. الرجل الذي صنع عددا من اصحاب الملايين لم يستطع احد من الرجال ان يصنع مثلهم . .
عندما جاء المخاض والدة اندرو كارينجي لم يستطع ابوه او حتى احد من اقاربه ان يحضر لها دكتورا او ممرضة لاستقبال الطفل القادم فقد كانوا من الفقر بحيث لا يستطيعون دفع اجرة الطبيب او الممرضة .
وعند ما بدأ حياته العملية بداها بأجر يومي قدره سنتان ومع ذلك فقد جمع ثروة قدرت باربعمائة مليون دولار .
وقد زرت مرة المسكن الذي ولد فيه اندرو كارنيجى فى مدينة دنفر ملين باسكوتلاندا فوجدته يحتوى على غرفتين فقط احداهما سفلية كان يستعملها ابوه لعمله كحائك واخرى علوية صغيرة مظلمة كانت العائلة تستعملها للطبخ والاكل والنوم .
وعندما هاجر والده الى امريكا اتخذ له عربة يدوية وبدا عمله كبائع متجول يسير بعربته من باب لباب يعرض بضاعته القليلة من الالبسة والقمصان وعملت امه كغسالة . وفي خرز نعال الاحذية لصناع الاحذية .
ولم يكن اندرو كارنيجي يملك سوى قميص واحد كانت امه تغسله وتكويه له كل ليلة عند ما ياوى الى فراشه وكانت تعمل بمعدل ست عشرة ساعة فى اليوم .
كان اندرو كارنيجى يحب امه حبا جنونيا حتى انه عندما بلغ الثانية والعشرين من عمره اخذ على نفسه عهدا ان لا يتزوج ما دامت امه على قيد الحياة خشية ان تعكر الزوجة صفو حياة امه وتكون سببا لبعده عنها وحافظ على عهده ولم يتزوج الا بعد وفاة والدته وبعد ثلاثين عاما من ذلك التاريخ فكان عمره عندما تزوج اثنين وستين عاما .
وعندما كان صغيرا كان يكرر القول على والدته فيقول " ساصبح يوما ما غنيا يا اماه وسيكون لك خدم وحشم ولباس من حرير وعربة فاخرة . .
" وكان يقول دائما انه ورث ذكاءه من امه: " وان محبتها التي يحتفظ بها في طيات قلبه هى نبراسه فى كل اعماله .
وكان اثر الصدمة على نفسه شديدا عند ما توفت والدته حتى انه لم يستطع ان يلفظ اسمها مدة خمس عشرة سنة فان مجرد ذكر اسمها كان يسبب له حزنا اليما وقد دفع مرة مبلغا كبيرا من المال
سيدة لمجرد انها كانت تشبه امه .
كان يعرف اندرو كارنيجى بملك الصلب رغم انه لم يكن يعرف عن صناعة الصلب الشئ الكثير وكان عنده المئات بل الالاف من خبراء الصلب الذين يخدمون باخلاص فقد كان يعرف كيف يستخدم الناس ويستغل كفاءاتهم وهذا كان سر نجاحه فى جمع الملايين . وقد ظهر استعداده ) لبلف ( الناس واستخدامهم منذ كان صغيرا فقد تحصل مرة على ارنبة مع صغارها فاسس لها جحرا مناسبا ، وما لبث ان احتار كيف يطعمهم فلمعت في ذهنه فكرة ونفذها . دعا اولاد الحارة واطلعهم على ارنبته واولادها ثم قال " تعرفون يا اولاد اني عزمت ان اسمى كل ارنبة على شرف اسم الولد الذي يسعى لاحضار الحشيش والبرسيم لها " وهكذا تسابق الاولاد لاحضار الطعام للأرانب ونجحت الفكرة .
وبعد سنوات من هذا التاريخ استعمل كارنيجى نفس الطريقة السيكلوجية فى حياته العملية وعلى سبيل المثال : كانت سكة حديد بنسيلوانيا مجالا واسعا لتصريف بضاعته من الحديد ، وكان مدير سكة حديد بنسيلوانيا فى ذلك التاريخ السيد ادجار توماس ، فلم يتردد كارنيجى وبني معملا كبيرا للصلب في بنسبورج وسماه على شرف المستر ادجار توماس " معمل الصلب والحديد لخدمة مشروعات المستر ادجار توماس "
وكان طبعيا ان يسر السيد ادجار بذلك وان لا يحتاج الى دعاية اكثر ليامر بشراء كل ما تتطلبه سكة حديد بنسيلوانيا من الحديد والصلب من المعمل الذي يحمل اسمه .
أول عمل اشتغل فيه كارنيجى كان مراسلا في احدى ادارات التلغراف باجرة
يومية قدرها خمسون سنتا وكانت تلك اجرة مغرية بالنسبة لشخص مثله فقد كان غريبا فى البلدة . وخوفا من ان يفقد مركزه لعدم معرفته مواضع البلدة . كان يجوب البلدة ويحفظ عناوين البيوت التجارية والمراكز الصناعية وكل ما يمت الى عمله بصلة وبعد ان استقر فى العمل طمح ان يكون مامورا تلغرافيا فبدأ ياخذ دروسا ليلية فى التلغراف ويبكر صباحا الى المكتب ينتهز فرصة عدم حضور المأمور ويتمرن عمليا على آلة التلغراف .
وفي صباح احد الايام حيث بكر الى المركز للتمرين ، كانت اسلاك البرق تهتز تحمل اخبارا هامة وكان المأمور في فلاديلفيا يطلب بالحاح مأمور بتسبورج ولم يكن في ذلك الوقت اى مامور فى المركز فلم يكن من كارنيجى الا ان اخذ موضعه فى مركز المأمور واستقبل الرسالة وسلمها في الحال وكان هذا الحادث كافيا لترقيته وتعيينه مأمورا لاسلكيا بمرتب مضاعف !
واسست سكة حديد بنسيلوانيا مركزا تلغرافيا خاصا بها ولفت نظرها نشاط كارنيجى وسهره الدائم فعينته مأمورا لمركزها الخاص ثم سكرتيرا خاصا بقسم الإشراف .
وفجأة حدث فى احد الايام ما غير مجرى حياته وقاده الى طريق الثروة والغني ، فقد جلس الى جانبه في احدى عربات القطار احد المخترعين واطلعه على نموذج جديد لعربات النوم من اختراع ذلك المخترع
وكانت عربات النوم في تلك الايام مصممة على طريقة بدائية فكانت اسرة النوم مثبتة بمسامير على جوانب عربات الشحن وكان هذا الاختراع الجديد يشبه كثيرا عربات البولمان في عصرنا الحاضر وابصر كارنيجى بفطرته الاسكوتلاندية
المدى البعيد الذي يحققه هذا الاختراع فقد قدر ان هذا الاختراع سيكون له مجال واسع في مستقبل السكك الحديدية التى سيعم انتشارها وتصبح وسيلة هاهة للنقل فى امريكا فلم يتردد في ان يقترض مبلغا كبيرا من البنك واشترى اسهما لصالح الاختراع . . ونجحت هذه الشركة نجاحا كبيرا وعند ما بلغ كارنيجى الخامسة والعشرين من عمره كان ربحه العادي من اسهم هذه الشركة خمسة آلاف دولار سنويا .
واحترق مرة أحد جسور السكك الحديدية المقامة من الخشب وتعطلت الحركة اياما . وكان كارنيجى فى ذلك الوقت في قسم الاشراف فى سكة حديد بنسيلوانيا فتنبأ ان الجسور الخشبية سيحكم عليها بالزوال الى الابد بعد هذا الحادث وتحقق لديه ان المستقبل سيكون للجسور الحديدية فاقترض مبلغا من البنك واسس شركة لبناء الجسور الحديدية وكان الاقبال على هذه الشركة اقبالا كبيرا لم يكن يحلم به .
لقد اصبح ابن الحائك هذا لايلمس شيئا الا ويتحول إلى ذهب ! وارتفع صيته واتسعت شهرته وعرف بالظرف واللطف . كان الحظ معه دائما الحظ بكل ما فيه ، من الغرائب والعجائب . اشترك مرة هو وبعض اصدقائه في شراء مزرعة وسط حقول الزيت في بنسيلوانيا باربعين الف دولار ولم تمض سنة حتى كان ربحهم منها مليونا من الدولارات .
وفي الوقت الذي بلغ فيه هذا الاسكتلندى ) الملحاح ( السابعة والعشرين من عمره كان دخله الف دولار في الاسبوع الواحد ولم يكن دخله قبل خمسة عشر سنة سوى سنتين في اليوم !
فى عام ١٨٩٢ كان الرئيس لينكن يحكم فى البيت الابيض وكانت الحرب الاهليه فى اقصى حدتها وارتفعت الاسعار ووقعت اعظم الاحداث وبدأت الحدود تتقلص الى الداخل وهاج الناس مندفعين الى اقصى الغرب واخذت اجراءات مد السكك الحديدية تتم بسرعة واجهاد وخططت المدن الجديدة ووقف الامريكان يتطاحنون على عتبة عصر جديد
وفي غمار هذا التطاحن والاندفاع المدمر كانت معامل الصلب والحديد التابعه لكارنيجى ترسل دخانها فى عمل مستمر ليل نهار وارتفع الانتاج وظل يستمر في الارتفاع فجمع كارنيجى ثروة لم يحلم بها شخص مفرد فى تاريخ البشرية .
كل هذا ولم يكن كارنيجى يجهد نفسه بالعمل وكان يمضي نصف وقته فى التسلية واللهو وكان يقول انه قد جمع حوله من المساعدين من كانوا يعرفون طبيعة العمل اكثر مما يعرف وكان يقف دائما وراءهم يحثهم ليجمعوا له الملايين .
لقد كان اسكوتلانديا ولم يكن في شحه اسكوتلانديا صميما فكان يسمح لشركائه فى العمل ان يقاسموه ارباحه فساعد في تكوين عدد من ارباب الملايين منهم لم يستطع احد من الاحياء ان يصنع مثلهم
لم يدرس كارنيجى فى حياته سوى اربع سنوات ورغم ذلك الف كتبا كثيرة فكتب عن رحلاته والف فى التراجم والاقتصاد وكتب مقالات متفرقة فبلغ عدد ما الف ثمانية كتب وتبرع بستين مليونا من الدولارات للمكاتب العامة وثمانية وتسعين مليونا لنشر التعليم . .
كان يحفظ في الشعر مقدار كبيرا وكان
يفضل بعض الشعراء ويحفظ كل شعره وكان يسرد من الذاكرة جميع قصص شكسبير بكل تفاصيلها ورغم انه لم يكن عضوا فى كنيسة فقد تبرع لها بمبالغ كبيرة .
لقد تبرع بما يبلغ مجموعه ثلاثمائة وخمسية وستين مليونا من الدولارات ومعنى هذا انه كان يتبرع بمليون دولار في اليوم
الواحد لمدة سنة .
وقد قامت ضجة كبيرة في الصحف وتعددت الآراء ، في تحديد الجهات التى كان كارنيجى يتبرع لها وقدمت الصحف جوائز لمن يدلها على الجهات الحقيقية التى كان كارنيجى يجود عليها بكنوزه الذهبية .
فقد اعلن كارنيجى قبل وفاته انه من العار ان يموت وفي حيازته اية ثروة !

