الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

ذاتية الابداع الفني

Share

أحييكم تحية انتم كفؤها : وأرحب بكم ، فى هذا اللقاء الثقافي العربى ، واشكر لكم دعوتكم على اقامته ، اسهاما منكم ، نافعا ، بما قدمتم من مادة فنية وعلمية وأذكر لكم ، تلبيتكم الدعوة للمشاركة فضلا وكرما .

وليكن ماذونا لي ايها الاخوة ان اتقدم بالشكر مستحقا لسيادة الأخ الاستاذ البشير بن سلامة وزير الشؤون الثقافية ، لتعاونه الدائم ، ودعمه الموصول ، لنشاط المنظمة ، ولتفضله بالمشاركة فى هذا اللقاء ، والقاء كلمة فيه ، وهذا السعى الفكري ، هو امتداد اصيل وتاريخي لذلك الجهد الثقافي الملتزم الذى يبذله ، منذ اكثر من ربع قرن فى ترسيخ الثقافة العربية واغنائها ، ولقد ارتبط بتلك المؤسسية الثقافية الشامخة ، (مجلة الفكر) التى كانت جامعة بين ابناء الامة العربية ، وقيمة على الصلات الفكرية بين مشرق الوطن العربي ومغربه ، تلك المؤسسة التى ما تزال تؤدى دورها الباقي في اصرار ، وقدرة وفي هذه المناسبة ، فانى اتوجه باسم الندوة الى مؤسسها سيادة الأخ الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول ، الذى حمل تلك الرسالة العظيمة للثقافة العربية ، والذي ما يزال ، عل الرغم من مسؤولياته السياسية ، يعطي قدرا كبيرا للاهتمامات الثقافية .

ايها الاخوة ، ونحن نلتقي في المركز الدولى الثقافي فى الحمامات فى هذه البقعة الشاعرية التى تستجيب لموضوع الندوة ، وتنتسب اليه ، وينتسب اليها ، جمالا وسكينة وعمقا ، في الطبيعة ، وفي المناخ الفنى اشكر لمديره سيادة الأخ الاستاذ الدكتور رشاد الحمزاوى ومعاونيه ، حسن تعاونهم فيما اعدوا وفيما اعانوا ، والشكر يمتد بحق الى الأخوة مندوبى الدول الاعضاء ، والى المدعوين من رجال الأدب والفكر والصحافة من تونس ومن الاقطار العربية الأخرى لتلبيتهم الدعوة ولمشاركتهم في الندوة .

ايها الأخوة ... ان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لقد علمتم ، هي الجهاز القومى ، لهذه الامة وان الاهتمام بالثقافة العربية فى مكوناتها ، وفي مجالاتها ، وفي مظاهرها ، وفي تعبيراتها ، بناء ووظيفة ، ياتي فى صلب رسالتها التى تلتقى مهما تنوعت اشكالها ، فى الهوية الثقافية العربية . فالثقافة العربية ظلت وسوف تبقى هى مناط الشخصية العربية ، وقوام الحضارة العربية المنفتحة المتقبلة والمانحة ، والقادرة على الاستيعاب والقادرة على التجاوز ، والمدعوة ككل حضارة إلى ابتداع الصيغ ، وافتراع المناهج ، فى اطار الحضارة الانسانية اغناء لها واضافة فيها ، وحفاظا على خصوصيتها وذاتيتها ، المتفردتين لانهما طريق ذلك الاغناء ، وتلك الاضافة ... وهذه هى الاصالة التى يجب ان تأخذ دائما معنى مستقبليا صلبا ، وواضحا ومتفردا .

ومن هنا ، فقد كان من اهم برامج المنظمة ، ومشروعاتها الثقافية ، التصدى لمختلف القضايا المطروحة على الساحة الفكرية العربية ، وهي قضايا واشكاليات عضوية فى بناء اى ثقافة ، غير ان اسلوب طرحها ، ومنهج تناولها ، يختلفان من عصر الى عصر ، ومن مناخ فكرى وسياسى الى مناخ آخر ، وهى بهذه الطبيعية ظلت ، وسوف تظل ، مجالا للاجتهادات وللاختيارات ، حتى ينضح الوعى القومى بها ، وحتى تتضح الرؤية ، وينجاب هذا الضباب الكثف إما تقليدا مريبا ، واما اصرارا مقيما ، أو اختيارا منبتا ، واما غواية وسعيا بالباطل ...

وميدان الثقافة تحتمل كل ذلك ، فالثقافة هي مدار السياسة ، لاتصالها بالقوام الحضارى للامة ، تصورا وسلوكا وتعبيرا ...

ولقد عقدت المنظمة ، لقاءات كثيرة حول مختلف هذه القضايا ، فى مجالات التراث والمخطوطات ، والآثار والأدب ، وفي مجال الفنون التشكيلية ، والسنما والمسرح ، واعدت ونشرت دراسات وبحوثا حولها ... وتجيء هذه الندوة امتدادا لذلك النشاط الذى يهدف الى تاصيل الثقافة العربية وتطويرها وتحديثها ، وتحديد شخصيتها ، وابراز عناصر الابداع فيها ، وتوظيف قدرتها الى الحياة القومية والعالمية ولقد كان موضوع الشعر فى المجتمع العربى المعاصر وما يزال من القضايا التى اثارت وتثير جدلا اقرب ، الى اللجاجة ، فى كثير من الاحيان ، منه الى الجدل الموضوعي ، وهذا تقليد ، فى الأدب العربى ، قديم ، فقد ظل الشعر ، يشغل اكبر مساحة فيه ، انتاجا ونقدا . وللشعر فى الحياة العربية ، وضع تاريخي متميز ، حجما ونوعا ووظيفة ، وان الشعر لكذلك فى كل اللغات ، له خصائصه الفريدة ، وشفافيته وحساسيته ، باعتباره فنا مستوعبا لفنون كثيرة ، تشكيلية ونغمية .

لقد اردنا أن تكون هذه الندوة غير تقليدية ، فهى ليست صورة من صور المهرجانات الشعرية تلقي فيها النصوص الشعرية ، يقوم بها الشعراء ، وهي ليست كذلك ، مجتمعا للدارسين الذين يتحاورون حول المناهج النقدية ، والمدارس الشعرية ، وهي ليست جمعا بين هؤلاء واولئك جمعا كميا وميكانيكيا ولكنها جمع نوعي وكيمائى ، مبدعون ، ودارسون يتفاعلون من خلال التجارب الحية ، التى يقدمها الشعراء ، فى معاناة الابداع ، فى بحث عن المنطلق ، وعن المسار ، وعن العطاء وعن الاضافة ، فى اطار الثقافة العربية الفريدة التى يمثلها كل مبدع فيها ، والتي يمثلها الانتاج اكثر مما يمثلها الوضع التمثيلى للاقطار العربية ، ومن هنا فان الدعوة شملت عددا ، من الاتجاهات الشعرية ، وهي الندوة الاولى ، التى سوف تعقبها ندوات ، فليس من المفروض ، بل انه ليس من طبيعة القضية المطروحة ، ان تكون هناك اجابة حاسة ، او قرار أدبي ، يصدر عن هذه الندوة ، فلست هناك قرارات فنية او ادبية ، وانما هناك ابداع فى الانتاج ، يقرر اتحادات عامة سائدة ... فليست للمنظمة احكام تقديرية ، ولا تصورات تقويمية ، لا بالنسبة الى الذين لم يدعوا الى هذه الندوة من كبار الشعراء والكتاب ، ولا بالنسبة الى اولئك الذين دعوا ، فلبوا الدعوة مشكورين ، والمسالة مسالة تنظيم فنى وادارى .

ونحن نعتقد ان المناقشات التى سوف تعقب هذه الندوة فى الصحف الادبية والفكرية سوف توسع من قاعدة الحوار حول هذه القضية المثارة ، بما يعين على كشف جوانبها المختلفة .

ايها الأخوة ، وانتم فيما سوف تثيرونه من حوار حول هذه القضايا سوف تسيحون في الماضي ، وتتجولون فى الحاضر ، وتسافرون إلى المستقبل ، وفي كل ذلك سوف تتناولون العلاقات الثقافية والفنية ، وفي حركتي النقل والعطاء ، عالميا ... سوف تكون هناك ، محاولات لتحديد الشعر ، فى الثقافة العربية ، ما هو ؟ وما خصائصه ؟ وما مقوماته ؟ ولتحديد الشعر فى الثقافات الاخرى ، وسوف تتناولون الصلة بين اللغة والشعر ، بين الشكل والمضمون ، الوعاء والمحتوى ، وايهما اكثر سيولة ، الشكل او المضمون ؟ والى اى حد يتم التفاعل بينهما ؟ وايهما اكثر تاثيرا على الآخر ؟ وقد ترون كذلك ان تتناولوا قضية اخرى ، هي قضية الابداع والتقويم ، او قضية الشعر ، وقضية نقد الشعر ؟

هل الناقد الادبي ، بايديلوجيته الفنية او الفكرية هو الذي يقود الابداع  والانتاج ويرسم للشاعر المنهج والاسلوب والصيغة ؟ ام ان المبدع هو الذي يخلق النقد ، ويقود الناقد الذي يتولى تقريبا الابداع ، وعرضه وادماجه فى حياة المجتمع ؟ وهل يكون الناقد الادبي شخصا مبدعا ام شخصا دارسا ؟ وهل يكون مؤسسة او يكون سلطة ؟

ما هي الفروق بين العالم ، والتكنلوجي وبين الناقد و الشاعر ؟ وما هى  الاشياء بينهما ؟

وقد ترون ان يدور حوار حول ذاتية الابداع الفنى ، للشاعر الذي قد تختلف في يديه قصيدة عن اخرى ، فى مناخها ، وفي ايحائها ، وفي سلوبها ، ومع ذلك فان ذاتية الابداع ، تؤكد ذاتية اللغة بالابداع فيها ، لا بالانسلاخ عنها ...

ويتصل بالابداع ، تحديد معنى الابداع ، اصلا ، فى الحياة . الابداع ليس خلق شئ جديد لم يكن موجودا ، فكل شئ موجود ، وهذه مساله هامه ، ليس فى الشعر وحده ، ان ما نسميه ابداعا ، وجديدا ، هو احد شيئين : اما اكتشاف شئ موجود ، واما تأليف لصيغة جديدة من اشياء موجودة تتغير علاقاتها ، ومواقعها ...

ومن هنا ، فان كثيرين ممن يريدون اضافة الى ميراث الانسانية بالنية الحسنة والقصد النبيل ، والطموح المشروع ، يعتقدون ان الجديد هو الخروج على كل شئ ، والتنكر لكل شئ ، والمغامرة غير المحسوبة فى ركوب المخاطر فى كل اتجاه ...

لا احد يستطيع استرجاع الماضي ، فهذا ليس مستحيلا ماديا ، ولكنه مستحيل احتماعيا ، كثيرون ، بل كل الناس يفكرون فى الماضي تفكيرا انتقائيا يدبرون اجمل ما فيه ، ويتمنونه ، وان اجمل ما فى الماضي نفسه ، هو جميل فى اطاره ، ونافع في سياقه ، ولكنه قد لا يكون كذلك ، وقد لا يستقيم ، اذا انتزع من ذلك السياق ، وافرغ من ذلك الاطار.. لكل عصر ادواته ، واساليبه ولكن هناك شيئا مشتركا بين العصور ، هو الذاكرة الحضارية وبقدر ما هو مستحيل استعادة الماضى ، هو ايضا مستحيل الانبتات عنه ، فلا بد من تراكم الخبرات وتواصلت ... واللغة هي أداة هذا التواصل ، والشعر هو جزء من هذه

اللغة ، ولهذا ، فان من مشكلات الشعر المعاصر ، فى اللغة العربية ، صلتها بسلامة هذه اللغة وبمعاييرها ، الشعر العربى أغنى اللغة العربية ، واخصبها ونماها ، ولكنه فعل ذلك فى حدود ما تاذن به طبيعتها وقواعدها .

هذه هي احدى القضايا التى قد تتعرضون لها ، والتى قد يتناولها الشعراء المبدعون ، ويعرضون تجربتهم في التعامل مع اللغة فى المضامين العالمية المعاصرة .

ان تعدد التجارب الشعرية ، فى الأدب العربى ، ليس ظاهرة سلبية ، وليس ظاهرة فريدة ، فقد شهر الشعر العربى مثل هذه المحاولات في وقت مبكر فى المشرق العربى وفى المغرب العربى ، مع فارق ، هو ان تلك التجارب التاريخية جاءت نتيجة لتطور ذاتى واستجابة لمتطلبات الحياة العربية - نفسها ، ولامتداد وظيفة الشعر الى التعبير فيما وراء الاغراض التقليدية . اما التجارب الجديدة . فهي مقبلة من تماس الثقافات ، وتاثر الطلائع الثقافية بالثقافات الاجنبية ، بحيث اصبح الامر يتعدى المضمون الى المفهوم ؟ الى ما هو الشعر فى القاموس القومى ؟ والى ما هو فى المفهوم العالمى ؟

القول طال ، على الرغم منى ، فهو ذو سعة ، اتمنى لكم التوفيق ، وارجو ان تكون هذه الندوة فاتحة نشاط موصول حول هذه القضية المحورية من قضايا الأدب العربى ...

اشترك في نشرتنا البريدية