أقبل رمضان(1) بصيامه وطعامه (2) وصلاته وصالاته (3) . أضيئت مصابيح " تحت السور " ( 4 ) حتى أمسى كـ( منمرتر ) باريس ، أو ( برودواى ) نيويورك أو ( عماد الدين ) (5) لقاهرة ، واحتفلت الناس بالصيف وملابس الصيف البيضاء النيرة وبرمضان وليله . وجلست بين الناس منقبض النفس ضائع النظرة أفتش عن ... من أعلم أنى لا اجده فى تونس ، ووجدت أنى فقدت بفقدانه موسيقى عذبة كانت ترقص على نغماتها نفسى. ولقد فقدت
تحت السور أيضا أعلى أعمدة البوهيمية ( 6 ) بفقده . فلقد سافر رفيقنا ( أنا و " تحت السور " ) الاخ محمد العريبى ( 7 ) ( زاده الله حبا للمحازفة ) الى الجنوب الغربى من إفريقيا ( 8 ) .
تعارفنا منذ ما ينيف على العشر سنين كنا فيها نتلاقى حينا ونفترق حينا . ولكننا كنا نجتمع كل ليالى رمضان مهما بعدت بنا الدار . وكنا نحييها صاخبة ضاحكة عابدة بطوافنا على الجوامع والنوادى وصالات الطرب أو فى النوادى الخاصة التى كنا ننشيها لسهرات رمضان فلقد أنشأنا نادى ( السبعة ) ( 9 ) سنة 1937 . وكان يضم نادينا جماعة من أهل الفن والشعر والصحافة برئاسة الأستاذين العروى وبيرم ، وكانت سهرات لا ينقصها الا تخليد ما كان يدور
بيننا فى سمرنا من أدب وفكاهة وفن ، ولو كان ذلك لملأ عدة مجلدات ( 10 )
وكان النادى فى سنة 1938 يدعى ( بنادى المجانين ) . وكان ملتقى المصورين والمطربين والمطربات والعازفين والعازفات من المؤمنين والاسرائيليات ( 11 ) ؛ وكانت النكت تقال وتصور على الجدران بريشات الغرائرى وابن عبد الله و العبد لله ( وهو غير ابن عبد الله ) وغيرنا من أهل الفن والجنون . وكانت ( سعة الجيب ) تدفعنا الى تقديم الباقات الزاهرة لعضواتنا اللطيفة . وكان ( الاملاق ) أحيانا يدفعنا الى الاكتتاب بيننا لتسديد كراء النادى وهو أداء " ثقيل " كما قيل " اقتله يصبح حيا " ( 12 ) وبالرغم عن هذا كنا نلهو ونضحك ونعبث ونطرب ( 13 ) ( وما فى طلب اللهو على الفتيان من عار ) ( 14 ) وكنا ليلة نمد الموائد عليها المرطبات ، والشموع والازهار ؛ وفى ليلة أخرى كنا نتشارك جميعا فى كأس قهوة واحد .
ولو رأيتنا فى الليلتين لرأيت أنه لم يتغير ما بأنفسنا من نشاط ومرح ( 15 ) وكان الرفيق الذى فقدته الليلة هو قطب دائرتنا فى كل حالة ، فى اليسر والعسر ، بما فى نفسه من قوة وبما فى أنفسنا من فتوة وبما فى رؤوسنا من " قصور فى الأندلس " ( 16 ) .
وما زلت أذكر ليالى ( الفلسفة ) ( 17 ) حينما كنا نقف ( أنا وهو ) أمام بائع تذاكر ( صالة الجزائر ) ( 18 ) ونرسل الى المطربة نعلمها أن " الشعراء بالباب " ( 19 ) فتبتسم ابتسامة بلقيس أو الزبيدة امرأة هارون ، وترسل من يدخلنا مبجلين مكرمين حتى مقاعد الدرجة الممتازة وتحيينا ممنونة ويحييها كل منا بــ ( طقطوقة ) (20) .
وكنا فى وقت ما نستعمل أغانينا أكثر مما نستعمل أوراق " البنكنوت " ( 21 ) ( حذوها الورقة بالورقة ) ، أما صاحب الصالة فانه تعلم من مطربته ابتسامتها " البلقيسية الزبيدية " وصار يرحب بمقدمنا اذا أتينا معا . والعجيب أنه لا يعرفنا الا اذا أتينا معا (22) ! .
ثم أتى الدهر على الجماعة فانفض عقدهم فتزوج أحدهم واصبح مثالا أعلى للحياة الزوجية ، ورحل آخر الى مسقط رأسه ولم يبق الا أنا وهو والغرايرى والشطى وابن عبد الله والدبابي ، فتركنا سهرات النادى وسمره الى أرصفة المقاهى نضحك ونمزح من الغوغاء ومعها .
وقد علق فى ذهنى من نكات ( 23 ) سمرنا أننا كنا ليلة فى احدى صالونات ( الحلفوين ) ، وكان ذلك فى رمضان السنة التى أعقبت اعلان الحرب ( 24 ) . وكنا حديثي العهد بالعلامات والاصطلاحات ( الدفاع السلبى ) ، وكان للمطرب صوت أجش رقيق فما رفع عقيرته بالآهة ( 25 ) حتى تشنجت عضلات وجه العريبى واصفر وجهه وصاح متصنعا الخوف : الخطر ! الخطر ! فقمنا كرجل واحد ، هذا يفرك أصداغه وذاك يربت على ظهر يده و الغرايرى يرشه بالماء ، واذا بالمغنى يعقب آهته الطويلة باهات قصيرة متقطعة ، فما كان من ابن عبد الله الا أن أبعدنا عن المغمى عليه وقال له : " لا تخش خطرا ، هو ذا الخطر قد انتهى ، اسمع ! " وكان أحسن تمرين على سماع بوق الخطر .
ومن نكات الحرب : كنا ليلة أخرى فى نفس الصالة وكان لاحدنا ولع شديد ( بالكحة ) كلما سمع من المطربة نغمة تطرب وكان أمامنا كؤوس التاى اللذيذة فما كح الرفيق ( كحة استحسانية ) مرات حتى وضع أحدنا - ولا أدرى من هو الآن ، ولعله أنا - يده على كأسه خوف وقوع . . . ما لا تحمد عقباه ، وصاح : حذار يا صاح ، واعتبر كأسى هذا بلدة مفتوحة . . . وضحكنا من النكتة وما زلت أضحك منها الى الآن .
وكنا فى نفس الصالة فى ليلة أخرى وفيما نحن ندخن السفائر التكرورية ( وهي شائعة التدخين فى شهر الصيام ) واذا برجل وامرأة سافرة قدما نحونا وجلسا فى نفس اللوج الذي كنا فيه ، وكان الرجل نبيلا اسبانيا ثريا ، وكانت التى معه من أجمل وألطف مخلوقات الله . وألفت نظرهما ما كنا ندخنه ، وسألنا الرجل عنه وتصدى الاخ الغرايرى للجواب وأعطى المخلوقة الجميلة أحسن تقرير عن أحسن " كيف " ( 26 ) ، ودار الحديث بيننا فاذا الجارية ( م . س . ت ) ممثلة سينمائية من الدرجة الاولى ( والعهدة هنا على رفيقها الدوق كرلوس الكونت سوزناكا شوفاليي دى مايوركا أى بايوركا أى قوادى تليبوستا ) ( 27 ) ورأى العريبى أن " زطلته " يعوزها قبلة من وجنة هذه " الارتيست " ( 28 ) الجميلة وعلى مرآى من صديقها النبيل ، والنبيل كثيرا ، فوقف يشرح لهما ( رد فعل ) هذا الكيف ، فقال : هو أحسن ما يؤخذ لاراحة البال والقلب ، يزيح الاتعاب من إهابنا ، ويخدر ( الخنزير الذى يرقد بين أضلع كل رجل ) ، الا أنه . . . له رد فعل ... سئ أحيانا .
وهنا أوقد الاستطلاع عينيها الزرقاوين وسألته عن رد الفعل هذا ؟ فأجاب أنه يدفع مدخنيه الى تقبيل أجواره . . . وجاراته ، بما يخلفه فى نفوسنا من حب للانسانية وجمال الانسانية ، فما كان من هذه " الانسانة " الا أن ابتسمت ابتسامة تقول : " ان الشرط هين " .
وبالفعل ما قدم لها ثلاثة غلايين حتى وقف وتقدم نحوها بشفتيه مضمومتين ممطوطتين قائلا : " لك الشرف آنستى " . . . . وهكذا اشترى قبلتها بثمن باهض الا وهو تحمله تقبيلنا نحن بعدها وتقبيل رفيقها الذى أبهتته الحوادث بتطورها السريع ( 29 ) .
هذا هو العريبى الذى فقدته هذه السنة ، فكان رمضانى جمادى وذا القعدة ( 30 ) ولا شك أنه افتقدنا وافتقد رمضاننا ، ولا أظن أن رمضان تونس بشابه فى شىء رمضانه فى برازافيل ، الا فى طول يوم الصيام الذى يشابه بدوره هذه السنة طول الأخ العريبى .
فالى السنة المقبلة ، والى رمضان السنة المقبلة ، ولا إخاله يصبر عن تونس وعن رمضان تونس ، ولا إخاله الا راجعا (31) .

