الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

دراسة جديدة لكتاب , بناة العلم فى الحجاز الحديث، للعلامة الاستاذ عبد القدوس الانصارى

Share

فى الحجاز اليوم نهضة ادبية شاملة . . ومن طلائعها تلك المؤلفات القيمة التى تقدمها لنا المطبعة العربية سواء فى مصر او الحجاز فذلك السيل من الدواوين الشعرية التى تفضل بأهدائها الي صديقي العلامة الأستاذ الكبير عبد القدوس الانصارى خبر دليل على هذه النهضة التى لم تقف عند الشعر بل تعدتها الى النثر ولا شك ان كتاب الاستاذ أحمد محمد جمال " ماوراء الايات . . وكتابي الاستاذ احمد السباعي " فكرة " و " فلسفة الجن " من خيرة ما يقدم لقراء النثر الفنى الجديد ، ومما اتي الآن فى صدد الكلام عن نثر آخر فسأرجيء البحث عن هذه المؤلفات الحجازية الى فرصة أخرى

قلت آنفا ان من طلائع هذه النهضة المباركة فى الحجاز تلك المؤلفات القيمة التى غمر بها الاسواق العربية مؤلفوها الافاضل ونسيت ان اذكر ان جل الفضل فى ذلك يعود الى مجلة " المنهل " الزاهرة وصاحبها الفاضل الذى فتح صدرها لنتاج ادباء وعلماء بلاده وغيرهم من ادباء العربية فى كافة اقطارهم ومهاجرهم . وتعد " المنهل " بحق لسان حال المثقفين العرب فى المملكة العربية السعودية كافة . . وحاملة ذخائر قرأحهم الينا نحن الذين نجهل الحركة الادبية الحديثة هناك . . " كما ذكرت ذلك فى العدد الاول " من مجلة ( الضاد الحلبية لسنة ١٩٥٣ م ) . ولا عجب فى ذلك فالحجاز موطن الرسالة ، ومهبط الوحي . كان وما زال مصدر الالهام ومبعث العبقرية ، فالارض التى انجبت عمر بن ابي ربيعة وعبد الله بن قيس الرقيات والعرجى والاحوص وغيرهم من الشعراء الخالدين هي هى نفسها التى اطلعت اثمار الهدى واعلام البيان وفطاحلة اللغة والعلم والحديث . . ولا نريد ان نتطرق الى تاريخ الحجاز او اعلامه لأننا الآن فى صدد الكتابة عن مؤلف جديد قيم لصديقنا الاستاذ الانصارى صاحب هذه المجلة الراقية التى ننشر فيها هذا البحث ولكننا سقناها كشاهد على صدق قولنا .

السيد احمد الفيض آبادى وهذا هو اسم الكتاب الاول من سلسلة الكتب التى

ينوى الانصارى اصدارها عن بناة العلم فى الحجاز الحديث - ترجمة حياة عالم جاهد وكافح فى سبيل العلم حتى كان له ابعد الاثر فى حياة اقطاب الفكر الحجازى الآن . كتبه مؤلفه الناضل باسلوب قصصي مستساغ . . وفي اسلوب اخاذ وبيان رائع ولا غرابة فى ذلك فمؤلفه من العلماء الذين سبلوا من ينوع العلم حتى دان البيان لا صغريهم . . صاغرا وذليلا

يقع الكتاب المذكور فى " ١٠٤ " صفحة من القطع المتوسط وقد طبع طبعا متقنا فى مطبعة لجنة التألف والترجمة والنشر بالقاهرة سنة ١٩٤٦ م . . وهو كما قال فيه الاستاذ الكبير احمد حسن الزيات الاديب المصرى الشهير:

" الكتاب الذي تمثل مبادىء اليقظة العلمية الحديثة لمهد العروبة والاسلام فى العصر الحديث ، بأسلوب يجمع بين متعة الفن القصصي وعمق البحث العلمي واذا اردنا ان نعرف الغاية التى من اجلها الف المؤلف هذا الكتاب عن حياة الفيض ابادي وجعله اول حلقة من حلقات كتبه نرجع الى الكلمة التى صدر به كتابه لنجده يقول:

" وقد حفزني إلى تدوين سيرة هذا الرجل امران : احدهما أن سيرته مثل وضاء العاملة المنتجة . . والسير القويم فى معارج الحياة الاجتماعية الحافلة . .

وثانيهما انه حصر حياته منذ شبابه الى شيخوخته والى آخر نفس من حياته فى سبيل هدف سام يستحق لأجله تخليد الذكر ، الا هو رفع منار العلم وتثقيف الناشئة بإنشاء معهد علمي عظيم لهم فى بلد الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن أولى باشادة الذكر ممن كان كذلك ؟ ! .

واذا اردنا ان نعرف من هو هذا المصلح العظيم الذي وضع من اجله المؤلف كتابه القيم سقنا له ما كتبته عنه " صوت الحجاز " فى عددها الصادر فى ١٨ شوال سنة ١٣٥٨ ه و نصه : ٠١٠

وتوفى الى رحمة الله حضرة صاحب الفضيلة السيد احمد الفيض آبادى مؤسس ومدبر مدرسة العلوم الشرعية عن عمرناهز السبعين عاما قضاها فى عمل الخير . وفضياته اخو الزعيم الاسلامى حسين احمد ومحمود أحمد عضو مجاس الادارة . . " ه

واذا اردنا ان نعرف قيمة تلك المدرسة ننقل للقارئ الكلمة التى كتبها وزير المعارف السابق الدكتور محمد حسين هيكل المؤرخ الكبير عندما مازارها سنة ١٣٥٥ ه قال : " ٢"

" . . اليوم زرت مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة ومررت بفرقها واشعر ان هذا المجهود الذى بذل فى سبيل العلم جدير بكل تشجيع فى الطلبة ذكاء واقبال على العلم وشعور بالحاجة اليه سدد الله خطى القائمين بهذا العمل لخير العلم والاسلام وبلاد العرب . . " ه .

وهذه الكلمة الصغيرة فى مبناها ، الكبيرة فى معناها وهى واحدة من عشرات الكلمات التى كتبها الوزراء والامراء عن المدرسه ومديرها فى " دفتر معاينات الزائرين ، تعطينا فكرة حسنه عن الجهود الجبارة التى كان يبذلها المرحوم الفيض آبادى لأعلاء كله العلم

اما ترحمة حياة الفقيد السيد احمد الفيض آبادى فيمكن تلخيصها من قول المؤلف : " ٣ " هو ( من اسرة السيد نور الحق الجد الاعلى للسيد احمد الفيض آبادى الذى تنتهى سلسلة نسبه الى الحسين بن علي رضي الله عنهما . والذي رحل الى الهند مع احد سلاطين الغزنويين فى القرن الخامس الهجرى . . وقد ولد بقرية " بانكرمو " التابعة لفيض آباد فى ٢١ ربيع الثاني عام ١٢٩٣ ه ، والتحق بمدرسة حكومية فى قرية تانده " حينما انتقل والده مدرسا بها . ونجح بها وكوفئ بأعانة مالية شهرية من قبل القائمين بأمرها ، وقد طمحت نفسه أسوة بوالده الى حظ احسن فى العلم من هذا الحظ المحدود الذي تلقاه فى مدرسة " تانده " الابتدئية قدخل مدرسة ديوبند " الجامعة وتخرج منها فى عام ١٣١٥ ه وله من العمر حبئذ اثنتان وعشرون سنة ، وبعد تخرجه بعام واحد رافق والده المهاجر بأسرت الى المدينة المنورة ، بيد انه رجع وحده الى الهند ومكث بها زهاء اربعة اعوام .

اتصل السيد احمد عقب وصوله الى الهند بالشيخ رشيد احمد الكنكوهى طيلة عام ١٣٢١ ه ولازمه ملازمه الظل وافاد من ذلك رياضه النفس على الاخلاق الفاضلة . واقترن بثلاث نسوة ماتت اثنتان منهن فى حياته وعاشت الثالثة بعده . وكان مع علمه يعرف اللغتين الفارسية والاردية إلى جانب اللغة العربية . يضاف لذلك المام بسيط بمبادئ اللغتين التركية والانكليزية . وكتابته بقلم النسخ آية فى الجمال واجمل منها كتابته بقلم التعليق الفارسي وقد تجلت عبقريته فى مزوال النهوض بالعلم . . "

هذا هو موجز بسيط لترجمة الفقيد الذى يدور حوله محور هذا الكتاب واذا عرفا ان صديقنا العلامة الاستاذ الانصارى مؤلف هذا الكتاب كان احد طلاب المدرسة

واحد الاساتذة الذين درسوا فيها . . واحد الذين لازموا مديرها الفيض آنادى لا نشك ابدا في صحة ما نقله لنا من حوادث واخبار بتوار يخها وارقامها"٤"

هذه عجالة .. بل المامة عن كتاب اخي الانصاري الاديب الذواقة والصحفى الناجح . . اما اسلوبه فهو شاعرى . . سلس اللفظ . . جميل المعنى . . والى القارىء نموذجا منه " ٥ " " عمل دائب في اطار من الصمت العميق" .

ذلك هو جماع القول في فلسفة العمل فى حياة السيد احمد فلقد عاش دؤويا على الانتاج غير هياب ولا وكل ، يقوم بالحمل الثقيل الذى تنوء به العصبة او لو القوة فلا يعتريه مع ذلك ضجر ولا يستهويه زخرف ولا اغراء . . وكان يحيط حقل اعماله بدائرة من الصمت العميق.. ثم يحيط هذه الدائرة بور من نكران الذات .."

الم اقل لك فى بدء هذه الكلمة ان اللغة تنقاد اليه كما تنقاد البلابل إلى الدوحة الفينانة فى فجر الربيع ؟ ! . أرأيت الى هذه الكلمات الحلوة ذات الجرس الموسيقى كيف تتألف ما بينها ، ويأخذ بعضها برقاب بعض حتى كأنها فرقة من فرق الموسيقى ؟ ! . . هذا هو دأب الكاتب البليغ يأخذ عليك مجامع نفسك حتى تكاد تنسى عالمك الواقع وانت تقرأ له .. وهؤلاء الصفوة المختارة من الكتاب هم من القلة بحيث يعدون على الاصابع ومنهم صديقى الاستاذ الانصارى

الى هنا ألتي القلم حيث اعود للقراء مرة اخرى لاقدم لهم صورا جديدة عن الأدب العراقي او دراسات عن ادباء الحجاز . . وكل آت قريب .

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية