" تلفت طرفي لتوديعها
فلما توارت تلفت قلبي "
وظل يعيد خيالاتها
ويذكر أعذب أيام حبي
وظل يعيش مع الذكريات
ويحسبها ما تزال بقربى
ورحت أسير بدرب الضباب
وشمس الصباح تنور دربي
وكاد التأوه يدمي ضلوعي
وكانت دموعي تبلل هدبي
وكانت على الرمل فى ثوبها
فيا للحرير يضم
بألوانه يتحلى الربيع
وفي عطره تستحم الزهور
يجر الشعاع عليها خيوطا
لجينية اللون مثل الاثير
ويختلس الصيف من جسمها
صفاء الضياء وحر الهجير
ويبتسم الضوء في الركبتين
كدفق الشعاع بأنبوب نور
وتشهق فى شفتيها الحقول
ربيعية اللون كالاقحوان
وتحتار في شعرها كفها
فتهتز مثل الغصون اللدان
ويسألني العطر عن سرها
وتغرقني المقلتان اللتان ...
تفيضان سحرا ونورا شهيا
ويسطع في شفتيها الجمان
وأشعر أني يكون غريب
كأني اخترقت حدود الزمان
على كتفيها سنابل در
يداعبها نظري الحاصد
وأمواج شمس على مقلتيها
يبعثرها طرفها الشارد
وتلعق نظرتها سمرتي
وطرفي لشقرتها عابد
وفي ناظريها نداء غريب
يؤكده صدرها الناهد
وكانت على الرمل تصطادني
وقد خلت أني لها صائد
وألقت إلى الريح فستانها
فأقبل يمشي كمشي الظبا
كريش الطواويس ألوان
فقلت له : مرحبا مرحبا
وقلت لها : حلوتي أقبلي
فثوبك نحو ثيابي حبا
تجمع فيه الربيع الضحوك
ولون الشباب وسحر الصبا
وتزهو مع الصيف أزهاره
وتبكي لفقد الزهور الربى
أزاحت عن الشمع أثوابها
ولاحت على الرمل تمثال عاج
تعانقه قطعتا سندس
وقد ثار فيه الدلال ومج
تسيج فتنتها بالحرير
وعيني تحطم ذاك السياج
وفي جسمها العسجدي الصقيل
صراع ، وفي مقلتينها هياج
فأعشق فى ناظريها السماء
وأعبد في جسمها الإعوجاج
وسرنا على الرمل فى نشوة
كأنا صديقان منذ الصغر
أصابعنا فى اشتباك رفيق
وكفي تنسج فجر الشعر
وكادت شموع اليدين تذوب
وكادت نهور الضيا تنهمر
ولاحت على الرمل تمثال حسن
جميلا جميلا يبث الخدر
فتغمرني نشوة لا تحد
كسحر الشذى في مطاوي الزهر
ولما مضت نحو ما لست أدرى
وضاع بضيعتها نصف عمري
" تلفت طرفي لتوديعها
فلما توارت تلفت فكرى (1) "
يحلق منطلقا إثرها
ولا شئ غير الخيالات إثري
وحامت بعين خيالي رؤاها
فأحسبها كخيالات سحر
ترف بأعماق أعماق روحي ،
ومجرى دمائي ، كمدمن خمر
كان - صيف 1963

