1 - اطوار حياتي الأدبية . 2 - لماذا فضلت القصة ؟ القصيرة ؟ 4 - هل قصدت تمثيل الشعب بآماله وآلامه فى قصص ؟ 4 - لماذا اخرجت بعض مسرحياتى بالعامية ؟
( 1 ) هل يمكن لكم ان تلخصوا اطوار حياتكم الادبية ؟
كان من الخبر ان يجيب عن هذا السؤال غيرى ، مستبينا اطوار حياتى الادبية ، من خلال تصفحه لاعمالى ، فى نحو اربعين سنة . فما يستطيع المرء ان يرى نفسه كمثل ما يراه غيره ، ولعل الغير اقدر على الاستبانة والاستخلاص على ان هذا لا يمنعنى ان استغرق فى لحظة من التأمل ، لاتعرف اهم ما كان لحياتى الادبية من اطوار .
واغلب ظنى ان اهمها طوران : الطور الاول ، ما اسمية " فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى " وقد شب يومئذ شبابى ، واكتمل للكتابة تأهبى ، ففى هذه الفترة ملكتنى فكرة الاسهام فى الادب بلون جديد ، يعبر عن نزوعنا الوطنى ، وحياتنا المحلية ، فألفت من القصص ما الفت ، حريصا ما وسعنى الحرص على ان اكسوها مسحة مما تقع عليه عيوننا فى البيت والسوق ، مصورا من الابطال ما يمثل شخوصنا الذين نعايشهم صباح مساء . ومن ثم خرجت مجموعات قصصى وكأنها الواح فاقع لونها للعهد الذى نحيا فيه داخل وطننا المحدود . وكان هذا الطور من حياتى صدى لما كان يعتلج فى نفسية الواطنين حينئذ من رغبة فى تقويم الشخصية المحلية ، واظهار معالمها فى شتى صور التعبير . ولا غرو ان يكون ذلك هو الامنية القصوى لشعب كان يلتمس الخلاص من التبعية ، وينشد الحرية والاستقلال ، ويريد ان يتبوأ مكانه الخاص تحت الشمس .
واما الطور الآخر من حياتى الادبية ، فقد بدأ قبيل الحرب العالمية الثانية ، وانا مكتمل الرجولة ، فقد افدت مما قرأت ، وانتفعت بما رأيت وسمعت ، ومربى من التجارب ما انضج خبرتى ، وعمق معرفتى ، بحقائق الاشياء ، وفلسفة الحياة . فجعلت اتخفف من اللون المحلى ، ولم يعد يزدهينى تصوير المظاهر الخاصة يقدر ما يشغلنى اسلوب المعالجة ، وطريقة التحليل ، واصالة الموضوع . ذلك اننا فى هذه الفترة كنا قد استقبلنا عصرا نستثمر فيه
حريتنا ، واستقلالنا ، لاكتساب الرقى العلمى والادبى والاجتماعى ، وسرعان ما تكونت بيئة ادبية واعية تستهدف السمو بأدبنا العربى الى مستوى الاداب العالمية على اوسع نطاق . ومنذ ابتداء تلك الفترة جنحت فى قصصى الى تناول موضوعات وثيقة الاتصال بالطبائع البشرية فى مجالها العريض ، مؤمنا يأنه لا خلود لادب الا اذا كان صادق التعبير عن الانسان ، مصورا لاعمق خوالجه واشيعها فى كل مكان .
على انى حين راجعت عملى فى ذلك الطور الاول من حياتى ، كان مما بعث الطمأنينة الى نفسىى ان هذا العمل فى جملته لم يخل من بزور انسانية اصيلة وبفضل هذه البزور اتيح لاكثر المجموعات الاوائل من قصصى ان تبقى حتى اليوم بين ايدى جمهرة القراء .
( 2 ) لماذا فضلت القصة القصيرة على القصة الطويلة ؟
لا شك ان القصة القصيرة ، من الناحية الشكلية ، منالها ايسر ، ولذلك يتهافت عليها كل وارد . ويسر القصة القصيرة لا يقف عند حد كتابتها ، بل انها ميسورة ايضا للنشر ، ميسورة للقراءة ، فأنت اذا اردت الدخول فى ميدان القصة من اقرب ابوابها كتبت القصة القصيرة ، واذا كتبتها تسنى لك نشرها فى صحيفة او مجلة ، والقارىء يقبل على قراءتها لانها لا تستنفد منا كبير وقت او كبير تفرغ . ولكن هل كان هذا حقا هو السبب الذى جعلنى اوثر القصة القصيرة على الطويلة ؟
أحب ان ارجع الى قصة كتابتى " للقصة " من اولها . . . فقد كنت قارئ قصة قبل ان اكون كاتبا قصصيا ، واكثر ما قرأت فى مطلع حياتى الادبية كان من القصص القصير . قرأت " لموباسان " و " تشيخوف " واضربهما , فلم تكن بدعا ان احاول اجراء القلم بقصة قصيرة تنحو هذه المناحى التى فتنتنى قارئا . وفوق ذلك وجدت فى نطاق القصة القصيرة وسيلة لاظهار مدى قدرتى المحدودة عل التقاط المشاهد ورسم الشخصيات ومعالجة الموضوعات . فلما امتد بى الوقت ، وتوافرت لى التجربة ، وتعقدت امامى مشكلات الحياة ، وتشابكت صورها المختلفة ، كان من الطبيعى ان اعالج القصة الطويلة . وقد كتبتها فعلا ، واطمأننت الى انى وفقت فى كتابتها توفيقا احمد الله عليه ، ولكن موقفى من القصة القصيرة كان كما قال الشاعر :
أتانى هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وأظننى ما زلت على هواى للقصة القصيرة ، مصداقا لقول شاعر آخر :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاول
( 3 ) مسرحكم وقصصكم ينبض فيها قلب الشعب بافراحه وأتراحه وآماله ، فهل قصدتم ذلك ؟
لم اقصد ذلك البتة . ولو قصدته ما بلغته . فالقصد فى الفن لون من التكلف . وعند التكلف الزلل . ولست اعنى بذلك انى اخطأت فى اخراج عملى الادبى على هذا النحو ، او انى اعد ذلك تهمة يجب التبرؤ منها .
لا يا سيدى ! انه لشرف اى شرف ان يكون عمل الكاتب صورة لافراح شعبه واتراحه وآماله فتلك آية الصدق فى عمله الفنى ، وذلك برهان استجابته الدقيقة للحياة من حوله . واذا توافر للكاتب صدق التصوير الاجتماعى ، وحسن الاستجابة للمشاعر الانسانية ، فقد أدى رسالته حق ادائها ، وقد ضمن لعمله الادبى ان يكون خالدا ان كان شىء فى هذا الوجود مكتوبا له الخلود . . . ومن قبل فاخر " شوقى " بهذا فى قوله من نونيته العصماء :
كان شعرى الغناء فى فرح الشرق وكان العزاء ف أحزانه
كل ما صنعت انى ارهفت سمعى ، وحددت بصرى وايقظت حسى ، فى البيئة التى تعايشنى . وعاهدت نفسى ان التزم الصدق الفنى فى استيحاء ما اسمع وارى ، وما اشعر به وأتأثر . ولئن كنت حقا قد وفقت فى التصوير والتعبير والاداء ، انى بهذا التوفيق لهانئ سعيد .
(4 ) لماذا اخرجتم بعض مسرحياتكم باللغتين : العامية والفصحى ؟ الا تخشون ان استعمال اللهجة المحلية يؤدى الى تجزئة الأدب العربى ؟
نعم ، اخرجت بعض مسرحياتى مكتوبة بالعامية ، لان هذه المسرحيات تتناول شخصيات محلية متغلغلة فى البيئة الشعبية العامة ، وموضوعاتها عصرية تلابس حياتنا الحاضرة . وفى كتابتها بالعامية تقريبا لهذه الشخصيات من حقيقتها الواقعية ، وفسح لمجال الموضوعات ان تبدو ملامحها الدقيقة التى تتمثل فى التعبيرات المحلية الخاصة .
على انى لم ارد ان اكتبها بالعامية للقراءة ، وانما اردت ذلك للتمثيل فقط فى مسارحنا ، داخل بلدنا المحدود . وكتبت هذه المسرحيات نفسها بالفصحى للقراءة على وجه عام ، وللتميثل على وجه خاص . واما انى اخشى تجزئة الادب العربى من استعمال اللهجة المحلية ، فأصارحك بأن الخشية من هذا لا محل لها من الاعراب !
الفصحى اقوى من ان ينال منها استعمال اللهجة المحلية فى بعض المسرحيات الممثلة . وحسبك ان الفصحى هى لسان العلوم والفنون والآداب , وهى لغة الصحافة ، واغلب ما يرسل من الاذاعة ، بل هى ترجمان الثقافة على اوسع نطاق . وهل تشك فى متانة الفصحى واصالتها فينا وانت تراها تتغلغل وتنمو وتزدهر على الرغم من ان اللهجات المحلية منتشرة فى الاوطان العربية جمعاء ؟ لا ضير على الفصحى من ان تمثل بعض المسرحيات ذات الشخصيات الشعبية والموضوعات العصرية فى بعض الاحبان باللغة العامية . وانما الضير على الكاتب الذى يقتصر على اللهجة المحلية ، فيحرم انتاجه ان يشيع فى غير بلده من البلاد التى لا تحسن فهم تلك اللهجة ، و " على نفسها جنت براقش " كما يقول المثل العربى الفصيح !

