الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

رمضان شهر التصفية الروحية

Share

ان المسلمين في جميع بقاع الارض يبتهجون بقدوم رمضان ويعلنون ابتهاجهم بهذا الشهر العظيم وحق لهم أن يحتفوا وأن يبتهجوا ، لأنه شهر حافل بالخيرات ومعمور بالبركات ، وهو ركن من أركان الاسلام الخمسة ، ودعامة من دعائم الدين التى يقوم عليها .

وها هوذا الصوم وسره ، وشهر رمضان وفضله . . فالصوم كف النفس عن شهوتي البطن والفرج ، واذا ما كف الانسان نفسه عن هاتين الشهوتين كان عبدالله مخلصا واستحق شرف العبودية التى يعنيها الله في قوله : (( ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا )) (١) . . اله هذا شأنه يغار على عبده هذه الغيرة فوق نعمه المتتالية عليه ظاهرها وباطنها هو عظيم النعم والآلاء : (( وان تعنوا نعمة الله لا تحصوها )) (٢) . . ومن هذه النعم فرض الفرائض التى يعود نفعها

على العباد فحسب فمن جد فيها واجتهد وأخلص لمولاه حق الاخلاص كانت له الحسنى وزيادة والتمتع بالجنة ونعيمها التى فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ، ( احفظ الله يحفظك . )

وها هو الصوم قد أحاطه الله بأسراره البالغة ونفع هذه الاسرار يعود على العباد خاصة ، فالصوم من طبعه يحول بين المرء وبين امتلاء المعدة التى هى علة العلل وقد أجمع الاطباء على أن المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء ، وقال بعض الحكماء : الدواء الذى لا داء معه أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ترفع يدك وأنت تشتهيه . ومن غير شك ان في حفظ الجسوم حفظا لكيان الامم والشعوب .

وهناك فائدة أخرى تنجم عن الجوع وهى المحبة والوئام بين الناس ، بل وبين العبد وربه فان الانسان عندما يشعر بقرصة الجوع وشدة الظمأ يحصل له الذلة والانكسار وعندئذ يشعر بحاجته لمولاه ، فيتواضع لبارئه الذى خلقه وسواه، ويطرح رداء الكبر والعظمة فانهما من صفات الله جل جلاله حيث يقول محدثا عن نفسه جل وعلا : (( الكبرياء ردائى والعظمة ازارى فمن نازعنى فيهما قصمته ولا أبالى )) (٣) .

واذا ما ترك العبد هذا لمولاه شعر بأنه محتاج لسواه فيعطف على الناس ويتودد اليهم . ثم هو يحس من الجوع ولوعته بحاجة الفقير الى الطعام ، ويكون الناس

وقتئذ أخوانا متحابين ويكونون كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

(( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر

والحمى )) (٤) . . قيل ليوسف الصديق :

لم تجوع وأنت على خزائن الارض حفيظ ؟ قال : أخاف أن أشبع فأنسى الجائع .

فالجوع يدفع صاحبه الى البر والاحسان وشهر رمضان هو الموسم لمن أراد الربح العظيم ، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن فاذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة . رواه البخارى عن ابن عباس .

ووجه اليه بين جوده الثر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالخير وبين جود الريح المرسلة - هو أن المراد بالريح، ريح الرحمة التى يرسلها الله تعالى لانزال الغيث العام الذى يكون سببا لاصابة الارض الميتة وغير

الميتة أى فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغنى والكفاية مما يعم الغيث الناشئة من الريح المرسلة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . كما في فتح البارى ج ٤ ص ٩٣ للحافظ ابن حجر العسقلانى .

أقول : أضف الى هذا أن الاستمرار في النعمة قد ينسي الانسان مصدر هذه النعمة فاذا ما انقطعت عنه وتذوق عض الجوع فى القر ، وكرب الظمأ فى الحر ، عندئذ يذكر النعمة ويقابلها بالشكر ويخلف في نفسه الوازع الذى يحببه في الطاعات ، ويحول بينه وبين المنكرات .

والصوم هو الوسيلة العظمى في تربية ملكة الصبر واحتمال المكاره ، والصبر ملاك الفضائل .

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى

      فما انقادت الآمال الا لصابر

فهو السلاح الذى يكافح به الانسان ويجاهد حتى يظفر بمناه ، في دنياه وأخراه .

وفي الحديث : (( الصبر نصف الإيمان )) رواه أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في التاريخ عن ابن مسعود باسناد حسن . .

المراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين اذ اليقين معرفة أن المعصية ضارة والطاعة نافعة . ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة الا بالصبر وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل فكان الصبر نصف الايمان بهذا الاعتبار . ووصى به

القرآن الكريم وذكر في التنزيل أكثر من سبعين مرة ، وحسبك من ذلك قول الله في شأنه : ( انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ( الزمر - ١٠ ) .

والصوم يعودك الحلم وسعة الصدر فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول :    (( اذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فان جهل عليه أحد فليقل انى صائم )) .

فالصائم من شأنه أن يبتعد عن اللغو والفحش في القول ، فان اعتدى عليه معتد فيقابل هذا الاعتداء بسعة الصدر والخلق الجميل ويذكر نفسه بأنه صائم حتى لا يجهل كما جهل عليه غيره ، ويقول : انى امرؤ صائم في وجه من اعتدى عليه حتى يذكره بالصوم وشأن الصائم أن يتعفف عن ذلك القول الفاحش .

ومن حق الصائم أن يكف جوارحه عن جميع الأثام حتى يكون صومه مقبولا ، فيغض البصر عما حرمه الله ويكف اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والخصومة والجفاء وما الى ذلك ، والسمع عن الاصغاء الى ما هو محرم ، وناهيك بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :

(( لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) رواه أحمد والبخارى وابن ماجه عن أبى هريرة . . وفي رواية للطبرانى في الاوسط بلفظ : (( من لم يدع الخيانة والكذب الخ)) .

والمراد بقول الزور ، الكذب والجهل والسفه والعمل به أي بمقتضاه . ومعنى ذلك ان صومه غير مقبول لأنه بتركه الطعام والشراب أتى بجسم الصوم ، وبفعله المحرم أذهب روحه . والصوم بلا روح غير مقبول كجسم بلا روح فهو غير موجود ، والغاية من العبادة روحها انظر الى قوله تعالى : (( يا آيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) ( البقرة - ١٨٣ ) فالغاية من فرضية الصوم هى تقوى الله لا مجرد ترك الاكل والشرب، وقال عليه الصلاة والسلام: (( انما الصوم جنة ، فاذا كان يوم صوم أحدكم لا يجهل ولا يرفت فان امرء قاتله أو شاتمه فليقل انى صائم )) رواه البخارى والنسائى ومسلم ومالك عن أبى هريرة بالفاظ مختلفة . . جنة : - بضم الجيم - أى وقاية للجسم والروح من العلل والشرور .

وقد اختار الله هذا الشهر : رمضان للصوم مع أن عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا لأنه عند الله طيب مبارك . وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان ونزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام وهو يتعبد في غار حراء في هذا الشهر ، فهو شهر مبارك حيث ابتدأت فيه دعوة الرسول صلى الله عليه وآله

وسلم الى الحق لاتباع الحق وظهر نور الاسلام في طول البلاد ، ورفع لواء الحمد : ( شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) ( البقرة - ١٨٤ ) وأيضا نزلت فيه جميع الكتب المقدسة . . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( نزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان ، ونزلت التوراة على موسى لست مضين منه ، والقرآن لأربع وعشرين )) رواه ابن زنجويه وابن خالويه عن ابن عباس باسناد حسن .

وفي هذا الشهر ليلة القدر (( وما أدراك ما ليلة القدر )) ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر )) .

فهو شهر عظيم عندالله ، وجدير بخلق الله أن يعظموا ما عظمه الله . وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

اشترك في نشرتنا البريدية