نعم . لقد آن أن أخرج من الصمت وأن أحاول -ما استطعت - مواجهة الواقع الذي فرض علينا ، معايشة هذا الواقع المرير الذى لم يكن بالحسبان
لقد كان الصمت حكمة ، ملاذا يلجأ اليه الضعيف إلى أن يندمل الجرح وتلتئم القوى وتتماسك النفس وتتجلد
لقد كان الصمت هدنة بل هروبا بل مغالطة وتمويها ، وان فى المغالطة والتمويه لحكمة أحيانا . كنت ولا أزال أحاول جهدى أن اعتصم بالنسيان وأفرغ ذهنى من أشباح الواقع فآوى الى الصمت درعا ووقاء .
ولكن ما نفع الصمت ؟ والنفوس أبدا تهمس وتتحدث . ما نفع الصمت والنفوس غذاؤها وشفاؤها الكلام به تتحرر وتستبين وتتبصر وتتعافى
ما نفع الصمت وأنت منى وأنا منك لا مناص لبعضنا من بعض ! فقد يقسو العقل ويعمى ويتجبر ويضل فاذا للقلب رفة واذا للقلب رعشة وخفقة . وقديما قال المفكر الفرنسى باسكال ما معناه : " ان للقلب براهين وعللا وسبلا يجهلها العقل ! "
فهذا الصمت اذن قد مزقناه . . كالقناع يلقى اذا وجب الصدق وجد الجد .
ماذا أقول بعد هذا ؟ أى لهجة أتوخى ؟ وبأى موقف أكون ؟ هل سأنصح ؟ أم أواسى وأعزى ؟
أحب أن أكتفى بكلمة وردت ، ان صدقت الذاكرة ، فى الانجيل أو التوراة فى حق البشر جميعا : " كلهم خطاة "
نعم . " كلنا خطاة " ؛ لا أقول هذا رفقا وتحننا -وانما هى حقيقة صلبة لا ريب فيها .
لقد قال المسيح للجماعة التى تصدت للمرأة الزانية تريد رجمها : " من كان منكم سليم القلب بريئا من الاثم فليتقدم ! " ولقد أحجموا عنها جميعا وأمنها المسيح
كلنا خطاة بالنظر الى باطن النفوس وحقيقتها وما خفى منها . كل ما فى الامر أن بعضنا قد برز خطؤه وانكشف وافتضح ، وفينا من هو ينعم بالسلامة
او العصمة - ظاهرا - والقلب أتون أو جحيم أو بؤرة من الشهوات تضطرب وتصطرع أبدا . حرب سجال قائمة من وراء حجاب تموت وتحيا ابدا .
لا أقول هذا قدحا فى هذه السلامة وطعنا فيها ولا تبريرا للخطا وتسويغا ولا نفيا للمسؤولية والاختيار فما كان الانسان يوما مجبرا محضا ولا مخيرا محضا وانما هو بين بين
انها كلمة تواضع وشهادة حق يضعها المرء بين يديه عساه يأمن الزلل وينجو من المحنة .
الخير والشر ! ما أقرب هذا الى ذاك ما أشد اعتناقهما واشتباكهما وان ظن البسطاء من الناس وزعم المنافقون أن بينهما هوة لا قرار لها .
كلنا خطاة فلنتصفح نفوسنا ولنحدق اليها تفهما ومحاسبة - فنراها عارية كما هى فى خبثها المتقنع المتسلل يكر ويفر ، وخيرها الشاحب الصامد القائم العاثر ، فليس كتأمل النفس والبحث عن جذور الافعال وفروعها سبيلا الى " العافية " ، هذه العافية النسبية الوسط المتواضعة التى ننشذها فى الحياة ونجهد من أجلها ليل نهار
كلنا خطاة فهل أظلم ممن يسم امرأ بميسم الذل والعار الى الابد - على مرأى ومسمع من الناس جميعا - لمجرد فعلة واحدة اقترفها فى لحظة من لحظات الذهول والغيبوبة ؛ سمة ابدية كما لو كان في وسعنا أن نحصر الانسان - ذلك الكائن العجيب ، ذلك العالم الزاخر بالعجائب والاسرار - ونحده ونقف على لبه وكيانه فى لحظة واحدة من عمره أو حركة من حركاته .
وهل تعنى اللحظة من العمر كله والحركة الواحدة من سلوك شخصية بأسرها هل تعنى الا أن ظروفا تواطأت وتألبت على المرء فألقت به صريعا ، آثما بالرغم منه ، وهو أنكر الناس لفعلته واشدهم سخطا على نفسه .
كل يختصر . كل يجزأ . كل يقسم ويرتب الا الانسان فهل من ظلم أشد من أن نعمد الى المرء فنحشره فى اطار موحد مشاع . سجنا مشتركا . منزلة تفرض فرضا . تصنيفا حاسما لا مفر منه كالجرح المزمن يدمي وينخر على الدوام .
التسوية . . التوحيد . . التعميم الفاحش الجائر ، تلك علة مجتمعنا . تلك أدهى عيوبنا التى نعتز بها ونتبجح ونراها - يا للسخرية - اقتدارا وحذقا وتنظيما . آية من آيات العلم والرقى
" التعريف " هو المفتاح . والسر والمعجزة فى أن تجد " العنوان " .
اقصى غايتنا ومنتهى غنمنا أن نبسط الانسان ونصنفه كالذر والجراد ، واذا الاسرار بأيدينا ، واذا الغيب طوع أمرنا واذا الحقيقة زفت الينا . ونحن نتفطن ولا ندرى أن قد ضيعنا - بذلك - الاسرار ومسخنا الحقيقة وانتهكنا الغيب
