الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

ديوان الأنصاريات

Share

صديقنا الاستاذ عبد القدوس الانصارى شخصية ادبية بارزة وجبهة فكرية عالية يعمل فى حقول الادب على اختلاف الوانه وتعداد انواعه بروح متبتلة وقلب متصوف . . فلا يحفل بالدعاية ولا تستهوبه أضواؤها : لقد عرف حقيقة نفسه فقدرها واستقر استقرار المطمئن الى الحقيقة التى لا يخدعه عنها بهرج ولا يصرفه عنها تجديد . . فلا يغتر بمديح ولا يرتجف من قادح :

والاديب متى عرف حقيقة نفسه أصبح كما قال الشاعر :

ومتى درت نفسى حقيقتها سمت

عن خادعات النقد والاطراء

لم يزهنى مدح الصديق ولم يكن

قدح العدو يغض من خيلائى

ومع ذلك فان صداه الادبى وشهرته الفكرية قد تجاوزت حدود عالمنا المحلى الى آفاق عربية رحبة لها وزنها ومكانتها فى عالم الفكر والثقافة وها هو الاستاذ المعروف ( عبد المنعم الخفاجى ) فى كتابه ( من تاريخنا المعاصر ) يقول عن الاستاذ الانصارى ( انه رائد من رواد الادب الحجازي الحديث ودعاة التجديد فيه . . اديب عالم مؤلف باحث أثر فى الفكر الحجازى والعربى تأثيرا كبيرا . . ومجلته المنهل هى جامعة كبيرة يتزود منها الشباب السعودى بقسط كبير من المعرفة والثقافة ) . . ويتحدث ناقد آخر عن الانصارى واسلوبه فيقول : ( هو الشخصية الوقور ذات الكلام الموزون الذى لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا فى اداء المعنى

الذى يريد . وهو فى كتابته مثله فى كلامه مثله فى شعره . وهو رائد من رواد الادب الصحيح الذي لا يأخذ بالبهرج ولا يؤخذ به . ينفذ إلى الحقائق دون ان تخدعه التهاويل . انه اسلوب هادىء الانسياب فى يسر وسهولة يمتاز بتصويره الجميل الذي لا يزدحم بالالوان الزاهية وانما هو على قدر وبميزان وهو اسلوب فصيح جميل العرض سليم الاداء أشبه بالنافورة التى ينبعث منها الماء بميزان فتعطيك منظرا جميلا كالشجرة المتهدلة الاغصان وكما ان غير النافورة لا تستطيع ان يريك الماء فى شكل الشجرة المهدلة فليس فى أدبائنا من يريك هذا الاسلوب القوى البارع الا الانصارى . يكره التهويل ولكنه يحب الاناقة الموزونة التى لا تضايق صاحبها ولا تقعده عن حرية حركاته وسكونه . "

هذا هو الانصارى فى رأى نقاد الادب ودارسيه ومؤرخيه . ولقد عرفناه اديبا يعمل فى مختلف حقول الادب والثقافة . . فهو باحث لغوى يصحح السقيم ويقيم المعوج

ويؤصل الاصيل وينفى الدخيل بالحجة والبرهان لا بالجدل والعنوان . وهو مؤرخ محقق يزن الحوادث ويعلل الاسباب وهو كاتب اجتماعى يشارك فى معركة البناء الاجتماعى بالفكرة النيرة والرأى السديد . . ويسهم فى ميادين الاصلاح بالنظرة الخيرة والعقل الرشيد . . عاملا نشيطا يستهدف الاصلاح ويشيد بالمصلحين وهو آثارى منقب يعتز ببلاده ويفخر بأمجادها التليدة وحضارتها المجيدة . ولسنا نريد فى هذه الكلمة العجلى أن نقدم عنه شيئا جديدا فى هذه النواحى الفكرية المتشعبة . . ولكننا نريد ان نكتشف ( الشاعر المجمول ) الذى ظل ردحا من الزمن يرسل نبضات قلبه وخلجات نفسه على أجنحة القوافى وترانيم الاوزان تحت اسم مستعار هو " الشاعر المجهول " فاذا هو ( عبد القدوس الانصارى ) صاحب ( الانصاريات ) . هذا الديوان الجميل بتكوينه لا بتلوينه . واسم الديوان فيه نفحة من نفحات " شوقى " وشوقى هو الشاعر الاثير لدى الانصارى وغيره من الادباء البارزن فى الشرق والغرب . . واذا كان " شوقى " قد استجاب لرغبة صديقه الأمير ( شكيب ارسلان ) فى تسمية ديوانه " الشوقيات " فلعل الاستاذ الانصارى ايضا قد استجاب لرغبة صديق من الاصدقاء فى تسمية ديوانه الانصاريات .

ويقع الديوان فى ( ٦٧ ) صفحة من القطع المتوسط على ورق سماوى اللون يمتع النظر ويبهج النفس . . وهو يحتوى على عديد من القصائد والمقطوعات رتبت ترتيبا فنيا على اساس الموضوعات والأغراض . فمنها ( العقيقيات ) ومنها . ( التأمليات  )ومنها . ( السياسيات ) ومنها . ( الوصفيات ) . ومنها ( الدينيات ) و ( الرئائيات ) و ( الفكاهيات ) الخ .

وقد قدم الديوان فضيلة الاستاذ الكاتب المعروف ( هاشم دفتردار ) بمقدمة شاعرية الاسلوب ، فنية البيان ، أدارها على محور من المعاني والالفاظ لا تقل عن الشعر المنظوم ظلالا وصورا وموسيقى . . واستهلها كهذا : ( ما هذا ؟ سيل هادر دفاق يحتضنه الوادى الخصيب " وادي العقيق " . وما تلك ؟ قصور شماء تنعم بالعيش الرضى وبالنسيم العبق بين الحدائق الغناء والمروج الزاهية بالطيف والوانه وجمال سحره . وبالسكينة الصامتة والوداعة الناطقة ) . .

والحق أن " العقيقيات " قد ذهبت بالحسن كله مما يحفل به الديوان من حسن وجميل . . ولعل هذا راجع الى ما يحسه الاستاذ الانصارى نحو هذا الوادى الكريم من حب صادق واجلال رائع وشعور فياض . .

كيف لا وهو مرتع صباه ومدرج هواه . . فكانت ( العقيقيات ) صدى لهذا كله حرارة ونضارة وافتتانا : وها هو أمام ( العقيق ) ذلك الوادي الافيح المعطر بأريج التاريخ وعبق الذكريات ، وها هو الوادى يتدفق أمام عينيه تدفقا يسر النفس ويهز الفؤاد وقد انعكست على صفحة الماء الهادر أشعة الاصيل الذهبية الهادئة واختلط شعاعها الرقيق الوهاج : بانسيابه الدقيق المواج ، فكان من ذلك كله منظر طبعي رائع هز نفسه الشاعرة فانطلق يغني للحياة الضاحكة الممراح :

هذا العقيق وقد همى متبسما

طلق المحيا شاديا بسروره

الا تذكرون حين تنشدون هذا البيت الملىء بالاحساس الحى والعاطفة الجياشة . . الا تذكرون بيت الشاعر العبقرى " ابو الوليد البحتري " :

أتاك الربع الطلق يفتر ضاحكا

من البشر حتى كاد ان يتكلما

ان اشاعة الحياة فى الطبيعة الجامدة ومناجاتها مناجاة النفس للنفس والروح للروح ليست خصيصة من خصائص الشعر الغربى ينفرد بها بين شعر العالم كما يتوهم البعض . . ولكنها سمة تتجلى فى كل شعر أصيل سواء كان ذلك الشعر شرقيا ام غربيا :

وتراه فى لثلاثه متدفقا

ينساب بين سهوله ووعوره

تتكسر الامواج فوق صخوره

فتئن من تأثيره وعبوره

وتهب من جنياته نسماته

فتفوح عطرا منعشا بعبيره

ويستمر الشاعر فى وصف فيضان وادى العقيق وما يرسمه ذلك الفيضان من صورة جميلة واشكال بديعة وايحاءات حلوة . . فى كلمات مقدرة تقديرا معانيها والفاظها فلا شطط ولا تهاويل ولا احالة وانما كل كلمة وما تعنيه وكل معنى وما يوحى به . حتى إذا استنفد اعجابه من ذلك المنظر الرائع . عاد إلى العقيق ليستلهم من آثاره الخالدة ورسومه الباقية ما يعيد الماضى حيا بجيش بالحركة ويتهلل بالمجد . فيعرض لك ذلك شريطا ناطقا وسجلا حافلا بما قام على ضفتى هذا الوادى من عمران زاهر وحياة ناعمة :

هذا العقيق وقد همى مترنحا

يشدو لنا بقطينه وقصوره

هذا العقيق وقد همى متأرجا

يشدو لنا بحياته وشعوره

يتوارد الزوار يوم وروده

مستبشرين بفيضه وصدوره

وترهمو زمرا على حافاته

يشدو لهم بنظيمه ونثيره

وهكذا يستمر الشاعر فى وصف حياة العقيق الغابرة وما زخرت به تلك الحياة

من بهجة ونعيم تركت اريجا عطرا فى تاريخ الادب العربى وكانت مصدرا من مصادر الفتنة واللهو والجمال . وليس لى ملاحظة على هذه الابيات الجميلة الرقيقة سوى تكرار كلمة ( يشدو ) فقد جاءت فى اكثر من بيت دون أبيات هذه القصيدة الحلوة التى كان لها من حسنها ورقتها ما رشحها للغناء العذب الرقراق الذى طالما شد آذاننا ونحن نسمعه ينساب من اذاعتنا الحبيبة باسم ( اغنية العقيق ) . .

وبعد هذه القصيدة الحلوة تطالعك قصيدة اخرى على طريقة الموشحات الاندلسية عنوانها " وقفة بوادى العقيق " .

وقف الشاعر فى وادى العقيق

فى أصيل كالعقيق الذهبى

وما أررق واجمل هذا الجناس اللطيف الخفيف الذى استعمله الشاعر من اسم الوادى واسم ذلك الجوهر الكريم . . وقد استقطر كل ما فى هذه الكلمة اللطيفة من صور ومفاتن فيردف قائلا :

واذا الشاعر يهمى بعقيق

مسبل من ماطرات الحبب

ما لذا الوادى البهيج الفاتن

قد بدى عطلا من الحلى البديع ؟

أقفرت آطامه من شادن

كان يوحى بهجة حين الطلوع

وخلت أرجاؤه من لاحن

يرسل اللحن كأطيار الربيع

جل حكم الله فى دار العقوق

اذ براها عرضة للنوب

فخيال الشؤم فى لمع البروق

ونذير الرعب طى الرغب

ويسترسل شاعرنا فى تدفق وانسياب فى لحن موسيقى رائع واداء فنى سليم وما

أريد فى هذه الكلمة العابرة أن اساثر على القارئ بحقه في المتعة بما احتواه الديوان من الشعر الجميل ومن فتنة أدبية رائعة . .

على أنى لا احب أن أختم هذا العرض السريع قبل أن امر بقصيدة فكاهية فيها دعابة حلوة . هذه القصيدة هى " الجندولية الجديدة " . ولعل القراء يذكرون ( اغنية الجندول ) الرائعة التى يغنيها المطرب الكبير " محمد عبد الوهاب " وهى من شعر شاعر العروبة المبدع " على محمود طه " :

لقد اتفق للاستاذ الانصاري ان كان في يوم عيد الاضحى ضمن نخبة من صحبه فى احدى ضواحي مكة المكرمة للنزهة والاستجمام فداهمتهم اسراب هائلة من الذباب لازمتهم سحابة النهار ، فكان لها أثر كبير في تكدير صفوهم " وعكننة مزاجهم " : وكان من آثار تلك النزهة المعكرة هذه الجندولية الضاحكة :

أين م الافليت هاتيك المجالى

يا قذى الاعين يا كرب الخيال

أين م الهدهد مسنون النصال

أين من منقاره هذه المجالى ؟

موكب الذبان فى عيد السخال

وسراياه الى مغنى الجمال

بات فى ليلته يندب هجره

خاوي البطن وقد أفرغ صبره

كلما هبت من الوادى سحيره

نسمة هب وقد أشحذ شفره

أين م الافليت هاتيك المجالى

موكب الذبان فى عيد السخال

نصل الليل وقد خارت قواه

واستحال الجوع نارا فى جواه

وصحا يرقب فى الصبح هواه

أترى قد يشبع الصبح خواه ؟

وقدمنا فى ابتهاج ومسره

ننشد المتعة فى جو وخضره

عبر واد زاد بالهدأة نضيره

ينشد الطير به فى الايك شعره

أين من عينى هاتيك المجالى

فتنة الانظار فى عيد السخال

الى آخر تلك القصيدة المرحة التي كان سببها عكننة ( الذبان ) فجاءت أثرا من آثار فنان .

وبعد فهل ترانى وققت فى عرض محاسن هذا الديوان . ذلك متروك للقارئ الذى ارجو ان يجد فى ثناياه ما يجعله نديم سمره وانيس سفره : جازان

اشترك في نشرتنا البريدية