الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

خواطر في الفن والحياة . ., فقرات من دفتري . .

Share

يتناثر لحم الفنان ودمه لتقتات منه الديدان والأرض ، مثل بقية بنى الأرض . أما كلماته " المضيئة " فتتناثر فى الأجيال الصاعدة ، لتكسو العرى بلحم الفنان ودمه ...

- 1 - * إنسان " تونس الجديدة " لم يعد ذاك الغريب ، يجتر مع الأصل أشلاء جثته المكفنة بالفراغ . لم يعد ذاك الشبح المفكك من صورته والصوت الفاقد لصداه . .

انسان " ما بعد التحرر " فى أرضى الحبيبة قد وجد ما هو أجدى من أعقاب السكاير المهملة ، ومن السهر الانتحارى والساعات المبصوقة فى مواخير الاستجداء للقدر آنا ، وللصدفة آنا آخر . .

محجوب ماسح الأحذية لن يعثر عليه بعد اليوم ، تحت أغصان الزيتون بالمقبرة حيث كان ، ذاك الغريب . . ذاك الانهزامى يحتسى بين رفقة الزوايا أرخص أصناف العرق مع الأرملة المومس الخادم عند فاستون السفاح للثوار فى بلادى . . .

مع القطيع البشرى الظيب الدؤوب من أجل اقتناص الخبز ، قطيع العمال والضائعين كان انسان " المدينة العتيقة الميتة " يجلس ويقف ويمشى . . .

وذات يوم . . . التفت ذاك الانسان فاذا بأهله بلا آذان . بلا عيون . واذا بالمدينة مقبرة خرساء بلا قبور . حتى هو كان جثة تمتد اليها أصابع الفناء ومناقير

الغربان . كان جثة فى مدينة الجثث التى فر من موكبها الرهيب المشيعون والتى أخذت تجتر نفسها بنفسها الى قعر الهاوية . .

أما اليوم .

فقد استيقظت المدينة الصغيرة من غفوة الفناء . فاذا بالانسان الجديد هذا الثورى المؤمن بما ( فوق الزمني ) يخيط أشلاءه الضائعة مع أشلاء ضحايا الجهل والحرية فى كل مكان . واذا به يقيم نثار عمره من كل قطرة دم لم تعد أنهار الدموع قادرة على غسلها . .

هذا الانسان الجديد ، ليس فقط انسان تونس بل انسان البعث فى كل مدينة مؤمنة " بالفعل الثورى الخلاق " . . . بالفجر الجديد . .

- 2 - هواة الاجازة الأبدية والراحة مدى الحياة ، هم أولئك الذين يحيون زاحفين على تراب العادة ، ينظرون أفقيا ، يفكرون أفقيا ، وينافقون ويتفوقون أفقيا .

أما " الحى " فى شرعتى ، فهو ذاك الذي يبحث عما وراء القريب عن الأبعد ، وينتزع كل ما هو أزل فى صميم " اللحظة " العميقة

والفنان " الحي " في اعتقادى ، هو ذاك الذي تستمر خلاله ازمة التمزق الانسانى من أجل " انسانية " أعمق . إنه حس التطور وضمير الرقي . جبهته اللحظة العميقة تمتد اليها منه وتمسك بها أصابعه لتتداعى الأقنعة . ليماط اللثام . لتمحي وصمات الدونية ، والعجز ، والاعوجاج والشيئية . . . يعود الفنان ( أديبا كان أو شاعرا أو رساما أو موسيقارا ) من رحلة المجهول ، مستنفذا الوسع من أجل تجسيم ما حام على نجواه من رغبة تلوين السانح ، وتسليط حزمة ضوئية على طلاسم المبهم ، تلك الأرض الحبلي بالألغام الدفينة ، والتي تستعصى على غير " العار فيها " من معاصرى الفنان ، وعلى غير " المدركيها " لدى اطلالة الفنان العالية من تحليق الوحى ، " ليجلب " حسهم " الأفقى " بما " فوق الزمني " وبما خلف الظاهر ، وبما وراء القريب . . .

ذاك الفنان الذي تصبو اليه يقظة كل مدينة صباحية شابة ، خلاقة ، ليس من هواة الاجازة الابدية والراحة مدى الحياة ، وليس ذاك الذي

يتملق غرائز " البلهاء " أو قهقهتهم أو صهيلهم بقرع طبول الاطمئنان البليد أو النعيب الباكى ، بل هو ذاك الذي تحيا عروقه فوق بشرته . فلا عل الطمأنينة الزائفة يتمدد ، بل على الارق الاكال الانتحارى . أجفانه جسرنا لعالم غير هذا العالم الآني الذي نراه ، بل لعالم سرمدى ظاهر وخفي ، هو عالم " انسانيتنا " وقد طهرت من الفجاجة والسلبية الناتجتين عن وضع " الكائن الحى" فى كافة الأطر بما فيها إطار ثرثرة السابلة ، ونتن الجثث المتحركة ، وروائح المومسات السكارى ، ودخان السادرين ، وغثيان البول والقئ على جدران الأزقة الملتوية النحيلة ، الهاربة أمامك . .

ثم قس أنت على ما عرفت وما لم تعرف من حملة القلم ، وعلى ما أنتجته القرائح وما لم تنتجه ، ثم اعفني من الاستقراء معك . . .

- 3 - بعض ملامح المدينة العتيقة ، قد عكسها القلم والريشة على اختلاف فى مستوى الوفاء والاتقان . وحسبك ( ببرق الليل ) البطل الخرافى البعيد الاشارات ، وبـ ( بودودة مات ) ترفرف أمامك أجنحة روحه . وببعض رسوم الأقواس ، والزوايا و " القباقب " .

ومعلوم أن ما ذكرت هنا ، لا يمكن حشره مع " دجاجة عمتى " أو " عمتى عايشة راجل " أو " الجمل ضحك ضحكة " البون شاسع ، ٠٠ كما ترى . . .!

ومن التعسف بمكان ، أن يضحك " انساننا " الجديد ساخرا مستخفا بهذه الأسماء والعناوين التى قد يرى أنها أحرى بمتحف المدينة " الميتة " القديمة ، وبكهوفها السردابية . كما انه من الظلم بمكان ، أن نلقي تماما تلك الملامح التى قد لا يرى فيها ( البكاؤون ) ( 1 ) حسب اصطلاح الاستاذ البشير بن سلامة ، وهم ( الجنس الثالث ) من المنتقدين بين التمشرق والتمغرب النزعتين السلبيتين اللتين أشار اليهما الاستاذ محمد مزالى منذ سنة . . قد لا يرون فيها الا قيمة دعائية سياحية ، وأنا أدعو هؤلاء الى تعديل احكامهم واصلاح مقاييسهم والاقتداء بالنظرة الشهمة المتسامحة التى دافع بها الاستاذ " بن سلامة " عن كيان أدبنا التونسي وأصالته . وما أحوج حياتنا الادبية الى هذا الضمير الادبي ، والرؤيا النقدية العقائدية . فالبؤرة

في التقييم النقدى عند بعضهم قد سمدت تربتنا الفكرية سمادا غير لائق . فاما   " الشطب " المجاني الأخرق بجرة قلم أو لسان ، واما التصفيق المنافق للتيار بشكل صبياني في غير مصلحة التيار ، ناسجين من خيوط الاطراء العنكبوتي ثوبا فضفاضا تبدو فيها حقيقتنا مثل بدوية تكيست وتحذلقت بطريقة سوقية وشعرها يلمع بزيت يسيل على جبينها وفوديها ، ومتهدل على كتفيها بكيفية خالية من الذوق . . . مثيرة للضحك . . .

وعسى أن يتقلص شبح الناقد الانهزامى ، أو العدائى ( بكاء كان أو متمشرقا أو متغربا ) فتنتهي بذلك " ضجة قرن الثور فى مصنع البلور " . . هذا البلور الذي يمكن لكل ذى بصر أن يبصر من خلاله أمجاد تونس الأدبية منذ القرن الثاني للهجرة الى اليوم كأسد بن الفرات وسحنون ، وابن رشيق وابن شرف وابن خلدون ( الخ ) ممن اتسع الجانب " الانسانى " من تفكيرهم وأصبحوا مفخرة لا لتونس فقط ، بل للعرب وللفكر " البشرى " . .

- 4 - برغم تأييدى للاستاذ البشير بن سلامة الذى أجل فيه نبل نظرته وشهامة دفاعه عن أدبنا . وبرغم دعوتى الملحة الى " ضرورة التحاضن الفكرى " ( 2 ) فثمة سؤال يطاردني . يلاحقني . يثقب تفاؤلى . يخترق لامبالاتي كلما تحاورت فى صمت مع كتاب أو لوحة أو نغم . . أو بناء معماري . .

- الى أى مرفأ يحملني الأثر الفنى ؟ .

هذا هو السؤال الذى أصبحت تزعجنى مجابهته ، وأنا احث الخطو في حينا الادبي باحثا عنك وعنى وعنهم .. !

أما الاجابة التى أراها ونسيها " الكثيرون " فهي التالية : "انسانيتك مرفئى " تلك التى خرج من أجلها منذ قرون الفيلسوف الأغريقي " ديوجين " حاملا مصباحه فى رابعة النهار يبحث عن " الانسان " .

انسانيتى مرفئى .. !

ذلك أنني كما أسافر مع موجة عبير ، أولون ، أو عيون طفل طاهر ، أو أصابع متسول ، كذلك أسافر مع الأضواء والظلال والنقطة والقمة والابعاد والجو واللازمة واللون فى أثر فنى ما . .

- الى أى مرفأ .. ؟

رب لمسة فنية ، أو لقطة بارعة ، أو ايماءة موحية ، قذفتنى دفعة واحدة ، أمام انسانيتى . كشفت وجهى الحقيقى . وجهى العميق الذي لا يرى الا من خلف ملامحى والذى يتعطش الى بضعة قيم غارقة هنا ، بين خفايا دواخلى ، وغوامض سرى . . .

- إلى أى مرفأ ؟

وهذه التوائه من الخطوط والالوان تطارد اهتمامى تعطل احساسي بالفن . تمزق عزم الرؤيا . تحجرنى أمام براقع الان " الكرتونى " الملصق فى أطر ذاك الفن الانغلاقي الذي تترجرج أشواطه المقطوعة فى دروب الحس بتقشط عن هيكلى اللحم . . تستحيل نارى الى ذرات غبار فى " مدخنة " اين هم ما دامت آثارهم لا تدل عليهم الا بما يخفى وجوههم .

خلف آلاف النسخ والبراقع والاقنعة . ماذا سيبقى فيكم يا هؤلاء لو بحثنا فى آثاركم بمصباح " ديوجين " عن ( الانسان ) الذي لم تكونوه يا حملة رايات المتحف العتيق ، ولافتات الواقعية والالتزام التى لا واقع ولا التزام فيها .

- إلى أى مرفأ ؟

ولحظات القارئ المثقف ( العميقة ) هى تلك التى ينتزع فيها " أزلية الانسان " هذا الذى تلف تفاريقه مدار الأزمنة والأمكنة " . أنا وانت نبحث فى فنونهم عنا ، عن حقيقتنا من أجل أن نمارس حقيقتنا . نضاجع حقيقتنا نصفي معها حساباتنا . . القديمة والجديدة . . - إلى أى مرفأ ؟

وما من الاصطدام بك من بد ، وانت يا قارئى تجيل نظراتك فى ما حولك ؟

أصوات الصامتين فى تونس الجديدة بدأت ترتفع من صدور الشباب . بدأت تستأثر باهتماماتى الصغيرة والكبيرة ، وتهدد بالسحق كل عوائق التطور ، مشيرة بأصابع من نار الى الأطر العتيقة ( المستوردة والموروثة ) ، متهمة كل " الطفرات " التى تخفى " انسانيتى " ، مهمهمة بكلمات " الانسانية " التى هى مرفئى المقدس ، تلك الكلمات العابقة من الأعماق ، كما التسابيح من هيكل الله تعبق . .!

اشترك في نشرتنا البريدية