الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

خواطر حول عقيدة ابن رشد الدينية

Share

ليس ثمة فيلسوف عربی نوقش تفكيره الديني واثار النزاع أكثر من تفكير  ابن رشد ( 1198 - 1126  ) . فان لم يحظ هذا الفيلسوف بين أهل ملته  بالمكانة التي تليق به وان اضطهد من طرفهم ورمى بالكفر والزيغ فهو لم يكن  أسعد حظا عند ( المدرسية ) . فابن رشد في أعين  Gilles de Rome   ( 1316 - 1243 ) قد حقد على اليهودية والمسيحية والاسلام وهو أول من اعتبر  الديانات ترها وأباطيل رغم اعترافه بصلاحيتها ونجاعة مفعولها ، أما  Gerard de Sienne تلميذ Gilles de Rome فقد سار على منوال استاذه في  نقمته على فيلسوف قرطبة وظل حتى النصف الأول من القرن الرابع عشر  يبدى تجاه فلاسفة العرب نفس الهجومات التي شنتها المدرسة الاغسطنية ،   ثم أتى Raymond Lulle (1315 - 1233 ) وبذل ما في وسعه للتنديد بالرشدية  وبابن رشد الذي كان حسب زعمه قد أبطل نظرية خلق العالم وما اعترف  بالعناية الالهية وبالوحي وما آمن بخلود النفس بل كان ينادى بمذهب التلذذ  ويحث على طلب الشهوات ومسايرة الهوى ، ومما اسعر نقمة Raymond Lulle  وزادها حدة ظنه أن « نظرية الحقيقتين » نظرية رشدية قال بها ابن رشد وأقام عليها صرح فلسفته الدينية "Raymundus errorem illum tolerare non poterat quo Averroistae dicunt multa esse vera secundum fidem, quae tamen falsa sunt secundum phi- osophiam (1) "

لقد كنا نظن ان هاته التهم الموجهة ضد ابن رشد ستضمحل وان سوء الفهم الذي نفذ الى الرشدية وحل بها سيمحى مع الزمن ليترك المجال لتفهم عادل نهائى لتفكير الشارح الديني ولكن هيهات فالحالة بقيت على ما كانت عليه ومنذ القرن الثالث عشر الى يومنا هذا اعتبر ابن رشد عدو الدين او على الاقل متحررا منه ، لقد قدم  E . Renan عام 1856 أطروحته الشهيرة ( ابن رشد والرشدية وذكر من جملة ادعاءاته ان ابن رشد تفلسف بكل تحرر ولم يقصد مصادمة الشريعة ولا حاول اجتناب هذا الاصطدام ) وفى سنة 1889 أعاد المستشرق Mehren النظر في المسألة ثم تبحر فيها   Asin Palaccios فأفضت أبحاثهما الى استنتجات فى غاية التضاد وان اتفق المستشرقان على

اعتبار ابن رشد متكلما لم يضمر للدين أى عداء ، فخمدت المشكلة حينا الى أن أثارها من جديد Leon Gauthier سنة 1909 فى أطروحته المسماة ) نظرية ابن رشد فى التوفيق بين الدين والفلسفة ) حيث صرح بأن ( فصل المقال ) يحتوى على نظرية ( عقلانية ) خالصة فعارضه فى ذلك المستشرق الالمانى Horten سنة 1913 وقال ان ابن رشد فيلسوف متدين حتى التزمت ومناضل  عن الشريعة الاسلامية يؤمن بالدين ايمانا أقوى من ايمانه بالعقل ، فتفرغ الأب Anuel Alonso للمشكل واعاد فيه النظر وأظهر سنة 1947 كتابه المسم Teologia de Averoes وأعلن فيه أنه ليس فى نظرية ابن رشد المتعلقة بالدين أثر للعقلانية وانه ليس فى مقدور ( فصل المقال ) ان ينسينا كتاب الكشف عن مناهج الادلة ( ويحطم ما جاء فيه من تدين ابن رشد وتزمته في ذوده عن الشريعة .

لقد تبين لنا من خلال هذه اللمحة التاريخية الموجزة ان كل هاته الاطروحات والنظريات التى قدمت حول ابن رشد والرشدية متطرفة متناقضة ان لم تكن غالبا مخطئة والسبب فى ذلك يرجع الى حد بعيد الى التراجم اللاتينية التى نقلت اليها مؤلفات ابن رشد فى العصور الوسطى والتى حرف جلها من جراء تأويل وتفاسير مدرسة  padoue التى كانت حصن الرشدية فى شرقي ايطاليا الشمالية فالنظريات المنسوبة الى ابن رشد كوحدة العقل وأزلية العالم وفناء النفس مع الجسد وازدواج الحقيقة لم تكن الا نتيجة عرض مقتضب مشوه للتفكير الرشدى ودراسته دراسة جزئية سطحية ، ثم ان مفهوم العقلانيه الذى بعث به بعض المؤلفين مذهب ابن رشد ملتبس اذانه يقال باشتراك الاسم تارة فى نظرية تقوم داخل الايمان لتبرهن على العقائد الدينية معتمدة فى ذلك على العقل وطورا في نظرية تبطل بادىء بدء وبصفة ( قبلية ) a priori كل دين لتدعم وتشد فيما بعد صرح حقائق عقلانية . فهل عمد ابن رشد فى فصل المقال والكشف عن مناهج الادلة الى ابطال الشريعة الاسلامية ليضع محلها دينا شبيها بدين فلاسفة فرنسا فى القرن الثامن عشر ؟ هذا قول فى غاية السقوط لان عنوان الكتاب نفسه " الكشف على مناهج الادلة فى عقائد الملة ينافى هذا المعنى . هل ترك العقل جانبا واقتصر على السماع وعلى الايمان الاعمى الذى ناصرته الحشوية ؟ ليس هذا بصحيح فما عليك الا أن ترجع الى كتابه وتنظر فى باب البرهنة على وجود الله والقضاء والقدر والعدل والجور . . لتتبين أن فيلسوفنا ينادى باعمال العقل فى كل المسائل الدينية ويندد بالايمان الضيق الذى يخالف مقصد الشارع ويضاده .

فهل هذي ابن رشد بعقله ووجدانه كالصوفية فى شرحه أصول العقيدة وبرهنته على العقائد ؟ أبدا فكم من مرة لفت نظرنا الى طريقتهم والى غلوها وزيغها عن المناهج القويمة . فهل حبذ طرق الاشعرية الملتوية المتشعبة التى هي حسب زعمهم طرق منطقية مبنية على أقيسة وبراهين ؟ كلا ان ابن رشد

قد وجدها فى الغالب سفسطائية ولا تفضى البتة الى اليقين بل هى حسب فيلسوفنا مضادة للادلة الشرعية . فما هو ابن رشد اذن وما هى حقيقة ذلك الفيلسوف الجليل الذي نهشه الدارسون ورماه بالتزمت والرجعية المتفلسفون واحتضنته " البراجماتية " لسوء فهمها لتفكيره الدينى .

ان ابن رشد قبل كل شئ فيلسوف مسلم عاش فى بيئة اسلامية وانتسب الى أسرة علم ودين وكان أبوه وأجداده قضاة وباشر هو نفسه القضاء . فمنذ حداثة سنه تلقى تعليما دينيا قويما ونشأ على مذهب مالك ابن أنس وكلنا يعرف ما لهذا المذهب من شدة وصلابة ثم تعلم علم الكلام وحذق الاشعرية . فتأصلت شخصيته القاعدية ونمت وتغذت من عادات ونفسية وأخلاق اختصت بها المدنية الاسلامية فى زمانه ثم انضمت الى تلك الشخصية الفتية الثقافة اليونانية بوجهتيها العلمية والفلسفية فماذا سيكون اذ ذاك موقف ابن رشد من تلك الوضعية وامام ثقافتيه الاسلامية والاغريقية فهل سيتخلى عن ثقافته الاصلية ليعتنق ثقافة اليونان العجيبة ورائدها أرسطو طليس الذى كان فيلسوفنا شديد الاعجاب به والتقدير له أم سيحافظ على ثقافته الاسلامية ويشحنها بعناصر دخيلة على الفكر العربى ؟ ان هاته الازدواجية المحرجة التى واجهها ابن رشد هى بعينها التى يعانيها الكثير منا اعنى المثقفين المغاربة اذ أرجلنا قائمة فوق تراب افريقيا وهامتنا سابحة في أجواء الغرب . فلا بد اذن لابن رشد من حذق وافر ليوفق بين ثقافتيه اللتين تخالهما متناقضتين متنافرتين أول وهلة ولا بد له من أن يؤلف بينهما تأليفا عقلانيا وان يتجاوز ذاته مع المحافظة عليها فذلك هو بالحقيقة ابن رشد من جميع نواحيه بل قل تلك هي أصالته بتمامها .

ان عقلانية ابن رشد ليس معناها ابطال الحقائق الدينية باسم العقل ولا تشويه الشريعة والحط من قيمة ما جاء فيها من أبينة وتعاليم بل محاولة تعزيز وتوطيد سلطانها بقوة البراهين اليقينية وعزم على دحض التأويلات المبتدعة التى ادخلها المتكلمون على أهم عقائد الملة الاسلامية . فان عمد ابن رشد فى مهمته هاته الى الادلة والحجج العقلانية فليس قصده البلوغ من خلالها الى مزيد من التيقن يطمئن به فؤاده بل ليبين جليا وحدة الحق وليقرر بقول فصل أن الحكمة لا تخالف الشريعة لانهما تعبران عن حقيقة واحدة فى ذاتها ومقاصدها وان بدت فى صور وأشكال مختلفة .

اشترك في نشرتنا البريدية