بعد أن عرف الكاتب بجوانب حياة سعيد أبى بكر وبآثاره تطرق الى البحث فى أهم مقومات أدبه مبرزا خاصة غربة هذا الشاعر . وها هو يواصل تحليل هذه الفكرة .
وحيرة سعيد أبى بكر ) * ( بادية فى تساؤله ايضا عن المصير ما عساه يكون ؟ وانه اذ يجهر بذلك فى عديد من زهراته وقصائده ليعبر عن حيرة جيل كامل من التونسيين الايقاظ فى عصره المتأرجحين بين يأس وأمل المتشوقين الى غد مشرق يتكسر فيه كل قيد . غير ان سعيدا أبا بكر وجيله كانوا لا يتبينون بوضوح - قبل بعث الحزب الحر الدستورى الجديد فى مؤتمر قصر هلال التاريخي - سبل الخلاص من هيمنة دولة دخيلة قابضة عليهم بيد من حديد
وذلك كان يزيد فى قساوة الحيرة وألم القلق . وانك لتجد نظرة سعيد أبى بكر السوداوية الى واقعه ومصيره المرتبط بمصير شعبه المعذب فى وطنه فى قصيد اخر بعنوان " الغصن المجرد " ) السعيديات ص 64-65 ( نسجه الشاعر على منوال " النهر المتجمد " لميخائيل نعيمة . فالغصن الكئيب المجرد من اوراقه فى الشتاء هو كالمرآة يرى عليه الشاعر صورة عيشته التى قد عافها ولكنه يسليه عن عرائه بقرب مجئ ربيع يحبوه ثوبا قشيبا من زهوره ويندب الشاعر ايام شتائه الدائم . ومطلع القصيد هو التالي :
" يا غصن كم غنت عليك بلابل الروض الجميل
من نغمة فيها ارتياح للمتيم والعليل "
وفي موشح عذب التوقيع بعنوان " بين أمسى ويومى " ) السعيديات ص 73 ) يناجي الشاعر حبيبته فى اطار طبيعة جميلة غشى الليل بظلامه جمالها ويذكره هذا المنظر ماضى اسلافه فى أزهى عصورهم وحاضره الا ظلم الكالح حاضر شعبه فى الثلث الاول لهذا القرن
وألم سعيد أبى بكر حلو وتشاؤه فى هذه الاشعار مقبول لان غايته تحريك
السواكن لا تخدير الرقدة ، وهو تشاؤم يخلق الحيرة فى نفوس الخاملين من بني وطنه ، ومع الحيرة يستيقظ الضمير ويكون الوعى . فليس تشاؤمه اذن انصياعا الى اليأس والقنوط وكفرا بالقوة وارادة الحياة . الا ترى ان الشاعر يجهر في موشحه " أفق الرزايا " بأن فى شقوته سعده ، فاذا توالت على شعبه مصائب الزمان فانها تبعث الوعى الجماعى فيه وتقطع سفر ليله الطويل
ولم يفقد الشاعر يوما الرجاء فى خلاص أمته من القيد ولا أدل على ذلك من استهلاله " سعيدياته " بمناجاة " الامل " الذي ينعش اليائس وينقذ المتيم ويخفف المصاب عن المعذب ويبدد الحزن عن المآتم ويملأ المحافل مرحا . وفي القسم الثاني من هذا القصيد يتوسل سعيد أبو بكر الى الامل ان يعير التفاتة خاصة الى التونسى المناضل وينعش روحه ويحاذر ان يترك الفشل يقوى عليه . فاسمعه معي يناجيه :
سد ما استطعت على ابن آدم يا أمل انت الحياة وانت ما فيها أجل
كم يائس انعشت فيه حياته وجعلته يرنو اليك بلا مقل
ومتيم انقذته من خطوة كادت تسير به الى الخطب الجلل
ومحاصر فى ارضه لولاك ما اسطاع الوقوف امام أطماع الدول
خل المتيم والاسيف وخل من قد ضاق ذرعا او توجع واندمل
واحفل بمنكود السياسة انه أولى وحاذر ان ترى فيه الفشل
هو المكبل لا حديد بئساقه الـ ـمشلول ليس بكفه بعض الشلل
هو الذبيحة بالحرير تقطعت اوداجه كي يستعد الى الاجل
هى السياسة وهو تحت قيودها فاجعله يرنو للسعادة يا أمل .
وافرد الشاعر للامل قصيدا آخر بعنوان " الحياة امان " وتغنى به فى غير ما موضع من " سعيدياته " وترنم بكفاح التونسى الثائر وبثباته فى النضال كما فى " انشودة الدستورى " التى بعثت فى المناضلين العزم فاسمعها تعرب لك عن تمسكه بارادة الحياة
انزل الاوصاب يا أفق الاذى ان ما انزلته لم يكفني
واجعلي يا ارض ما اقتاته منك سما اننى لا أنثنى
انا ) دستورى ( وما لاقيته من ضروب العسف لا يرجعني
ايقنت الان ان قلق سعيد أبى بكر ليس سلبيا مفضيا الى الدعة والسكون وانما هو قلق يعرفه من يتحمل المسؤولية ويحس بانه شرط لازم لعمله .
واذا تعمقت في تعليل هذا القلق الوجودى عند سعيد أبى بكر تبينت انه يعبر عن صدمة ادراك الشاعر جمود شعبه وضعفه ورقي المستعمر وقوته والهوة الفاصلة بين المشارقة والغربيين بعامة ، انه قلق اديب ومفكر يقظ
بجد نفسه امام فراغ مهول ، فلا ينطوى على نفسه بل يثور ويتحرك ويفكر فى وسائل انقاذ شعبه من ذل التبعية وتوفير الكفاية لامة ركدت طوال قرون الظلام فوهن منها العظم بعد الغضارة واعتراها اليبس الفكرى وفاتتها السيطرة على المادة ثم داهمها الاستعمار وغلبها على أمرها .
ومن هنا تفهم سر اتجاه سعيد أبى بكر الى دعوة الاصلاح وحرصه على محاربة الاستبداد والبدع والاسراف وتغيير الاوضاع المتعفنة والتحلي بمكارم الاخلاق وخدمة العلم والادب والعطف على الضعفاء المنكوبين وترقية المرأة كما فى قصائده التى تحمل العناوين التالية " المرأة والاخلاق" :
و " حجور الامهات " و " فى سبيل العلم " و " البدع والاسراف " و " ليلة فى اصطبل " . وفي هذا القصيد الاخير تدرك فرط حساسية سعيد أبى بكر وتفطر قلبه لمشهد البؤس والشقاء فى مجتمع عصره ، ولاغرو ان يعطف الغريب على الغريب . انه يحكى لك فى شعر يساوقه نغم حلو وتسرى فيه كآبة ذائبة قصة احد العراة المساكين التجأ فى ليلة شتاء باردة الى اصطبل حيث ساد الهناء والولئام بين سكانه البهائم فكسر بابه واتخذه مأوى ووجد فيه الدفء بعد ان لفظته دور البشر ودكاكينهم . وهاك نفثات من هذه المطولة الرائعة :
ماذا سيصنع ذلك العارى وقد جاء الشتآ
والويل من ذاك المعاند للقل اذا أتى
هو المتوج بالعرآ
والدهر يعبث بالمجندل ناطقا أو صامتا
جن الظلام وأشهر البرق المخيف سيوفه
والرعد يقرأ وهو يتلو فى الظلام حتوفه
والثلج يفترش الثرى
والريح يلسع وجهه حتى يضاعف خوفه
ام المنازل والمنازل أوصدت أبوابها
والناس لا تدرى التعاسة لا ولا أسبابها
لا رحمة منهم ترى
للعاجزين اذا الدواهى أظهرت انيابها
طاف المدينة والدموع تطوف فى أجفانه
ذو الدار يطرده وذو الدكان من دكانه
أقبح بذلك منظرا
يدمي القلوب بيانه فاسكت على تبيانه
اما وقد أمسى الركود لصبره لا يحتمل
أرخي العنان لنفسه كي يستفيد من الحيل
هذا لعمرك ما جرى
والسوط يعمل فى نفوس لم تحركها القبل
شد الرحال الى زقاق طالما فيه انزوى
مد اليدين مكسرا بابا رأى فيه الدوآ
مد اليدين مكسرا
والاضطرار يسوقنا للخير والشر سوا
واجتاز بابا كان يحجزه على غاياته
وهناك خلفه كان ينعم فى لذيذ سباته
هيهات يطمع بالكرى
لو لا هموم حياته فى مستهل حياته
هو مسكن الحيوان والانغام لا تأوى له
الا ليلقى كل خل فى الظلام خليله
هذا الهناء بلا مرآ
يا حبذا لو كان فى الانسان من يرمي له
هى ليلة ما بين انعام قضاها ينتحب
ثم انثنى من بعدها يشكو ابن آدم ويسب
فاظهر اليه تحسرا
لو كنت تسمع ما يقول لقلت : يارب استجب .
ولا يفوتك وأنت تسمع او تقرأ مثل هذا القصيد ان شعور سعيد أبى بكر القوى بالغربة فى وطنه قوى فيه العطف على المساكين والمعذبين فى الارض من بني وطنه كما فى قصيده السابق
عاني هذا الاديب والايقاظ من جيله ألم الغربة لانهم كانوا معذبين فى وطنهم ، متمزقين لمرأى شعب مضطهد مطرد من أرضه ، ومن الطبيعي ان يتأثر سعيد أبو بكر الحساس بالاحداث الجسام التى سجلها التاريخ زمنئذ فى تونس المناضلة . فلقد كان من أشد الشعراء تفجعا على ضحايا الكفاح الوطني كما يشهد بذلك العديد من قصائده وبخاصة تلك التى تحمل عناوين " أنشودة الاعمى " ) ص 46 ( و " واقعة بنزرت " ) ص 75 ( و " حادث
سوق الاربعاء " ) ص 90 ( وكان الشاعر قد ابقى القصائد التاريخية المشتملة على تفاصيل حوادث دخلت فى التاريخ سواء مما وقف عليه فى الكتب او مما حضر عليه بنفسه ، الى الجزء الثاني من " السعيديات " الذى لم يطبع
أما فى " أنشودة الأعمى " فالبصير هو الشاعر نفسه الذي أغمض عينه لكى لا يبصر الهول العظيم الذي يعانيه شعبه السجين فى ارضه ، ولكن قلبه الحساس كان يدرك شدة المصاب ، وسمعه المرهف كان ينفذ اليه أنين المعذبين فتتصاعد زفراته حرى ويصيح بالنائمين الخادرين ان استيقظوا وافتحوا عيونكم لتروا ما يجرى حولكم من تعسف استعمارى يسلط على الاحرار الايقاظ . واليك عينات من " أنشودة الأعمى " :
قلبوا الطرف اطلاعا أبصروا نقطة المرمي
وانظروا هولا عظيما واذكروا انني الاعمى
رددوا ابصاركم فى كل ما حولكم يجرى
حيث عين الكون ممزوجا دما دمعها يجرى
واجعلوا النوح اليكم بلسما ان يكن يبرى
كل يوم اسمع النوح الخفي بين أجوارى
حيث حل ( العون ( فى النهج وفي ساحة الدار
يتبع الحر اليها يقتفى بعض آثار
فامسحوا دمع عظيم ينهر وابنـــة تدمــى
وانظروا هتكا وفتكا واذكروا أنني الاعمــى
ان صوت الشعب فى عبرته يوقف العابر
طمس الاعداء فى كربته مجده الغابر
و ( الغريب ) اليوم فى غربته عـقـرب آبــر
خبرونى كم ابي قهروا فانحنى حتما
وانظروا ظلما وجورا واذكروا اننى الاعمى
هل رأيتم عامل الارض سلا ارضه يمشى
اهمل الثور والقى المنجلا جانب الرفش
ناجيا والحر لا يغضب على ضيقة العيش
اشرفوا عن ارضه كى تبصروا بعده الخصما
وانظروا الغرب فيها واذكروا اننى الأعمى
واما قصيدته بعنوان " واقعة بنزرت " فقد قالها اثر الحادثة الدامية لليوم الحادى عشر من سبتمبر سنة 1924 بسبب اعتصاب وتظاهر عمال ميناء بنزرت تضامنا مع اخوانهم عمال ميناء العاصمة الذين كانوا يأتمرون بأوامر محمد على رائد الحركة العمالية ذات الاهداف السياسية بتونس . ويومئذ تدخل الجند والبوليس في بنزرت لارغام العملة على استئناف عملهم وحدث اصطدام بين الفريقين أريقت أثناءه دماء الابرياء وجندل بالرصاص عاملان هما الشهيدان يوسف بن على والعربى الكومى فتأثر التونسيون بتلك الفاجعة . وشعراؤهم كانوا أشد انفعالا منهم بالحادثة الدامية التى ألهمت شاعر الشعب سعيدا أبا بكر صادق الشعر ، فتبين قرابة بينها وبين حادثة الزلاج سنة 1911 وصورها نصويرا قصصيا بديعا بشعر مؤثر محرك سواكن النفوس نافذ الى اعماقها
جد ايحائى ، ممكن قارئه وسامعه من تصور ما جرى ببنزرت يومئذ . وقد فتحت الصحافة الوطنية أعمدتها لتلك القصيدة وعنها قالت جريدة " لسان الشعب " يوم غرة اكتوبر سنة 1924 : " انها تمثل الفكرة الاشتراكية في الشعر والدفاع عن حقوق العمال والاشفاق عليهم " فاسمع معى هذه الملحمة التونسية الرائعة :
كفى الشعب عسفا ما يلاقي من القهر وجبنا لدى الشكوى التحاشي من الجهر
صبرنا على مس الاذى لجسومنا ومذ أدرك الارواح ملنا عن الصبر
ولما درينا الواجب اليوم ظننا بنو الغرب ذاك الواجب اليوم لاندرى
رمينا بسهم في الحياة وانما رأيناه مرشوقا لديهم على الصدر
فقاموا قيام الناقمين وزمجروا وصبوا علينا وابل الرعب والزجر
فشعشع فى افق السياسية كوكب ببنزرت باق للشقا خالد الذكر
نرى حادث الزلاج فيه مجسما ونهر دماء الابرياء به يجرى
وقد فاتنا انا نشاهد بعده نظيرا وان الدهر أشبه بالدهر
الى أن تعاصى القوت عن كل عامل بأطفاله كم أنشب الجوع من ظفر
تراهم اذا حلوا المآزر هيكلا تداعت به الاركان للوقع والخر
يمدون كفا أيبس الفاس رطبها الى الاجر لكن لا سبيل الى الاجر
لذا اعتصبوا والاعتصاب مطية الى الحق لا تدرى التباطؤ فى السير
فأرعد رأس المال واشتد غيظه وأصبح فى ثوب من العجب والكبر
والقى لإذان الحكومة أمره واني لها الاغضاء عن ذلك الامر
فالقت يد الفولاذ عنهم وسولت لها نفسها اخضاعهم بيد الجبر
وأملت على من يحفظ الامن عادة بتذليلهم فاهتز من شدة البشر
وسرعان ما كان الركاب مهيأ وسرعان ما أم البلاد على الفور
هناك رأي ان الهدوء مخيم عليها ولكن ظنه شدة الذعر
فحاول ان ينهى الخلاف مسيطرا عليهم فلم يظفر بمنشوده النصر
فأعمل فيهم طيشه باشارة لاعوانه كانت مجالب للشر
فلم يلبثوا ان أشعلوا النار رغم ما رأوا من جنوح ) الاشقياء ( الى الفر
وكانت رحى حرب تدور وانما عليهم وكان الامر من افظع الامر
وقد مزقت أجسامهم ببنادق أعدت لهم من دون ذنب ولا وزر
وقد جندلوا فوق البسيطة بعضهم جريح وبعض قد أصابوه بالكسر
واخر مغلول اليدين مصيره الى السجن مرفوعا بسلسلة الجر
يصيحون لكن ليس يجدى صياحهم ويستنجدون القوم والقلب من صخر
ومن بينهم من أنزع الروح تاركا صغارا له لا ينقصون على عشر
أكبوا عليه ينظرون كلومه وقد ادركت شبرا واكثر من شبر
ونادوا ولكن لم يجبهم فأنزلوا على جسمه دمعا أصاغوه من طهر
وقالوا : أبانا : من لساعة عسرنا وانت الذى نلقاك فى ساعة العسر
عهدناك ذا حرص علينا تضمنا اليك وايات السرور على الثغر
وها نحن نمشى خلفك اليوم عند ما رأينا على الايدى ركوبك للقبر
وفي كل قلب من مصابك حرقة وفي صفحة التاريخ سطر على سطر
أنشكو ؟ الى من ؟ أم نمد أكفنا اوطاننا ذلا الى الحنظل المر ؟
ومن كدنا تبني القصور لسادة أوامرهم : لا تقربوا ساحة القصر
ألم يعلموا انا نظرنا إلى الثرى كثيرا وانا ننظر اليوم للبدر ؟
وأن الألى بالامس كانوا عبيدهم قد انقلبوا للشهم فى صورة الحر
ألا فليكونوا كيف شاؤوا فاننا عرفنا سبيل الويل من سبل الخير
فلا النار تثنينا ولا الجمر صالح لاخماد نار ان اضافوه للجمر
ويكفى الى جلب النفوس وثوقها بمستقبل بين الرياحين والزهر
واما قصيدته " حادث سوق الاربعاء " فانك تجد فيها تعليلا اخر لغربة سعيد أبى بكر والواعين من جيله المتمزقين تمزقا أليما امام الهوة التى تفصلهم عن وطنهم اذ تصور لك اسلوبا من اساليب التعسف العديدة التى كان يعانيها التونسيون الذين ازيحوا عن اراضيهم . أجل لما رسخت اقدام المعمرين فى الاراضى التونسية الخصبة لم يكفهم استنزاف خيراتها بل راحوا يسومون ممتلكيها الاصليين الذين انقلبوا أجراء وصاروا غرباء فيها الخسف ويذيقونهم من الوان العذاب ما لا يخطر ببال احد
وهذا احدهم ، وهو المسمى " هانرى دومانيفال " المعمر بجهة سوق الاربعاء ، قد تعمد شنق اثنين من اجرائه المعذبين فى مزرعته ، وهما رمضان بن عمار بن خميس العمدوني وعلى بن بلخير الدريدى لانهما اخذا عنقودين من عنبه يوم العيد الاسلامي الموافق للثالث من اوت سنة 1922 . وتفنن المعمر
الطاغية فى الانتقام منهما بربط ايديهما وراء ظهريهما وتعليقهما عدة ساعات فى الهاجرة بعد ان اشبعهما ضربا وجعل فى شعر رأسيهما كمية ثقيلة من العنب والتفاح ومنع عنهما الماء . ولما نشرت القضية لدى المجلس الجنائي الفرنسى يوم 7 فيفرى سنة 1923 صدر الحكم على المعمر الجلاد بالسجن لمدة ثمانية اشهر غير انه أسعف بالتأجيل والزم بأداء غرامة مالية ضعيفة الى المعتدى عليهما اللذين دخلا المستشفى ولم يغادراه الا بعد ان بتر الجراح يدا لكل
واحد منهما . واثر هذا الحادث في سعيد أبى بكر وآلمه فالتهبت نار ثورته وغدته على اخوين له فى الانسانية والوطن ، فقال قصيدته المستهلة بقوله
أيها العائش فى هذى البلاد تظهر الدرس الى هذى العباد
ان عهدى فيك أقبلت الى ارضنا ترمي الى بث الرشاد
جئت تلقي درسك العالي على أمة تبدى لها رأى السداد
ثم تخلص الشاعر بعد أبيات أخرى تمهيدية الى تقريع المعمر الطاغية وتصويرها حادثة الشنق الفظيعة وتأنيب مواطنيه على استكانتهم وحثهم على اليقظة .
وكان سعيد أبو بكر الناطق بلسان اليقظين يقاسى قساوة الحيرة لان نداء الشباب اليقظ الصاخب بإرادة الحياة ما كان يجد صدى عميقا فى الجماهير الشعيبة التى لم يكن يجتاحها اذاك الوعى الجماعى وكانت تتترقب قائدا عبقريا يحل عقالها وينقذها من كبوتها . ومن هنا يتجلى لك ان شعر سعيد أبي بكر يبشر عصرئذ يقرب ظهور حركة وطنية جديدة تخرج بالقضية لتونسية من الوحل وتسلك طرقا جريئة لتوعية الجماهير وهى حركة الدستور الحديد التى أيدها سعيد فور انبعاثها
ودونك عينة من شعره دالة على عدم وجود الوعى الجماعى فى تونس فى الثلث الاول لهذا القرن رغم وجود فئة حية من الشباب المتحمس لبلاده المدرك لخطورة الموقف
أتيت بقنديلي وأظهرت نوره الى كل من يشكو الى ظلاما
فأغمض كل عينه وتحولوا وقالوا علام الانتباه علاما
فأطفات قنديلي وأبقيت عندهم ثباتى الى يوم أعيد الكلاما
ومثل ذلك الشعر المعبر عن حيرة الشاعر المتألم لغربته فى أمة خاملة عصرئذ مما لا يحصى كثرة فى " سعيدياته " . ففي قصيدة بعنوان " خطوة أولى " يتفطر قلبه ألما لخمود الشعب واستكانته رغم ما يعانيه من محن ويندبه فى سيره الى الرمس ويعبر عن غربته بين قوم يعز عليه ان يراهم متدرجين نحو الفناء الذاتي وهم ساكنون وعصرئذ كان التجنيس يهدد كيانهم
وحسرة سعيد على شعبه المنزلق الى هوة الفناء الذاتى وهو لا ينتفض ولا يواجه الكارثة ، قد عبر عنها ايضا فى قصيد بعنوان " اقتلوني " مهموس الالم عذب التوقيع متحرر من قيود الشعر العتين ، وسعيد لم يدرس الاوزان والقوافى وانما عوض ذلك بأذن موسيقية ، فردد معي لحظة نفثاته :
اجلسوني وانظروني
تحت أوراق الربيع اليانعة
واذا كنت أسيفا فاسألوني
واعذروني
ان عرفتم خبرى
ما لروحى تحت دوحي
راحة عنها سهاما مانعه
ثم هل تضمد بعضا من جروحى
أو قروحى
روضة فى نظرى
لست انسي حين أمسى
الشعب ميتا ما الايادى صانعة
فهى قد شدت الى الامة فأسا
حل رمسا
لابتلاع البشر
فى صباحي أو رواحي
لا أرى الا ذئابا جائعة
ينتهى منها الى الهم ارتياحي
وانشراحي
ينتهى للكدر
ما احتيالي بين آلي
انهم ليسوا أساة الفاجعه
انما هم بعض أسباب اعتلالى
واشتغالي
في دواهى سهرى
لو اردنا واتحدنا
واستوينا تحت ظل الجامعه
لانتقينا ثمرا منه استفدنا
وأفدنا
مغرما بالثمر
فاسمعون واتبعوني
ليس تجدينا العيون الدامعه
واحسبوا اني ظلوم . . طالبوني
واقتلوني
ان رأيتم ضجرى
ولبس سعيد أبو بكر هو الشاعر الوحيد الذى كان يقاسي زمنئذ قساوة الحيرة وألم الغربة لفتور الوعى الجماعى او انعادمه فى المجتمع التونسي المتناقض الاوضاع فى مطلع هذا القرن ، فثمت الى جانبه شاعرنا الوطني أبو القاسم الشابي والاديب المناضل الطاهر الحداد اللذان تألما من تلك الحالة كما تشهد بذلك قطعة للشابي بكى فيها " تونس الجميلة " وقصيدة
للحداد بعنوان " بين مارق وخادر " ويعني بذلك ان تونس فى عصره ضائعة بين مارقين وهم الخونة أذناب الاستعمار الذين باعوا ذمة بلادهم بالقليل او الكثير واعانوا العدو على تطبيق سياسة الادماج والفرنسة باتخاذهم جنسيته ، وبين خادرين جامدين قابعين فى ظلمات الجهل منقادين الى الفقر متعودين حمل العسف وتنكيس الرأس . وانك لتجد فى قصيد " بين مارق وخادر " نفثات ضمير حساس وزفرات وطني محب وطنه متفان فى هواه متألم
لرؤية شعب يقاد الى الفناء - وهو عضو منه - ووطن يتدرج به نحو الالحاق بفرنسا بواسطة التجنيس . وانك لتسمعه يرسل صيحات يأس تتخللها بروق أمل ، اذ يهيب بشعبه ان يستفيق من نومه الطويل ويحطم قيود الذل ويعيد ما اندثر من مجد تليد . وهذا الاديب الحازم والمفكر المناضل عاش غريبا فى مجتمع عصره ومات غريبا ايضا كسعيد أبى بكر ، وهاك مطلع قصيده :
اتونس عندى فى هواك تولع وانت مني نفسي عليك تقطع
نسيت بك الدنيا وعيشي وراحتى اريد لك الحسنى وخصمك يمنع
وفيه يقول مخاطبا تونس الجميلة :
ظللت تعانين الحياة مريرة تزيد بك البلوى وقومك هجع
اضاعوك واستخدموا لسلطة معشر لنزف دماء الواهنين تجمعوا
شبابك موؤود ومحدك آفل ومالك منهوب وحقك ضائع
تنادين لكن من تنادين خادر يمر بعينيه الخيال فيجزع
تعود حمل العسف والمقت والعنا ينام كخالي البال وهو مروع
يقاد إلى جهل وفقر وذلة ومحنة تجنيس تليها فجائع
يذكر بالحسنى فيفضى مخافة ويبعث فى شر فيأتيه يهرع
لقد مات هذا الشعب واغتيل عزة فأصبح للارزاء فيه تولع
شقينا وما نلنا لتونس حومة فنيا لابناء توانوا وضيعوا
رضينا لها بالصفع وهي عليلة فكنا كعضب فى حشاها يقطع
ويحن الشاعر الى يوم ينتفض فيه الشعب ليكسر القيود ويهيب ببنى وطنه ان يستيقظوا من نومهم الطويل وان يثوروا على المستعمر البغيض وينقذوا ذاتيته :
فيا ليت شعري هل تصادف نشأة تقيم لها رأسا أميل وترفع
وتلبسها تاج الجهاد مخضبا وفيه المنى والعز والمجد لامع
أفق أيها الشعب المهان فقد أتوا اليك بتجنيس لعلك تخدع
وأيد لهم بالحس انك ما جد وان كنت فى بؤس فجنسك أرفع
ولا ترهبن فالخوف موت محقق يعم بنينا شره المتطلع
نهوضا الى المجد الذي شاد أهلنا بعزم له قلب الصفا يتصدع
نشيد به للمجد صرحا ممردا تسوخ الدرارى وهو لا يتضعضع
ويبدى سعيد أبو بكر معاصر الحداد جرأة كبيرة فى مقاومته المحاولة الاستعمارية الرامية الى الحاق تونس بفرنسا نهائيا والقضاء على الذات التونسية . فاستمع الى زهرة من زهراته :
يقولون كونوا كالجزائر انها بلاد عليها العدل مد رواقه
فأمسى لدى هذى النصحية كلنا يحرك شدقيه لينمى بصاقه
ومن وطنيات سعيد أبى بكر الرائعة قصيدة تستحق وقفة خاصة فى نهاية هذا الحديث وهي بعنوان " أنا ووطني " ) السعيديات ص 84-85 ) ففيها تغنى بجمال طبيعة وطنه وبكاه عند ما كان مداسا بأقدام الغاصبين وحرك فى التونسيين الخامدين عصرئذ ارادة الحياة ودعا المجاهدين الى الثبات فى النضال والعمل الدائب لخير الوطن ، وختم القصيدة بنغمة حزينة تموج بالحيرة ولكن تبدو من حنادسها ومضات الرجاء فى خلاص امته من القيد وبلاده من الاستعمار ، ولعل تونس عندئذ تعيره حسب تكهنه التفاتة اعتراف بالجميل وتقيم له ذكرى وتبكيه لما حباها به من حب . وهاك مقتطفات من مطولته الرائعة التى يناجى فيها وطنه وشعبه
انت لى غير الرزايا لم تجد وأنا غيرك حبا لم أرد
يارعاك الله من حي الى حبه نفسى كروحى للجسد
ما أرق الجو ما أصفي الهوا هو ما أحلاه فى قصر ومد
ايها الشعب كفاني شرفا ان تراني خادما كالمجتهد
ليس تثنى العزم منى جمعة لا ولا سبت ولا يوم أحد
كلما جولت عيني هيجت لهبا فى وسط قلبي قد وقد
حركتني وانا عندئذ لم أقف في ندب حظى عند حد
وطني ابكيك فاشهد يوم لا تنفع الاموال شيئا والولد
وها قد انقضت عشرون سنة على وفاة هذا الشاعر والصحافى المناضل وتحققت أمنيته وأمنية جيله الكبرى فتحررت تونس ولكن هذا الاديب الملتزم بقى مغمورا وادبه ظل مجهولا مبعثرا وان كان فى عصره ذائعا يسرى سيرورة كبيرة كما تشهد بذلك الصحف والمجلات التونسية انذاك
فهذا الاديب الذى كاد يطويه الدهر وينساه الناس ولم يحظ الا بمكانة ضئيلة بين شخصيات البرنامج الادبي في معاهدنا الثانوية فى نهاية المرحلة الثانية جدير بان يحتل مقام الادباء الممتازين وان يدرس دراسة علمية وان يقع تقييم نتاجه الخصب . واني ما زلت دائم التنقيب والبحث عن اثاره وارجو ان يوفقني الله يوما لكشف الغطاء عنه واخراج تراثه مدروسا للناس
من مخابئ تراكم عليها غبار الزمان فأبعثه حيا الى هذا الجيل المحتاج الى استمداد القوة من امثال هذا الاديب والمفكر الحازم كالطاهر الحداد وأبى القاسم الشابي . واني لا تساءل وانا اجهر بخواطرى الاخيرة عن غربة سعيد ابي بكر وجيله فى الثلث الاول لهذا القرن : هل صحيح ما يشاع ان تونس تنوى اقامة مهرجان احتفالا بذكرى وفاته العشرين وانها ستبكيه اعترافا بجميل بذله كما بكاها من قبل لبوقظ رقادها . أليس هو القائل ؟
وطني ابكيك لكن ربما صرت تبكيني غدا او بعد غد .
- انتهى
