هذه مشكلة ليست باليسيرة ولا بالهينة ، ولا هي بالتي يمكن أن نتركها جانبا الى حين . فكل ما يحيط بنا من الظروف ، وكل ما يكتنفنا من الوقائع والاحداث يدفعنا دفعا الى التساؤل عن مستقبل الشعر في تونس وعن المصير الذى ينتظره بعد سنوات قليلة أو كثيرة . ولا عجب أن نرى الآن مجلات الشرق والغرب قد امتلأت بالبحوث الطويلة والمقالات الكثيرة التى تعالج موضوع الشعر وتعمل على ترقيته وانتشاله من الهوة التى تردى فيها منذ الربع الثاني فى هذا القرن . فالحق أن الشعر فى كل مكان يعاني ازمة تهدد مستقبله ويخضع لعوامل من شأنها ان تزعزع مكانته وان نضعف من مقامه بين الفنون الادبية وغير الادبية وهذه الازمة هي السبب فى كل هذه المناقشات التى تدور حول فلسفة الشعر وتجعل الناس يتساءلون عن مقدار القبول الذى سيحرز عليه هذا الفن عند القراء فى العصور القادمة فضلا عن الاوقات الحاضرة .
فليس شعرنا العربى بدعا بين الاداب فى هذه الازمة ، ولكنه يمر بمرحلة متأخرة تأخرا كبيرا عن المرحلة التى يقطعها شعراء الغرب الآن واذا كان الشعر الاوروبى يقطع شوطا فى الوسط بين عصرين من المدنية المتواصلة ، واذا كان شعراء الغرب يعملون على تغذية فنهم بعناصر الازمة الروحية التى تمر بها شعوب اوروبا المثقفة منذ الحرب الاولى ، فاننا ما زلنا فى منطقة تعد بدائية جدا بالنسبة إليهم او لعلها اذا وزنت بميزان النقد الصحيح تجعلنا نقف عند المشاكل نفسها التى اثارها نقاد الرومانتيقية فى اواخر القرن الثامن عشر ضد كل نزعة تحاول الابقاء على الفن البراق الزائف فى الكتابات والاشعار انئذ إذ أنه في فترة النهضة التى تلت تلك العصور الوسطى مباشرة احتل الشعر التقليدى محل الشعر الكاتوليكى ، وأخذ الشعراء والكتاب واصحاب المسرحيات يذهبون مذاهب من الطراز الذى نجده عند الرومان والاغريق القدماء وكانوا في تلك الفترة يعدون الرجوع الى القديم اكبر منقذ للفن الذى جعل ينحط بتأثير محاكم التفتيش الى اسفل قرار وكان من جراء هذه النكسة ان امتلأت آدابهم
بصروف من الفن والتعبير جعلت من المستحيل بالنسبة اليهم أن يتقدموا ويتلاءموا مع حياتهم وأساليب معيشتهم . ونسميها نكسة لان الاداب التي نشأت فى ظل العصور الوسطى المسيحية كانت اكثر استقلالا وأدعى الى الامل فى المستقبل من هذه الاداب ، وذلك لانها غنيت بعناصر فنية وخصائص ذاتية من شأنها ان تشعرك بالفارق بينها وبين آداب الامم السابقة واستطاعت الرومانتيقية عقب هذه الفترة من التقليد الطويل ان تقيم دعائم مذهبها فى الشعر والنثر على هذه المقومات المسيحية نفسها وان تشتق أصول فنها من هناك حيث تتوفر المشاعر الروحية وفكرة الخلود والتعبير الاسطورى البرئ من كل حرفية أو نقل . وكانت عناصر الفن المسيحي - الى جانب هذا كله - موردا لا ينفذ لعشاق الادب الرمزى حيث تشيع رائحة البخور المتصاعدة فى هياكل الليل عند امتلاء الجو بالسحر والغموض والظلام المرتعش . فالرجوع الى القديم والاحتفاظ بالتراث والاصرار على مراعاة فنون القدامى فى التعبير والتحرير جعل النقاد فى أواخر القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر ينعون على كتابهم وشعرائهم هذا الفناء في شخصيات غير شخصياتهم وعدم الاستقلال بازاء اداب قديمة لا ترجع فى تاريخها الى اصل واحد من حيث الموطن . واندلع لهيب الثورة على اقلام الكتاب فى المانيا وفرنسا وانجلترا بحيث لم تمض بعد ذلك سنوات قليلة حتى كان التجديد معترفا به وحتى استطاع الادباء ان يلائموا بين حياتهم والوان قراءاتهم .
فنحن اليوم فى مرحلة تكاد تكون من هذا النوع عند هؤلاء الادباء ولكننا مع الاسف الشديد ما زلنا متأخرين من جانب الذوق الادبي بحيث تستحيل كل ثورة نقدية بين ايدينا الى رماد فى زمن وجيز . ومن الصعب بطبيعة الحال - ان نقارب تمام المقاربة بين مرحلتنا الفنية وتلك المرحلة التى اتينا على وصفها من بين مراحل الشعر الاوروبى ، فظروف اوروبا حينئذ غير ظروفنا ، وادابنا العربية لم تتوسع فى مشاكلها النقدية والفكرية على نحو ما حدث هنالك . ولكننا نود أن نذكر انفسنا بالتجارب التى مرت بها الامم الاخرى فى فنونها وشؤونها الادبية والثقافية من أجل ان نأخذ العبرة وان نكون على بينة مما فعله سوانا
واذا القينا نظرة عابرة على جمهور المثقفين المهتمين بالشعر خصوصا فى هذه الأيام وجدناهم فئتين : فئة كبيرة متشائمة لاتكاد تقر شيئا من فن المعاصرين الا ما كان على طراز المتنبى واضرابه من الشعراء القدماء . وهؤلاء يزيدون من صعوبة الحل فى البحث الذى يتصل بمستقبل الشعر
لأنهم مستمسكون بفكرة معينة ويحكمون وينقدون على أساس من الفهم الادبى التقليدى . وفئة ثانية ضئيلة استطاعت ان تؤمن بما وجد من الافكار النقدية وان تتلاءم مع الفهم الحديث بغير ان تملك القدرة على تحوير ذوقها الفنى ، بحيث يكون فى الدرجة نفسها - مع فهمها للشعر والادب - من ناحية التقدم والرفعة فهؤلاء لا يستسيغون الشعر المعاصر على أساس من الذوق الادبي التقليدى ومن هنا نشعر بأنه - الى جانب البحث عن الاصول الفنية للشعر فى تونس - ينبغى أن نعالج موضوع الذوق والفهم الادبين ومقدار انتقالهما من جيل الى جيل . على أن هذا البحث يضطر الناقد الى مواجهة هذه المسائل فى غير صراحة ما دامت لا تؤدى نتيجة عملية إذ الواقع آننى لا أعبأ بمعرفتى لاذواق الناس بقدر ما يعنيني أن اعرف الوسائل التى تعين على الانتقال بالفهم الشعرى والوعى الادبي الى شوط اخر تتوافر لديه كل ملابسات الفن الصحيح وبذلك تصبح ضرورة من الضرورات ان يتعدى الناقد حدود فنه ليبحث بعض المسائل الاخرى التى هى من صميم الكيان الاجتماعى والثقافى والروحى ، والتى من شأنها ان تؤثر اكبر تأثير فى اذواقنا ومداركنا الفنية . فنحن ملزمون بمناقشة كثير من التفصيلات البعيدة عن نطاق الفن عندما نحاول ان نرقى الذوق وعندما تسعى لتهذيب الاحساس الادبى . اما اذا شئنا ان نرفع من درجة المفهوم او إذا اردنا ان نربى ملكة النقد وأحببنا ان نزيد من قوة المدارك الفنية لدى أفراد الشعب ، فأمامنا مسألة لابد من مواجهتها أولا وقبل كل شئ ، واعنى بها التساؤل عن ماهية الشعر الصحيح وغير الصحيح .
من المعلوم ان تقسيم الشعر الى صحيح وغير صحيح لا يؤخذ به اليوم لدى النقاد باعتبار بسيط جدا وهو أنه لا يوجد شئ في ذاته يطلق عليه اسم الصحيح بحيث نعرف سواء من أول نظرة ، ام لا أن ما نسمه صحيحا في الشعر انما هو شىء من خلق الافراد ومن تقدير الناس وليس منزلا من لدن . خبير عليم . واذا كان الامر كذلك لم يكن في الفن مقياس ثابت الى الابد ، ولا يوجد هناك حكم يتمسك به الى آخر الدهر انما هم يختلفون في آرائهم وأذواقهم باختلاف العصور وليس الناس جميعا على نمط واحد بحيث يسرى عند هؤلاء ما يسرى لدى غيرهم وهم اذا كانوا في ناحية من نواحي المعمورة يؤيدون فكرة من الفكر ويتشيعون لمذهب من المذاهب فليس معنى هذا انهم فى ناحية اخرى على هذه الشاكلة أو من هذا القبيل
وعلى اساس من هاتين الظاهرتين : عدم التوافق فى عصور مختلفة
وعدم الترافق في البيئات المختلفة يترقى الشعر ، او قل يتطور فقط من جيل ومن عصر الى عصر وتوجد منه مدارس وفرق كثيرة فى المراحل المتعددة بحيث لا يكون المقياس الفني من النوع نفسه ولا يكون المعيار واحدا لدى الجميع . ومن هنا يستحيل ان نحكم بوجود شعر صحيح وشعر غير صحيح . وهذا طبيعي جدا إذا كان الامر على نحو ما هو حاصل فى البيئات الفنية التى تتجدد حياتها من فترة الى فترة وكأن الشعر قد وصل فيها الى الحد الذى ينقسم الناس عنده الى طوائف متباينة . اما فى تونس - الى وقت قريب - فالشاعر لا يحذو الا حذو القدماء ، ولا يرعى حرمة لعامل الزمن ولا يصغي لصرخات الحياة من حوله وهى تهتف فى باطنه بأن الاذواق لم تعد تقبل شيئا مما ينظمه ولا تعى لحنه الذى يخرج من صدره كما تخرج الالحان من سلك الربابة ولم توجد علاوة على هذا مدارس فنية بمعنى الكلمة تحاول أن تبدع أساليب فى التعبير وفى النظم وفى الاخيلة غير ما يصطنعه سواها ، وان تجدد الاوزان والصورة او القالب الذى يصب فيه الكلام المقروض .
ولذلك نشعر بأنه ما زالت بيننا وبين الحالات النقدية الاصولية التى لا تقف عند التفرقة بين الصحيح وغير الصحيح من الشعر مسافات طويلة وأشواط بعيدة وبأنه يلزمنا أن نناقش هذه المسألة أكثر من سواها حتى نتيح للشعر ان يترك ما لم يعد يقبله الذوق بحال من الاحوال وان يمر بالمراحل البدائية فى معراج الفن الى ذروته العليا . فبهذا يقطع شوطا لازما بالنسبة إليه فى هذا الاوان خاصة ، ولا نسمح للشعراء بعد ذلك - ان ينطقوا شيئا غير مرضى عنه من أساسه ولا يجوز فيه خلاف او تشيع . ولا ضرب لهذا مثلا توضيحيا فأقول اننى لا استطيع إذا ما جالست انسانا منكرا للاديان أن أحادثه في أفضلية دين من الاديان على سواه ، وانما احادثه اولا فى ميزة الدين علوم حتى يدخل منطقة الايمان فأبين له قيمة احد الاديان وروعة أحكامه عما عداه . وكذلك نحن في الشعر ، لا نستطيع ان نبدأ فى الكلام عن النقد المدرسي وأصول الفن قبل ان نبرح هذه المرحلة التى لا ذوق فيها ولا فن . والتي يصعب علينا ان نميز فيها بين انماط معينة او ان نطلق على ما نقرؤه ابانها اسم الشعر .
فمشكلة الصحيح وغير الصحيح من الشعر هى الاساس لكل بحث فى مستقبل الشعر عندنا . وقد لا استطيع ان أحدد تحديدا جازما مدلول كلمة الصحيح فى هذا المجال الضيق ولكننى أستطيع ان أمر عابرا يعبون الشعر فى تونس وان اكشف عن جوهره الزائف بالتدريج حتى أصل الى
تعريف عكسى يظهر لنا الفاصل بين النوعين . وما أعنيه او ما سأحاول الكشف عنه من غير الصحيح فى الشعر هو الذى يشيع عندنا فى تونس الان . وليس يهمنى ان اكشف عن عيوب الشعر عموما فى هذه المناسبة وغيرها من المناسبات . فطبيعة ما يقتضيه البحث وما ارجوه من نفع سريع سأحصر كلامى على نطاق الشعر التونسى المعاصر وحده .
واول ما يسترعى الانتباه ان الشعر التقليدى ما زال أثيرا لدى الكثيرين من الشعراء الشبان ولم تزل صناعتهم الفنية من طراز ما كان ينسجه الاقدمون من حيث الاخيلة والتصوير ومن حيث الفن والاداء . وهذه أكبر مسالة تعنينا الان بوصفها عائقا للشعر عن المضى فى طريقه القويم .
واغلب ظنى اننا جميعا نعلم مقدار ما فى الادب التقليدى من دسامة ومن امتلاء يجعلان القارىء فى حاجة دائما الى شىء من الرخاوة والفراغ والى بعض القدرة على النكوص بفكره وذوقه الى الوراء قليلا او كثير حسب تأثير الحضارة المعاصرة فيه . ومن هنا أحس الجميع بأنهم يقرؤون الشعر عن ترف ويقبلون على ذلك التراث بناء على عبقرية فى اللغة ونبوغ فى الادب وثروة فى الاطلاع القديم . فمن لا يتوافر له شىء من هذا يشعر فى قرارة نفسه بالعجز عن متابعة الشعراء القدماء او المواظبة على قراءة الشعراء الاحياء الذين ينظمون بطريقة تقليدية ويتبعون الاولين في المسلك والطريقة . ومن هنا كان لا بد من اعادة الثقة الى نفس القارىء العربى حتى لا يتوقف عن استمتاعه بالفن الادبى ، وصار من الضرورى ان ينزل الشعر عن بعض الخصائص او عن كل الخصائص ان استطاع من اجل ان يكون له رواج وان يوجد له طبقة من القراء وان يستمر في اطراده وتطوره على نحوما نريد .
ليس هذا فحسب وانما تطغى بعض عناصر الصنعة الشعرية على سواها من العناصر فى القصيدة حتى يبدو التركيب فيها غير متناسق وحتى تظهر عليها اعراض التخمة الفنية . ولذلك كانت أهم مشكلة فى الشعر العربى الحديث هى عدم قدرته على الملاءمة بينه وبين الحياة خصوصا اذا وضعنا نصب أعيننا ما يقوله : " هينه " من ان الادب في أصله تعبير عن حياة او هو مرآة الحياة . فإذا ظهر أننا نعيش فى هذا العصر وان آدابنا توقفت او بقيت هنالك فى العصور الفائتة على الرغم من القيام بخلقها الآن فقد حكمنا عليها بالعدم والتأخر والركود .
وللمدنية عيوبها من غير شك فى تأثيرها الفني ، ولكن محاسنها هي تنظيم الحياة الأدبية واهمال التكلف وانكار الصنعة لا يمكن أن نضع من قدرها باحث واحسن ما فى هذا كله ان يكون الانسان ابنا للعصر الذي يعيش فيه وان يكون وليد الظروف الفنية والاجواء الروحية التى تحيط به وسجلا لتيارات المعيشة حوله . والحقيقة التى لا تقبل الشك هى أن الشعر العربى لو استطاع ان يعيش فى هذه الايام وان يرفع التفاوت القائم بينه وبين الحياة وان يزيل الهوة التى بينه وبين الواقع لمر بسلام في هذه الازمة التى يعانيها .
كذلك يلاحظ ان الكثيرين من الشعراء ما زالوا ينظمون في الاغراض التى لا تجعلنا نحس بأن الشاعر قد انفعل لها او اهتز قبل ان ينظم فيها فهو غائب الشخصية فى القصيدة بأكملها كأنما يخشى على عواطفه ان تتبرج وعلى احاسيسه ان تنكشف وعلى نفسيته ان تبين . او كأنما يخجل من ان يوقف القارىء على باطنه وان يريه ما يدور في داخل شعوره مع ان الشعر لا يمكن ان يرتقى إلا على حساب التبادل الصريح في العواطف بين الشاعر وقارئه . وسواء اكانت نواحى الضعف ام نواحي القوة هي التي تميز شخصية الأديب عندئذ فسوف يجد القارىء شاغلا عن هذا كله بالاصالة وبذور العبقرية فى العمل الفنى ذاته . والاديب بعد هذا كله ملزم بأن نرفع كل حجاب بينه وبين قارئه من اجل أن يكون واضح المعالم بين السمات
وهؤلاء الذين يتمسكون بقوة شخصيتهم من بين الادباء عند مواجهتهم للعمل الفنى يفسدون على الشعر معناه وعلى الفن روحه فان أهم ما يميز الادب والفن انهما مناجاة الضمير للضمير وحديث الخاطر للخاطر وكل تغيير فى قيمه الأدب وكل تحول فى مجال الشعر انما يأتي غالبا من اتجاه الناس الى رفع كل اشارات التكلف فيما بين الفنان والجمهور اما الشاعر الذي يحاذر ان يقع فيما يكشف لك عن باطن فؤاده والذى يخشى ان يظهرك على مكنون ضميره فاغلب الظن أنه - وان كسب حسن السمعة اولا ، وحاز الهيبة عند لقاء الناس ثانيا - لن يجنى خيرا كثيرا من الفن الذي خلق له وخص نفسه به . واثار العبقرية الصحيحة غالبا ما تكون مشوبة بعناصر مرضية هما يجعلنا لا نخشى اظهار الناس على ما في تركيب الشخصلة الادبية وتكوينها من علامات الضعف ودلالات السوء . فمشكلة الشعر عندنا تتلخص او في انه يريد ان يكون صحيحا وان يقبل الخضوع لاساليب الشرح والنقد الحديثة . ويستحيل أن يدخل فى هذا الباب الأولى قبل أن يبذل
الشعراء مجهودا كبيرا ليرفعوا من قدره ويخلصوه من ارهاق الفن التقليدى ويدفعوه الى الامام فى مضمار التقدم والارتقاء .
وليكن فى حسباننا منذ الآن ان الازمات لا تودع مجال الشعر ولا تفارقه عندما يعرف سبيله القويم وعندما يرتفع الى مسرح النقد وانما تتغير انواعها فقط . فبدلا من ان تدلنا الازمات على ان الشعر قد بات قريبا من القبر ، تدلنا على انه كالكائن الحى تصادفه العقبات وتتعلق به الشوائب وتكتنفه المحن دون ان تؤثر فيه او ان تقضى عليه . فهناك ازمات هى ازمات موت ، وهناك ازمات هى من قبيل الدلالة على الحياة بل على خالص الحياة .
وهذه فى الواقع بمقام النبوءة - منذ الان - لما سيصادفه الشعر الجديد حسبما افهمه من صعاب ومن ازمات . وهي انذار في الوقت نفسه بأننا لن نبالي فى سبيل توطيد هذا الشعر فى اللغة العربية بما سوف نلقاه من المتاعب لاننا نعلم تمام العلم ان موقفنا الان موزع بالضرورة بين أمرين : اما ان تدع الشعر يهوى الى قرار سحيق حيث لا رجعة ، واما أن نسعى لانقاذه من براثن الموت على ايدى اصحاب التقليد الزائف وارباب الفن المتداعي ونحن بطبيعة الحال اعقل من أن ننتظر الخير كله من هذا الطريق الثاني ولكن الضمير الادبى يأبى علينا الا أن نحاول . ولن نكف عن هذه المحاولة حتى ترى صرخات المجددين - وقد سكتت بعد الحرب الثانية - تعود من جديد وتتصل بغير اتقطاع وتصادف عند الشبيبة من اصحاب المواهب والأذواق قبولا ورضا وموافقة .
واهم من هذا كله هو أن تجد هذه التيارات الحديثة صدى فى نفوس الشباب وان تلقى منهم اعترافا يزيح عن كاهلهم هذه الاثقال التى تركتها محاولاتهم المتكررة من اجل تقليد القديم بوصفه مظهرا من مظاهر البراعة والتجديد .
فذلك من شأنه ان يزيد فى اطمئنان الناقد عندما يبحث مشكلة الشعر فى تونس وعندما يعمل على تزويد الفن بعناصر من الغرب وعندما يجهد نفسه فى النقل والتنوير والاعداد .

