الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

رسالة الأصل والتحول

Share

- 2 - (*)  وفعلا فاننا اذا اعتبرنا (فعلن) وجدنا فيها هذه الظاهرة تتكرر فى اكثر من موضع : 1) فى الهارب : (وهو صورة من صور المديد عند الخليل) :

فاعلاتن فاعلن فعلن فاعلاتن فاعلن فعلن

وله ضربان (فعلن ) و(فعلن ) بتحريك العين  فى الأولى وتسكينها  فى الثانية : أ - (فعلن ) بتحريك العين وذلك كما فى هذين البيتين لأبى نواس :

فى ندامي سادة زهر           أخذوا اللذات من أمم

فتمشت فى مفاصلهم          كتمشى البرء فى السقم

ب - ( فعلن ) بسكون العين وذلك كما فى ضرب هذا البيت :

رب نار أرمقها   تقصم الهندى والغارا

( أممى )      ( غارا )

2 ) فى البسيط : وله ضربان . ولا أعلم له من ضرب ثالث إلا مزاعم وردت فى علم العروض . وهما (فعلن ) و ( فعلن ) بتحريك العين فى الأولى  وتسكينها فى الثانية :

أ - ( فعلن ) بتحريك العين وذلك كالذى فى هذا البيت : ماذا الاقامة بالزوراء لا سكنى    بها ولا ناقتي فيها ولا جملى ب - ( فعلن ) بسكون العين وذلك كالذى فى ضرب هذا البيت :

سهم اصاب وراميه بذي سلم      من بالعراق لقد أبعدت مرماى

( جملى)          ( ماكي )

ج - فى الخبب : ويمتزج التشكلان فيه فى عامة الاجزاء بلا تميز الا الضرب فانه لا يقبل الا تشكلا واحدا :

كلف بغزال ذي هيف                     خوف الواشين يشرده

نصبت عيناى له شركا                      فى النوم فعز تصيده

( نصبت)          ( عينا )

ونلاحظ فى جميع هذه الحالات أن التعامل لم يكن إلا بين (فعلن)  ( ن س - ) و ( فعلن ) ( - ) دون ( فاعلن ) . واذا اعتبرنا ما  استنتجناه من تلك الفرضية المتعلقة  ب (فعلاتن)   و ( فاعلاتن)  و ( مفعولن ) واعتبرنا الشبه الذى بين (فعلاتن ) و ( مفعولن ) من  جهة وبين ( فعلن ) بتحريك العين و ( فعلن ) بتسكينها من جهة أخرى جاز لنا أن نستنتج أن ( فعلن ) ( - ) هي تشكل تحول بتسهيل الجمع  عن تشكل أصل هو ( فعلن ) (  - ) ، وهو ما يؤيد احتمالنا عندما قدرنا أن التشكل الأصل فى ضرب لخفيف هو ( فعلاتن ) دون ( فاعلاتن ) .

ولكن هل حققنا نتيجة ما بهذه المحاولة الاخيرة وهل أفادنا شيئا تكرر الظاهرة (ن ب - ) فى أكثر من تشكل إيقاعى وفى أكثر من بحر ؟ وهل نستطيع أن نقرر منذ الآن الحقائق الآتية ؟

1 ) أن التحولات التى تعترى التشكلات الايقاعية ليست تحول تشكل أصل الى تشكل تحول ولكنها تحول نواة إيقاعية أصل الى نواة إيقاعية تحول كالذى يحصل فى ( ن س ب - ) .

2 ) ان النواة (س ) هى نواة تأسيسية أصل فى إيقاع الشعر العربى تمتاز بأنها تقبل التحول .  3 ) ان الاصل فى الرمل والمديد وضرب الخفيف هو (فعلاتن ) وليس ( فاعلاتن ) .

لا . لا اظن ان هدا مما يتسنى لنا تقريره منذ الآن وذلك للشبه الكبير بين ( فعلاتن ) و ( فاعلاتن ) و ( مفعولن ) من جهة وبين ( فعلن)  و ( فاعلن ) و ( فعلن ) من جهة اخرى خصوصا إذا تذكرنا أن ( فعلن )

قد تعتبر هى نفسها تحولا عن (فعلاتن ) لا عن طريق الزحاف ولكن عن طريق التلوين ( العلة ) كما فى ضرب الرمل الذى قد يكون (فعلاتن )  كما فى هذا البيت :

أين من عيني هاتيك المجالى      يا عروس البحر يا حلم الخيال

أو ( فعلن ) كما فى هذا البيت :

لا تلم كفى اذا السيف نبا              صح مني العزم والحظ أبى

وإذن فلن يتسنى لنا تقرير ذلك الا اذا تكررت تلك الظاهرة  فى بحور أخرى وتشكلات أخرى تختلف اختلافا جذريا عن (فعلن ) و ( فعلاتن ) وذلك كالذى فى الكامل والوافر والمنسرح :  1 ) الكامل : فأما الكامل فانه يقوم على التشكلين (متفاعلن ) بتحريك  التاء و ( متفاعلن ) بتسكينها .  

واذا نحن اعتبرنا النتائج التى تحققت لنا فى هذا البحث فان الصيغة الأولى ( ن - ن - ) تكون هي التشكل الايقاعى الأصل ؛ وتكون الصيغة الثانية (- ن - ) تشكلا تحولا عن طريق التسهيل بجمع المقصورين ( ن ) فى ممدود واحد ( - ) كالذى حصل فى (فعلن ) و ( فعلاتن ) . 2 ) الوافر : وأما الوافر فانه يقوم على التشكلين (مفاعلتن ) بتحريك اللام و ( مفاعلتن ) بتسكينها .

( ن - ن - ) = ( ن - ) واذا نحن اعتبرنا النتائج التى تحققت لنا فان الصيغة الأولى ( ن - ن - ) تكون هى التشكل الايقاعى الأصل . وتكون الصيغة الثانية ( ن - ) تشكلا تحولا عن طريق التسهيل بجميع المقصورين (ن ) فى مدود واحد ( - ) كالذى حصل فى ( فعلن ) و ( فعلاتن ) .

3 )  المنسرح : وأما المنسرح (1 ) فان ضربه يأتي على صورتين (مفتعلن )  بسكون الفاء و (مفتعلن ) بسكون الفاء والعين وتساوى (مفعولن ) : ( - س ن - ) = ( ---)

واذا نحن اعتبرنا النتائج المذكورة فان الصيغة الاولى (- ) تكون

هي التشكل الايقاعى الأصل وتكون الصيغة الثانية ( - ) تشكلا تحولا بجمع المقصورين ( ن ) فى ممدود واحد ( - ) كالذى حصل في ( فعلن)  و ( فعلاتن ) .

تلك مواطن مختلفة من بحور وتشكلات وقع فيها التحول  فنلاحظ ذلك مليا لنرى ما يمكن استنتاجه . وتفيدنا الملاحظة :  1 ) أن النواة (س ) إذا كانت في الخبب والرمل والمديد والبسيط وضرب  الخفيف ثالثة ثلاثة :

أ - ( ن ) فى ( فعلاتن ) و ( فعلن ) بتحريك العين ب - ( - أى ( فاء ) فى ( فاعلاتن ) و ( فاعلن )  ج - ( - ) فى ( مفعولن ) و ( فعلن ) بتسكين العين بما يجعل بين ) ن ( و ( - علاقة ما لا نستطيع معها أن نجزم بأن ( ن س ) هى النواة الأصل دون ( - س ) فانها فى الكامل والوافر والمنسرح ثانية اثنتين لا ثالثة لهما :

أ - ( س ) فى ( متفاعلن ) و ( مفاعلتن ) و ( مفتعلن )  ب - ) فى تلك التشكلات معولة بالتسهيل )  بما ينفي أية صلة أو علاقة مهما كانت بين (ن ) و ( -  ) ونستطيع منه ان نجزم - استنادا الى الاستنتاجات السابقة بأن (ن ) هى نواة إيقاعية اصل تمتاز (1 ) بأنها تقبل التحول من غير أن تكون تحول عن نواة إيقاعية أخرى .

2 ) أن النواة ( ن  ) قد تتعامل مع ( - ) دون ( - ن ) كما فى الخبب وكما فى الكامل والوافر وضرب المنسرح ؛ وقد تتعامل مع ( - ن ) دون ( - ) كما فى الرمل وقد تتعامل معهما جميعا فى نفس الوقت كما فى ضرب الخفيف . ويستنتج من ذلك أن تلك النواة ( س ) بحضورها فى جميع التشكلات المذكورة تفرض علينا اعتبارها نواة تأسيسية أصلا لم تأت نتيجة تحول أو غيره وأن النواة (- ) (فاع ) بحضورها فى بعض التشكلات

وغيابها فى البعض الآخر تفرض علينا أن لا نعاملها إلا كما نعامل النواة (- عندما تأتى فى موطن الزحاف على أساس أنهما نواتان تحولان عن النواة التأسيسية الأصل ( ن ) للتسهيل .

3 ) أن النواة (ن ) سواء كانت (فعد ) فى (فعلاتن ) و ( فعلن)  أو ( مت ) فى ( متفاعلن ) أو ( على ) فى ( مفاعلتن ) أو ( تعد)  فى ( مفتعلن ) إذ تتحول حيثما كانت ومهما كان التشكل الى (- ) أو ( - ن ) فان هذا يدل على أن التحول الطارىء للتسهيل ليس تحول تشكل الى تشكل ولكن تحول نواة الى نواة من غير أن يكون لذلك مساس ببقية التشكل . والدليل على أنه ليس تحول تشكل الى تشكل هو أنه إن استقام  الأمر ل ( فعلاتن ) و ( مفعولن ) فى ضرب الخفيف بما يحقق التعادل بين الصيغتين :

(فع/تن)          = (مف/ولن ) 22/11              22/2 -----             ------ 6                        6

فانه لا يستقيم ل (متفاعلن ) و (مفعولن ) فى ضرب الكامل بما يتخرم به التعادل :

(مت/فاعلين     =  (مف/ولن  2121/11            22/2 -------        ------- 7                          6

واذا رجعنا الى الواقع الشعرى وتدبرنا ضرب الكامل لاحظنا أن (مفعولن )  لا تقع بديلا من (متفاعلن ) ولكن بديلا من (متفاعل ) بسكون اللام وحذف  النون وهو ما يضمن سلامة الكميات بين التشكلين :

( متفاعل ) = ( فعلاتن ) = ( مفعولن)  -----      -----      ------ 6                 6               6

ويفسر حضور (مفعولن ) فى ضرب الخفيف والكامل على حد سواء .

وكذلك نكون قد أقمنا الدليل على أن التحول الحاصل بالتسهيل ليس نحو تشكل الى تشكل ولكن تحول نواة الى نواة وأن المشكلة لبست مشكلة ( مفعولن ) وكيف تتعادل مع ( متفاعلن ) و ( فاعلاتن ) ولكن  مشكلة (فاعلاتن ) وكيف تتعادل مع ( فعلاتن ) ومشكلة (متفاعل)  وكيف تتعادل مع ( متفاعلن ) .

هذا واذا رجعنا إلى التشكلات التى تناولناها فى هذا البحث واعتبرنا موقع النواة (ن ن) منها استطعنا بالاستناد الى النتائج السابقة أن نعرف الكثير عن واقع إيقاع الشعر العربى والمبادىء التى يقوم عليها . وتحتاج لتحقيق ذلك الى رسم الجدول الآتى :

نواة ثابتة

نواة متحولة

نواة ثابتة

نواة ثابتة

وهو ما يتيعين لابراز النوى التأسيسية الأصلية المكونة لهذه التشكلات ويفضل بنا الى استنتاج ما يأتى :                      و

1) أن النوى الأصلية فى إيقاع الشعر العربى ثلاثة أصناف : (ن ن )  و ( - ) و ( س - ) .

2 ) أن صنفا من أصناف النووى الثلاثة متحول ( ن ن ) والصنفان الآخران ( - ) و ( ن - ) ثابتان .

3 ) أن تحول التسهيل (1 ) الزحاف ( لا يصيب إلا النواة (ن  ن)  4 ) أن النواة (- ) صنفان : أصلى وحادث (بالتسهيل ) 5 ) أن التحول الحاصل بالتسهيل صنفان :  أ - تسهيل بالجمع ( ن ن - ) وهو ما ثبت وتأكد .  ب - تسهيل بالاهتضام (ن ن) ن وهو ما نحتاج الى شرحه .

6 ) أن النواة (ن ن) تقع فى أول التشكل أو فى وسطه ولا تقع في آخره إطلاقا لأن العرب لا يقفون على متحرك .

7) أن النواة (ن ن) تكون مشفوعة بالنواة (- ) وجوبا .  8 ) أن الخبب موجود ضمن جميع التشكلات وذلك بتعاقب النواتين ( ن ن ) و ( - ) فيها والجملة : ( ن ن - ) .

9 ) أن الرمل يتألف من ثلاث نوى : من نواتى الخبب مشفوعتين بالنواة  10 ) أن الكامل من ثلاث نوى : من نواتى الخبب مشفوعتين بالنواة ( ن - ) 11 )  أن الوافر يتألف من ثلاث نوى : من نواتى الخبب مسبوقتين بالنواة ( ن - )

12) أن النواة ( ن - )  بوقوعها فى الكامل بعد نواتى الخبب وفي الوافر قبلهما حجة على أن ( فاعلن ) فى ( متفاعلن ) تشكل نوتين مستقلتين عن بعضهما ( - / ن - ) .

وكذلك نكون قد أخرجنا القضية من المأزق الذي تردت فيه المدة اثنى عشر قرنا ووضعنا البحث فى اتجاهه السليم ومكنا الباحث من معطيات جديدة لا تلبث أن تفضى به الى الحل النهائى .

والآن وقد أوضحنا مفهوم التسهيل وسوينا وضعية (فعلاتن )  و ( فاعلاتن ) بما يخول لكل واحدة منهما صفتها الراجعة اليها باستحقاق ويجعل :

( فعلاتن) -(فاعلاتن )  أصل        تحول

كما أراد هذا البحث لا كما أراد الخليل ويقبل به كل الباحثين بلا تدبر ولا روية بما يجعل نتائج أبحاثهم صفرا لاستنادهم فيها الى معطيات غالطة من أساسها قلنا الآن نحتاج الى أن نصل الى تفسير الزحاف :

(فعلاتن - فاعلاتن)

متجسما فى تحول النواة (ن ) الى النواة (- ن ) وهو ما أفردنا له فصلا كاملا (الاهتضام ) فى كتابنا " الكميات اللفظية والكميات الايقاعية فى الشعر العربى الذى سيصدر قريبا إن شاء الله . فليرجع الباحث اليه لضيق المجال  هنا والله نسأل أن يوفقنا الى سواء السبيل هو حسبنا ونعم الوكيل .

اشترك في نشرتنا البريدية