الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

دور حقوق المؤلف، في النهوض بالتنمية

Share

انه لمن دواعي الاعتزاز والارتياح العميق ان ادعى الى التحدث امامكم فى - ايجاز - نظرا الى الوقت المحدد - عن دور حقوق المؤلف في النهوض التنمية ، فى نطاق ندوة الرباط المتعلقة بحقوق المؤلف الخاصة بالاقطار العربية .

- ١٨ اسمحوا لي اذن بالتعبير عن ابتهاجى بحضور ثلاث منظمات دولية تعنى بالابداع الفكرى ، قصد التعاون من اجل تطوير حقوق المؤلف في اطار اختصاصاتها المتكاملة . فالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تشجع على الابداع وتيسر نشره ، والمنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية ترعى ، بفاعلية نصوى ، المصالح الادبية والمادية للمؤلفين المنجرة من مؤلفاتهم ، ومنظم اليونسكو تساعد على الخلق ونشر الاثار ضامنة للمبدعين رعاية " ناجعة وكافية " .

وقبل ان اتعرض لدور حقوق المؤلف في النهوض بالتنمية وكيف ان الاجراءات التشريعية الممكن اتخاذها فى مجال حماية المؤلفين تكيف وتنشط الانتاج الفكرى القومى وتسهل انتشاره ، يبدو لى من المفيد أن أذكر بمحتوى مفهوم حماية الاعمال الفكرية ومؤلفيها وان استعرض الدور الذى قامت ب الاقطار النامية وخاصة الاقطار العربية ، لمراجعة الاتفاقيات الدولية المتعلقا بحقوق المؤلف لفائدة البلدان النامية .

1 - ما هي اذن حماية الاعمال الفكرية ومؤلفيها او ما جرت العادة على تسميته بحقوق المؤلف ؟ الجواب عن هذا السؤال بسيط جدا فعبارة حقوق المؤلف تعنى ان كل استعمال لعمل فكرى ما ، سواء فى نصه الاصلى او بصورة محورة ، لا يصبح جائزا الا بترخيص صريح من المؤلف .

وبعبارة اخرى فان حقوق المؤلف هي حقوق الكاتب او الفنان في التمتع لمدة محدودة ، بالمنتوجات الحاصلة عن استعمال تأليفه

هذا الاستعمال يمكن أن يكون باشكال مختلفة ، اكثرها تواترا النقل او الاستنساخ ، التمثيل او العزف أمام الجمهور ، او تبليغ الاعمال للجمهور بواسطة الاذاعة او التلفزة وهو امر يكتسي اهمية بالغة باعتبار النهوض بالتربية فى الاقطار النامية - ويكفى فى هذا الصدد الاشارة إلى التعليم التلفزي - وكذلك انتاج الافلام انطلاقا من العمل الفكرى المقصود ، وترجمة ذلك العمل الى لغة اخرى ، واقتباسه للشاشة والمسرح او اعادة نشره ، الخ.

هذا الاستعراض لاغراض حقوق المؤلف ليس تحديديا فنحن نسوقه على سبيل المثال وهو لا يشمل محتوى مفهوم هذه الحقوق بأكمله . ويتعين علينا لاستكمال العرض ان نتحدث عن المستفيدين وعن مدى هذه الحقوق ومدتها , ولكن هذا الموضوع لا يشغل بالنا اليوم ، فنحن نقتصر على ابراز دور حقوق المؤلف ، اى تأثير تلك الحقوق فى التنمية .

ومن هذه الزاوية يجدر ان نلاحظ ان حق الترخيص الذي ينفرد به الكاتب تعدله احيانا بعض الاستثناءات : فاما أن ينص القانون على حرية الاستعمال وأما ان يكون التأليف قد استعمل وفقا لبعض الشروط وفي هذه الحال يتقاضى المؤلف منحة دون أن يكون قد استشير مسبقا حول استعمال تأليفه .

ومع مراعاة هذه الاستثناءات التى ينبغى ان تضاف اليها الاستثناءات المقررة سنة 1971 لصالح الاقطار النامية يحق لنا ان نتساءل لماذا ينفرد الكاتب بحق الترخيص هذا ؟ وبعبارة اخرى لماذا تتعين حماية منتجي الاعمال الفكرية؟ والجواب عن هذا السؤال يعطينا اياه :

أولا : الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صادقت عليه سنه 1945 الجمعية العامة للامم المتحدة والذي ينص فى الففرة 2 من المادة 27 على ما يلى : " لكل فرد الحق في حماية المصالح الادبية والمادية المترتبة على انتاجه العلمي او الادبى او الفنى ".

ثانيا : ان اسناد منحة للمؤلف امر تقتضيه العدالة الاجتماعية اذ لا بد له ان يستفيد من عمله وان تكون تلك الاستفادة على قدر ما تحظى به اعماله الفكرية من قبول لدى الجمهور . فلقد عوض نظام العائدات نظام رعاية الاداب فى بلاطات القرون الخالية .

ثالثا : تتعين حماية المؤلف لاسباب اخلاقية فالائر الفكرى تعبير شخصى عن فكر المؤلف ومن حقه ان يشترط على الاخرين احترام أفكاره وان يعترض على كل تشويه او تحريف يدخل تأليفه خلال استعماله .

رابعا : واخيرا ، ان حماية المؤلف يبررها ما يقدمه من منفعة اجتماعية ، فعمل المؤلف يفيد المجتمع فعلا وهذا ما لم يخف على رجال القانون الذين عرفوا حقوق المؤلف منذ بداية القرن التاسع عشر بكونها " مكافأة من اجل خدمة اجتماعية " .

فحماية المؤلفين تتجسم فى الواقع على المستوى القومى فى قيام الدولة بسن القوانين من اجل توفير الاطار التشريعى لهذه المادة .

واذا كان لا بد من ضبط الاسس القانونية الرامية الى حماية الانتاج الفكرى على الصعيدين القومى والدولي ، فان احاطة دور الملكية الفكرية فى التنمية الشاملة بمزيد من العناية ، امر على جانب من الاهمية هو ايضا .

2 - دور الاقطار النامية في اعداد مفهوم جديد للحماية لا ينبغي النظر الى المؤلف من مجرد زاوية الحماية في معناها الضيق لصنف من المواطنين المحظوظين بدون اعتبار العواقب الاجتماعية والثقافية المنجرة عنها . ان واجب التضامن الدولى يدعو هؤلاء المؤلفين الى مزيد من الانتباه فى مطالبهم ، الى الاحتياجات الملحة للجماعات الاكثر فقرا .

ان المصالح المادية والمعنوية للمؤلفين يجب بالتأكيد ان تحمي حتى يستمر الابداع الفكرى منهلا للمعارف والتقدم ، ولكنه من البديهى ان تضبط تلك لحماية حتما بشكل يسهل على الاغلبية الوصول الى المؤلفات التى من شأنها ان تدفع بتنمية التربية والعلم والثقافة الى الامام .

ومن هذه الزاوية ومراعاة للواقع الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للبلدان النامية فان المؤتمر العام لليونسكو فى دورته الرابعة عشرة المنعقدة سنة 1966 ، تبعا لقرار تقدمت به تونس وساندتها فيه كافة الدول الاعضاء فى الجامعة العربية ، لفت انتباه المنظمات المختصة ، وبوجه خاص ، اللجنة الدولية الحكومية سنة 1952 ، تحت اشراف اليونسكو.

ولقد فكر اذ ذاك المؤتمر العام لليونسكو ، اقتناعا منه بان تحسين ظروف عيش الشعوب الفقيرة مرتبط الى حد كبير بتقدم التربية والثقافة ، ذلك التقدم الذي يكيفه انتشار الاعمال الفكرية ، فكر فى تعديل الاتفاقية العالمية بشكل يسمح للبلدان النامية بالاستفادة من بعض التسبهيلات الخاصة . واذا حللنا مناقشات المؤتمر العام لليونسكو رأينا انه فكر ، خدمة لهذه البلدان فى تأجيل موقت للاعلان الملحق بشأن المادة السابعة عشرة من الاتفاقية العالمية التى تنص على ان الاعمال الفكرية التى يكون مصدرها ، وفقا لاتفاقية برن , بلدا " انسحب من اتحاد برن بعد اول جانفى 1951 ، لا تتمتع بحماية الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف فى بلاد اتحاد برن " .

وفى اعقاب عدة اجتماعات عقدتها مجموعة ال 77 باليونسكو ، لم تلبث ان برزت فكرة مراجعة الاتفاقية العالمية بمثابة الوسيلة الوحيدة لارضاء المطالب المشروعة للاقطار النامية .

وهكذا فان اللجنة الدولية الحكومية لحقوق المؤلف بالاشتراك مع الجنة التنفيذية لاتحاد برن قررت ابان دورتها الخارقة للعادة المنعقدة فيفري 1969 عقد مؤتمر مراجعة لهذه الاتفاقية وتكليف لجنة فرعية بدراسة " المشاكل التى اثارها اقتراح مراجعة المادة 17 واعلانها الملحق ، وفي الان نفسه ، ببحث كامل وضعية العلاقات الدولية فى مجال حقوق المؤلف " .

وصادقت هذه المجموعة المتكونة من اقطار نامية واقطار غنية والتى اجتمعت من 29 سبتمبر الى 3 أكتوبر 1969 بواشنطن ، على توصيات هامة تهدف الى

مراجعة الاتفاقية العالمية واتفاقية برن حتى لا يلحق اجحاف بالاقطار المنخرطه منذ مدة طويلة باتحاد برن والتي ترغب فى البقاء بهذا الاتحاد رغما عما تقدمه الاتفاقية العالمية من وافر المرونة . ويتعلق الامر فيما يخص هذه الاتفاقية :

ا - بارجاء العمل فيما يخص البلدان النامية بالفقرة (ا) من الاعلان الملحق بالمادة 17 من الاتفاقية العالمية ,  ب - بتحوير المادة 11 من الاتفاقية العالمية ورفع عدد اعضاء اللجنة الحكوميه من 12 الى 18 لضمان تمثيل اوسع واكثر توازنا للدول المتعاقدة داخل اللجنة الدولية الحكومية ( و عن الاقطار النامية و 9 عن الاقطار الغنية ).  ج - يضبط قواعد تسمح بتحوير حق الترجمة والاستنساخ والبث الاذاعي لصالح الاقطار النامية بدون معاملة بالمثل فى المستوى المادى.

3 - دور حقوق المؤلف في النهوض بالثقافة

بعد ان عرفنا حقوق المؤلف ورسمنا مختلف المراحل التى ادت الى تعديل الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف " و " اتفاقية برن لحماية الاعمال الادبية والفنية " بجدر ان نتساءل الى أى مدى تشكل حماية الاعمال الادبية والفنية عامل تنمية .

وفيما يتعلق بمسألة حقوق المؤلف فان احد كتاب القرن الثامن عشر الفرنسيين ، اعنى بومارشى " ، كتب ذات يوم جوابا عن بعض الانتقادات

يقال فى أروقة المسرح انه ليس من النبل ان يطالب المؤلفون بالمنافع المادية الخسيسة وهم الذين يدعون العمل من اجل المجد . هذا الاعتراض وجيه . فللمجد اغراء ، ولكن الناس ينسون انه من اجل التمتع بذلك المجد مدة عام فقط ، تقضى الطبيعة بان نتعشى ثلاث مائة وخمسا وستين مرة " .

وليس هناك جواب ابلغ ولا احصف من جواب بومارشى فالنزوع الى المجد يقتضى من المؤلف ان ينتج باستمرار وان يثرى فهرس اعماله وان يسترعى اهتمام جمهور يتزايد على الدوام ، ولكن ليتمكن الكاتب من القيام بذلك فى راحة نفس ، لا ينبغي له ان ينشغل بالمسائل المادية التى تقلق يوميا وجوده . ان تنمية ملكات الابداع عند الانسان لا يمكن ان تتم وان تنشط الا

اذا وقع اعتبار احتياجاته المادية ومطالبه المالية ايضا . وهكذا عندما يتمتع المؤلف بالحماية بحد من نفسه حافزا لخلق اعمال جديدة يثرى بها فى بلاده الادب والمسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية والهندسة المعمارية وغير ذلك .

هناط أمر ثابت ، وتشهد به الثلاثون سنة الاخيرة ، هو ان اهم عامل من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، يكمن فى احياء الموارد البشرية فلقد تأكد ان هذه التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحصل الا فى اطار توازن قار وفي انسجام مع التنمية الثقافية .

ان التقدم المادى الذى لا يساير التقدم الثقافي يؤدى حتما الى ما توفره تكنوقراطية بلا روح من رفاهية محملة بالويلات . ان الثقافة لا تخدم التقدم فقط ، انها تعطيه مدلولا انسانيا باعطائه صبغته الروحانية . بهذا الشرط فقط يصبح التقدم حضارة .

والحضارة ان كانت تعنى بالتأكيد التنمية الاقتصادية فانها تعنى ايضا وفي نفس الوقت التنمية الاخلاقية والجمالية والفنية والفكرية . لذلك ومن زاوية اقرار نظام اقتصادى عالمى جديد يبدو من الضرورى ان نعمل اكثر من اى وقت مضى للنهوض بالتربية والعلم والثقافة .

ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان فى الفقرة 1 من المادة 27 يلح على هذه الضرورة التى هى ليست اقتصادية فحسب بل هى اخلاقية ايضا اذ ينص على ان " لكل فرد الحق فى ان يشترك اشتراكا حرا فى حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة فى التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه ". بيد أن حق الجمهور المشروع فى الوصول فى أحسن الظروف وبأقل ما يمكن من التضييقات ، الى المؤلفات الادبية والبيداغوجية والعلمية والتقنية والفنية , لا يجوز أن يحجب عنا ضرورة صيانة مصالح المؤلفين المشروعة هي ايضا اذا كنا نريد ان يبقى الابداع الفكرى منبع معرفة .

ان هؤلاء المؤلفين ، إذا توفرت لهم الوسائل المادية الكفيلة بجعلهم يكرسون جهودهم للابداع الفكرى ، يمكن لهم ان يصبحوا خزان مؤلفات تتجه ، بدرجات مختلفة ، الى كل اصناف المتساكنين ليس فى بلدانهم الاصلية فقط ، بل في كافة بلدان العالم .

ان اقطارنا التى طالما أثرت ، فيما مضى ، الحضارة الانسانية باسهامها الثقافي العظيم لا يجوز لها اليوم ان تبقى مجرد مستورد ومستهلك للثقافة .

ان واجبنا جميعا يقتضى ان نساعد على الخلق الثقافي ، ذلك الانتاج السامي الذي يضطلع به الفنانون دون سواهم.

ان حقوق المؤلف تشكل على وجه التحديد ، المنشط الضرورى لكل ابداع فكرى قومي ، وبالتالي ، لكل معرفة وللتقدير المتبادل بين الثقافات ، ذلك أن اعمال الفكر تنزع بطبيعتها الى الشمول.

وهكذا وبواسطة الابداع الفكري بمختلف اشكاله ، فانه بامكان كل امة . ان تعرف الامم الاخرى بعاداتها وتقاليدها ومطامحها .

ولكن ، ومن اجل احلال تبادل فى مختلف الاتجاهات ، ينبغى ايجاد لشريع لا يكون مفعوله داخليا فحسب ، ذلك ان حماية حقوق المؤلف قد تكون منقوصة وحتى وهمية اذا بقيت داخل حدود قطر ما والحال ان مؤلفات الفكر تجتاز الحدود بسهولة .

وبالفعل اذا لم تضمن هذه الحماية الا على الصعيد القومى فان المؤلفين لا يتقاضون العائدات المنجرة عن استغلال مؤلفاتهم في الخارج . وبمفعول ترابط العواقب ، فان تلك المؤلفات غير المحمية يقع استعمالها بحرية في البلدان المعنية وينافسون بذلك المؤلفات القومية ، الامر الذي يشكل عائقا للابداع بالنسبة الى المؤلفين القوميين .

وتبعا لذلك ، وبقصد تشجيع التبادل ، تم احداث انظمة حماية عالمية لصيانة مصالح المؤلفين عبر العالم ، وفي ذلك تشجيع للتنمية الثقافية للامم ، فباتباع هذه الطريق يمكن لامة ما ان تفيد الامم الاخرى بما بلغته من مستوى ادبى وفنى ، وان تحصل لقاء ذلك على احسن ما يمكن لتلك الامم تقديمه . لذلك كثيرا ما يقال بحق ، ان مدى حماية حقوق المؤلف في بلد ما يطابق درجة ما بلغه من تحضر.

اشترك في نشرتنا البريدية