المطر من فوقنا والبحر من حولنا :
بعد ان ابحرت الباخرة وغادرت ميناء البحرين ارعدت السماء وأبرقت واخذ المطر ينهمر . . الامر الذى اوقع ركاب الدرجة الثالثة فى تعب ونصب وربطنا بساطا صغيرا فوقنا . وهبت رياح شديدة واخذت الباخرة تتمايل ذات اليمين وذات الشمال واخذ الركاب يتدحرجون من مكان الى اخر . وانتشرت الوساخات والاقذار المختلفة فى كل مكان . . وأخيرا رست عند ميناء ) رأس تنورة ( وأنزلت كميات كبيرة من الاسمنت . . واشتدت الرياح من بعد غروب الشمس . . واستمر المركب فى تذبذبه وتمايله . .
سرق الزاد والطعام :
كان طعامنا وزادنا من السكر والشاى وأدوات الشاى فى زنبيل كبير وقد وضعناه مع الامتعة فى جانب من المركب . . وعندما احتنجنا اليه صباحا لم نجد له اثرا . . وبحثنا عنه في طول الباخرة وعرضها وبين امتعة الركاب كلهم . وذاع الخبر خبر وفد الزنبيل بين جميع الركاب ولكن دون جدوى . وقد ترجح لدينا أن بعض المتعصبين من الشيعة اراد ان يتقرب ويتعبد بالقائه فى البحر او القاء مافيه من الطعام فى بطنه . .
تركنا الامر . . وذهبنا إلى طباخي الباخرة
وكلهم هنود شرسو الاخلاق واتفقنا معهم على اخذ الطعام من عندهم مقابل ١٤ روبية حتى نصل إلى البصرة . . وحدث بعده عن الفضل ما شئت ان تحدث . .
يومان وليلتان :
وقف المركب او الفلك المشحون يومين وليلتين فى ميناء رأس تنورة وقفة جلبت لنا السأم والمثل والمرض . . وبالرغم من حبى للاسفار ولا سيما الاسفار البحرية - ضقت ذرعا من حياة تلك الباخرة لازدحام ركابها ووساختهم ووساخة المركب وضياع الزاد والالتجاء الى اكل المركب المفلفل ووقوف الباخرة
حفلات بكاء وتصدية وضرب الصدور :
يقيم الشيعة كل ليلة بعد المغرب حفلة بكاء ونهيق يجتمع فيها الكبار والصغار ويقرأ عليهم احدهم قصة الحسين رضي الله عنه ويتباكون لسماعه ويظهرون التأثر لما يسمعونه من القارىء وهم غير فاهمين لما يقرأ عليهم وكاذبون في التأثر والبكاء ووقفنا عليهم قليلا ثم مللنا النظر اليهم فحمدنا الله على ان عافانا من هذا كله .
القذارة :
كانت القذارة عنوان هؤلاء الركاب وعمال الباخرة بعضهم مسلمون
هندوكى او مسيحى وكلهم بعيدون عن شئ اسمه ) الانسانية ( ومعاملتهم مع غيرهم في غاية من الشراسة والوقاحة . . وكنا ندعو الله ان يعجل بوصولنا إلى البصرة لنتخلص من هذا المركب القذر وأهله القذرين . .
. الوصول إلى البصرة
بعد ثمانية ايام بلياليها - وكانت لنا كثمانية اشهر - وصلنا البصرة وحمدنا الله تعالى على ان ازال عنا الخبث والخبائث . .
ومن البصرة توجهنا في القطر البطئ إلى بغداد .
وصلنا بغداد ليلة الجمعة ١٣-٢-١٣٦٦ ه ونزلنا فى فندق الامراء الحديث بشارع الرشيد .
مراجعة طبيب :
لما كانت رحلاتى كلها للاستشفاء ، سواء بتغيير الجو والارض او بمراجعة اطباء الجهة التى أسافر اليها . بادرت بمجرد وصولى الى بغداد في مراجعه طبيب من اطبائها المشهورين واستعنت في ذلك بصديق سبق ان تعرفت به فى رحلتى الاولى وهو الاستاذ امير عباس فذهبت اليه فى مقهى الزهاوى حيث تعود الجلوس وقت فراغه فارشدني إلى طبيب مشهور فى بغداد وقال سناخذ له خطاب توصيه من صديق واتفقت معه على ميعاد
وفي الميعاد المحدد دهبت الى الاستاذ امير عباس فقام معى وزار صديقه فى مكتبه وهو الاستاذ الشاعر عبدالمجيد الحسين الملا رئيس كتاب مكتب النقليات . . وبعد جلسة لطيفة معه طلب الاستاذ امير عباس منه خطاب توصية على للدكتور عبد المجيد القصاب
حريج جامعة مونبليه - بعد ان قام بدور التعارف بيني وبين الاستاذ الملا واننى جئت من الحجاز للاستشفاء . فكتب الاستاذ الملا خطاب توصية لصديقه الدكتور عبدالمجيد القصاب . .
ثم ودعنا الاستاذ عبد المجيد الملا شاكرين له هذه المروءة والشهامة والمساعدة وجئنا الى الدكتور القصاب وقدمنا له خطاب صديقه . . فما انتهى من قراءته الا ورحب بنا ثم أجرى على فحصا دقيقا وكتب لى الدواء وعند خروجنا من عيادته اردنا ان نقدم له رسم الكشف فاعتذر عن قبوله وقال :
- انت مرسل من قبل عبد المجيد فلا استطيع ان اقبل منكم شيئا .
وهنا ودعت الاخ امير عباس ورجعت الى شارع المتنبى واول شارع السراى حيث تغديت في مطعم . . ثم رجعت الى الفندق
وبعد الظهر زرت الاخ محمد الضبيب - رفيق الطريق - في مستشفاه بالكرادة حيث اجرى عملية جراحية فى احدى عينيه . وبعد جلسة معه واحاديث من هنا وهناك . . أى ان كل واحد شرح للثاني مراجعاته مع الاطباء . خرجت مع خادم الاخ محمد الضبيب الى ناحية الخزان المائى وكان الجو باردا جدا والرياح ثلجية
٥-٣-١٢٦٦ ه
زرت اليوم المفوضية السعودية ولم اجد سعادة الوزير المفوض الاستاذ عبد الله الخيال وجلست مع الاستاذ عبد العزيز الصغير سكرتير المفوضية . وسألته عن البريد لاني اتخذت عنوان خطاباتى ) المفوضية السعودية ( . الجو بارد جدا والرياح شديدة تهيج الغبار وقد احتجبت الشمس وراء ذراته .
٨-٣-١٢٦٦ ه
خرجت من الفندق الى شارع السراى ابحث عن كتاب تاريخ شرق الاردن لبيك باشا ثم ركبت من باب العظم الى المفوضية السعودية وسلمت على الاستاذ عبد العزيز الصقير وكان عنده عراقي اسمه طه الشبنى وهو يقص حياته العسكرية فى الحجاز ايام الملك حسين ثم انتقاله الى شرق الاردن
وعلمت من الاستاذ الصقير ان الاستاذ عبد الله الخيال ترقى الى منصب وزير مفوض وكان من قبل قائما باعمال المفوضية فهنأته بذلك . ثم خرجت الى الكرادة لزيارة الاخ الزميل الضبيب . وبعد خروجي من زيارته مروت على مطعم عبد الصاحب وتغديت ) كوزى على تمن ( اى رز بلحم وزبيب .
المتحف العراقي :
زرت اليوم ١٨-٣-١٣٦٦ المتحف العراقي وشاهدت ما فيه من الآثار الحجرية والخزفية وعليها نقوش ورأيت في صندوق جثة ولد وقد تفككت عن بعضها وهيكل عظمى لامرأة واكثر ما استرعى انتباهى الدنانير والدراهم المسكوكة فى العهد الاموى
حفلة جمعية الهداية الاسلامية :
حضرت اليوم ٤-٤-١٣٦٦ الحفلة التى أقامتها جمعية الهداية الاسلامية فى مسجد السيد سلطان والقيت محاضرات قيمة وكانت كلمة الاستاذ السيد شاكر البدوى من أروع وأجمل ما ألقى من الخطب والكلمات .
استمر نزول المطر طول الليل واصبحت الشوارع كلها مياها تجرى وبالرغم من هذا كلها لم تقف حركة الشوارع والاسواق والسيارات . .
٢٠-٤-١٣٦٦ ه
ودعنا بغداد الجميلة ومن بها من الاخوان والاصدقاء - ودفعنا حساب الفندق لمدة ١٦ يوما لسريزين ) ٦٩٦٠ ( فسا . ر كبنا القطار الساعه التاسعه بالتوقيت العربي وقضينا سواد الليل كله فى السير والساعة الثانية من اليوم الثاني وصلنا الشعيبة ومن الشعيبه ذهبنا الى بعدة الزبير في عربه وكان الطريق بين الشعيبة الى الزبير مزد حما بمعسكرات الجنود البريطانيين يرفرف عليها علم الاستعمار البريطانى ) وقد زال والحمد لله الآن ( وحالما وصلنا سألنا عن السيارات المتوجهة إلى الكويت فقيل .لنا عن سيارة متوجهة غدا إلى الكويت وكان للاخ محمد الضبيب عم يقيم في هذه البلدة وذهبنا الى داره وآرتحنا حتى دنت صلاة الجمعة فذهبنا إلى جامع الزبير - ويقولون ان قبر الزبير فى هذا المسجد وصلينا الجمعة ولم تخل الخطبة من كلمات بدعية
فوات السيارة :
اتفقنا على السفر الى الكويت في سيارة تابعة للشركة العراقية الكويتيه كل راكب ب - ١١٢٥ فنسا وعندما ارسلنا للشركة جوازاتنا ، ردتها الينا لانها لم تؤشر من مكتب البصرة حيث سجل قدومنا .
وفي الاخذ والرد مع الشركة توجهت السيارة التى كنا نريد الركوب فيها الى الكويت . وقيل لنا لا بد لنا من الوصول الى البصرة .
فالى البصرة :
ركبنا سيارة البلدية بخمسين فنسا للراكب الواحد .
وبمجرد وصولنا الى البصرة ذهبنا الى القنصلية السعودية وتقابلنا مع الاستاذ
صحرى شيخ الارض و كان لطيفا جدا فى مقابلته وتسهيل مهمه السمه ولم يكتف بهذا كله بل تفضل ودعانا الى تناول الغداء عنده فى القنصلية واجتمعنا كذلك بالاخ محمد الشبيلى وهو كذلك على جانب كبير من الاخلاق الفاضلة وعندما اردنا ان نستأذنه للخروج ارسل معنا الاستاذ الشبيلى احد خدم القنصلية ليرافقنا كمرشد لنا ويرجع بنا بعد تجوالنا فى الاسواق الى القنصلية . . وصلنا في جولتنا إلى شط العرب والنخيل والأسواق وصلينا الظهر فى مسجد مقام على ثم عدنا الى القنصلية حيث تناولنا الغداء . وبعده ودعنا الاخوان فى القنصلية وقضينا بقية النهار فى التجوال والاستراحة في مقهي على الشط وبعد صلاة المغرب بحثنا عن مأوى نقضى فيه ليلتنا . .
نزهة المؤمنين :
وقد أدى بنا البحث الى فندق متواضع اسمه ) نزهة المؤمنين ( وبعد اخذ ورد مع صاحب الفندق - ومن احاديثه معنا ظهر انه شرس الاخلاق - اتفقنا معه على المبيت عنده واجرة السرير ١٠٠ فنس وكانت نوافذ غرفتنا تطل على مياه الشط والنخيل . . فكان منظرا رائعا .
وفي يوم ٢٤-٤-١٣٦٦ رجعنا ثانية إلى بلدة الزبير في سيارة من سيارات الشركة العراقية اجرة الراكب ٥٠ فلسا ووصلنا الزبير فى ٢٥ دقيقة لان السواق سار بسيارته فى سرعة شبه جنونية . وتحركنا من الزبير فى اليوم الثاني الى الكويت الساعة ٦ نهارا ووصلنا باب نايف بالكويت قبل العصر واقمت في الكويت اكثر من شهر وتعرفت في هذه المدة
بواسطة الاخ الصديق الشيخ محمد الضبيب واخيه الاخ صالح الضبيب بالافاضل الآتية اسماؤهم الشيخ عبد العزيز العتيقي والاخ حمد العتيقي والاخ خالد العتيقي والشيخ عبد اللطيف العتيقي والاخ عبد الرحمن المنصور العتيقى والشيخ يوسف عيسى القناعي والاخ محمد الشقائقى والدكتور فضل محمد طبيب العيون والاخ محمد احمد الرويجح والاخ راشد بن سيف مدير المدرسة الاحمدية والاخ يوسف النفيسى مدير المكتب التجارى السعودى والشيخ عبد العزيز بن عثمان والملا على العبدالحسن الصقلاوى والشيخ عبد العزيز بن حمادة قاضى الكويت الاسبق والشيخ عبد الله الساير والشيخ عبد اللطيف رويجح والاخ صالح بن حمد الدعيج والاخ عبد المحسن البحر والاخ يونس بن ملا سعيد
الاماكن التى زرتها
مسجد صالح فضالة ومسجد ابن فارس ومسجد القصمة ومسجد ابن بحر ومسجد الغربي ومسجد ابن نبهان ، مسجد لسيف .
ضاحية الجهرة والحولى والسريرة والناحية الشرقية والدمنة .
المنصرفات :
بلغ مجموع ما صرفته فى الرحلة من ٣٠ المحرم سنة ١٢٦٦ الى ١-٦-١٣٦٦ في الرياض والبحرين والعراق والكويت ) ٧٤١ ( ريالا وذلك لغلاء الاسعار وارتفاع الاثمان لكوننا فى اعقاب الحرب العالمية الثانية .

