وتفضيلها على كل التجارب وكما يقول فوته : (( إن الحياة - حقا - لهى شجرة من ذهب )) والمسألة كل المسألة هى فى تعلم حب هذه الشجرة العجيبة ..
