أشخاص المسرحية لوط : النبي ، ابن أخي ابراهيم الخليل أسمى : ابنة لوط الكبرى ليا : زوجته راحيم : ابنته الصغرى ود : فتاة سدومية سامان : ابن يوؤاش ، سيد سدوم
بعلزبول : نبى " الفلس " ٠٠٠٠ يوؤاش : سيد سدوم ورئيس الكهنة . رسولان . كهنة . صوت ابراهيم . رجال . نساء . هواتف . أصداء أصوات الزمان : سنة 20000 ق . م . المكان : فى دائرة الاردن .
المنظر الثالث
خارج أسوار سدوم . خيام منصوبة ودواب مختلفة عند أسفل جبل . تلك هى خيام لوط وعشيرته . فى مقدمتها خيمة لوط ، وقد جلس أمامها وزوجته " ليا " وابنتيه " أسمى " - الكبرى - و راحيم " - الصغرى - مع ضيفه سامان . وقد استقبلوا بوجوههم جبلا عاليا اجرد يلف قمته ضباب شف كالطيف ... يغشى الفضاء سهوم عارم كانفاس الشتاء ثقلا ... الصبح يرتعش خفقا حييا . موسيقى دعة يمازجها خوف .
لوط
لفظتنى وابراهيم وأهلنا وعشيرتنا أرض " أور " ونجانا الرب من شر عصيب . واستقبلتنا بلاد " كنعان " ملاذ اللائذ بالشمس من النار ، وكأن الارض لم تحتملنا فدب الشجار بين رعاتى ورعاة ابراهيم . فكان أن انفصلت عنه ، فرعا عن أصله ، واخترت دائرة الاردن هذه ، كجنة الرب خصبا . وقلت : " هو ربي ورب ابراهيم قد هدانا الى هذا " . وانى لناقل خيامي وعشيرتى داخل المدينة ، فقد وهبنيها الرب ...
وان سدوم لتقوم أمامى الآن حسناء معصرا يفيض الجمال والعم والحصب من عينيها الصافيتين ... وانى لفاتح قلبها عتيا تفيض راحتى بما وهبني الرب ...
نظرات أسمى تحوم على سامان غارقة فيه ، عائمة . لكان حجب الغيب قد انزاحت ، فهو السر - سرها - قد اكتشفته . ولكن سامان منصرف إلى حديث لوط ، لم يكتشفها . . .
سامان :
مدينتنا بلا قلب يا سيدى ! لمدينتنا بطن ولسان وحسب ، وشهوة ! لمدينتنا أظافر ومخالب ! تراها فتقول : " خمر عتاق ! ويصبى قلبك وحسك الى العتق من رق واقعك ومحبطك وتغشاها كوالج جنة الرب فاتحا عزيزا . . واذا أنت الواهم العالم فى الفراغ ، ماضغ ماء ، تلوك وحدتك أينما حلت بك الرجل أو الفكر ، اذ المدينة أغر من السراب ! تراها بعين خيالك عينا حوراء تغرق فى الصحو والوضوح ، وهى الطرفاء الذابلة العبري لا سحر فيها ولا سر ! واذا قلبك يستعيد ثقته بمأساة وجوده ، كتب عليه الرق ، فلا عتق ، ولا عتاق . . ( يشير الى الجبل ) : وهذه الصور المفزعة والنظرات المتحجرة الغاتضه فى محاجرها . . وهذه الاصوات الحيوانية الغائرة فى صدور تضيق بأنفاسها . . هذه الحياة الجامدة المبتة تستقبلك ايذانا بزوال طمأنينتك الموهومة وخصب خيالك الشاطح ، تضعك أمام واقعك لتبرأ من الوهم وشاطح الخبال ٠٠
وينظر لوط الى الجبل الملتف بالضباب في فزع لاهث . فاذا برؤوس ناتئة على رقاب كالاعواد هزيلة رخوة بين حياة وموت . هم العجز من أهل سدوم قد أتى عليهم الجذام والعمى ووهن الشيخوخة . فنبذوا في أغوار الحبل وكهوفه للوحوش طعاما . ذلك قانون الفلس ربتهم . سمعوا بمقدم لوط فاقبلوا من كل غور يشهدونه . يطلقون أصواتا كالهرير أو الفحيح . . . تصاعد هزيلة غائرة فى صدورهم كالتوسل أو السب والشتم . موسيقى أمل وخوف ...
لوط :
( مشدوها ) : قد يكون الحق ما تقول . هذه الحياة الجامدة
الميتة . . ( ينتبه من شروده وتبرق فى عينيه خواطر تترجم حديث قلبه البتول ، وروحه الصافية وعزيمته الحديد الصلبة ) والامل ؟ ... ان هذه الحياة التى أرى لا تقتل الامل ، أملى في ارجاع الساربين الى المهيع ، هؤلاء الضائعين الهمح الى سواء الطريق . ساكون المخلص لهذه المدينة الضائعة التائهة ، هذه الارض الصيهد المؤتفكة الجرباء ، كما تراها ... سأخصبها حياة تدفق من قلب حى نابض ايمانا وقوة ...
سامان
أخشى أن ترى آمالك جرحا عالقا بالافق ، وراء الشفق الدامى ... فهؤلاء قوم يعبدون الاثم والشهوة آلهة . تندمج بهم وتنزل اليهم ببراءتك الطفل وطهارتك الوليد مآلا تنشئ فيه أحلامك وتزكى فيه آمالك . ولكن لعنة القوم تحيط بك وتخيل اليك . وتقوم أمامك طيفا راعبا خابلا ، حتى تضيق ذاتك قرفا فى هذه المدينة . فتفر بها فرارا طالبا نحاء ، جوسا عما يثد هجس الشر فيك واللعنة والسراب . تلوذ بالناس حصنا فاذا هم عورتك الصارخة وثوبك السائس ، وتلوذ بالآلة آحتماء فاذا بها جسدك الدائد وجمودك العفن وهروبك الى اللاشىء . فتسقط هويا لينتشلك الضياع وينتحر فكرك او ينز صديدا صدا عميقا . اذ يثور جسدك خصما عنيدا قد انه الشبق الدافق من عيني " جلسد " وبنات سدوم ، فاشتد عليك طلبا لجوجا . فتنهار انهياره او تقاوم جهدك معنى خالصا وروحا محضا يحمل الطهارة والبرء والخصب والرى ، قد انتفى عنك الوهم وكالم يطف بك طائف ، ولكن لتجدك منقسما الى أنا ثابتة أصيلتك ، وأنا " قلقة " بطغى زيفها على اصالة ذاتك ، وتشعرك بغربتك عنك وغربية أصالتك عن صفائها وروحك عن الطهارة والبراءة والخصب ... حتى تعرف أن ليس للانسان فى سدوم الا مشيئة " الفلس " و " جلسد " أو الفرار بطهارته ونقاء اصالته الى عالم الطهارة المحض والبراءة الحق ، حيث يساقط خرششاء الزيف عن ذاته ويهوى هبوية هباء .
لوط
البشر بشر يا سامان . يهمون اذا اوهمتهم وينخدعون عن أنفسهم اذا أصبت ضعفها . خذ من الناس ارجحهم عقلا وأوفرهم حكمة وأقلهم شبقا ، وأكثرهم زهدا فى نفسه والحياة وأتح له ما يحشوبه رأسه من الاوهام ، ووفر له ما يملأ به .
بطنه وجيبه وما يثير فيه غريزته ويوقظ الحيوان الهاجع فى أعماقه ، فسترى أن ذاك يغنيه عن العقل والحكمة ، وستراه يلبى نداء فطرته ، فيسعى الى الوهم بعثنقه ، ويفيض على لسانه ثرثرة ، وستراه يهوى الى اعماق غريزته ويقبل على الشهوة يمحى فيها والجسد يذوب فيه والشبق يؤمن به . تلك مأساة الانسان ياسامان . وتلك مأساة السد وميين . وساصيب من أنفسهم ضعفها فأجبره ، ومن وجودهم وهمه فأعدمه .
سامان
قد تنجح بينهم اذا طلبت فيهم سلطة مادية وحدثت منهم أجسادهم بأفواهها وبطونها . ولكنك ستحدث منهم أرواحا كفنها " الحس " وأحاطتها المادة بأغلفة وغشاوات صرتها " العادة " جدارا سميكا بينهم ومثلك . انك لتنظر اليهم فتراهم يتفاجرون وليس لهم من قوة الا بئر نزوف قد استقرت بقاعها حجارة رخوة نخرة ، يتيهون عجبا وهم الكسحاء العجز . يأتون الفاحشة اناء الليل وأطراف النهار . ويعبدون "الفلس" خرافة خلقوها واستقرت فى قلوب جوفاء خالية تفض امتلاء بوهمها . الهتهم لقمة فى بطونهم ودرهم في جيوبهم وكلمة على اللسان وشهوة تؤتى حلالا طيبا ، حتى تضطر لو كنت أحدهم لك حظ من بصيرة الى الكفر بأمك مرضعتك هواءها ومفرشتك أديمها ، وأبيك الذي تبحث عنه فى باطنك فلا تحد الا وهما نازعا ، مدعاة للسخر والانتحار ، ثلا من غرائز ورغائب قد اتحدث فيك كلا بحكم العادة واتخذتك مستقرا فأنت غير أنت غريب عنك ثقيل الظل ممتده عجيف تآكلك عثاث أهاجها القحط والجدب السنة من نار حدادا . . وانت لديهم الملحد يضطرك الحادك الى الهرب تلوذ به مخرجا لنور النهار ليكون ايمانك ابتسامة بكرا على فم طفل ، فجرا ولبدا فلقا بهارا وسحرا نضيدا . . فمن ستهدى فى سدوم ؟ القوم فى عشيه صرفتهم اليها " الفلس و جلسد صرفا . ومثلك عريب بينهم غربة الذبالة فى وهج الشمس الغامر . . . ( يدخل أحد الحرس )
الحارس :
( الى لوط ) رسولاك قد أقبلا ، يرجوان المثول لديك ...
لوط : ليأتيا ...
يلتفت سامان يمنة ، فتلتقى عيناه بعينى أسمى الوادعة الجميلة ، فيشده ، كمن يتذكر شيئا . سر قد انكشف له . وتقوم أمامه بدائع الكون . يقبل الرسولان .
الرسول الاول
:ذهبنا الى سدوم رسوليك الى سيدها . والعجب ما رأينا وما سمعنا . ما رأينا فى شوارع سدوم الضيقة الا منصرفا الى ذاته يؤتيها لذة ، أو منصرفا الى صاحبه يؤتيه شهوة من دون النساء . . . ولقد كنت وصاحبى هدف نساء سدوم يراودننا عن نفسينا ويقعن لنا فى خضوع وذل . وإذ كنا منصرفين الى غايتنا لا نأبه فقد كانت الحجارة إلى ظهرينا أسرع من خطانا . . . حتى كلاب سدوم وقططها ، تقع لبعضها فى الشارع عائمة فى بحران من الشبق الجارف : فكان ليس من موجود فى سدوم الا والجنس أسطورته والشبق والخطبيئة . وليس هذا شأن القوم وحدهم . فلقد رأينا من رئيس النار والمدينة وقومة " الفلس" ربتهم مارغبنا عن سدوم . . . لقد أملنا ان يصيبنا بين يدى سيد القوم والنار خير مما أصابنا فى المدينة ، وقلنا . " عساها تكون مرحلة النجاة والأمن " ومثلنا أمامه فى دائرة من اعضاده ، سدنة النار وقومة " الفلس" . وطالعتنا وجوه عجفى كوجه المريض النازع وأجسام هزلى اجهدها الصوم عن البراءة والطهارة ، وأعياها الشبق الغامر الغامر لها ، الدافق من عيونها ، وتكلم سيد القوم فقال إن الفلس ترحب بلوط وعشيرته وربه فى سدوم ، على أمل أن يتم ما يرغب فيه أبناء سدوم جميعا : وهو زواج مبارك بين " الفلس" ورب لوط وابراهيم ! ! . . .
لوط
( كغارق فى حلم ) لقد وهبنيها الرب ، سأفتحها . . .
المنظر الرابع
ساحة المعبد . يقوم تمثال " الفلس " نحلة سحوقا بقابلة تمثال " جلسد " عمودا من نار . قد امتلأت الساحة بالسدوميين اذ اليوم عيد " الفلس "، فى هرج أصم ، ورقص وعناق جنونى . تحوم على الساحة طيور شهباء مغبرة صافرة صفيرا منكرا . . . وأصداء وهو اتف متجاوبة فى الفضاء الاشسع كأن اليوم يوم جنازة "الفلس" يبرز من الحلبة راقصان يسترسلان فى عناق طويل .
الرجل الاول :
( يتخلص من يدى صاحبه ، ثم يستغرق فجأة فى حلم يقظة ) : يا لها ليلة مسحورة قضيتها البارحة ! ! ان جسدها لحى نابض " يفيض شهوة ودفءا ! وان عينيها لينبوعان من لذة ، يفيضان شبقا مخمورا !
الرجل الثانى : من هي ؟
الرجل الاول :
( مسترسلا ، كالحالم ) كنت ألامسها فالمس حريرا لينا ، وأنظر الى وجهها فأرى " جلسد " حية ! ما أشهاها ! ! استسلمت الى وقد تحررت فليس ما يسترها ! وكانت الى طيعة لينة ، كنفسى الى ! ما ابدعها وقد تدفقت الشهوة من عينيها ! !
الرجل الثاني : ( ضائقا ، يهز صاحبه ) : قلت لك من هى ؟
الرجل الاول : ( كالمستيقظ ) هى الكاهنة العظمى !!
الرجل الثانى:
الكاهنة العظمى ؟ ؟! سيدة الحسن فى سدوم ؟ ( تتغير دهشته الى سخرية ) أيها الخبيث ! لقد صدقتك من قبل فى جميع : مغامراتك مع نساء سدوم . فجسدك البديع يغرى الرجال فكيف لا يغرى النساء ؟ ولكن أن تغامر مع الكاهنة العظمى ، وتنجح ، فأشك . . .
الرجل الاول :
لك ذلك . ولكنى لا أكذب نفسى . كنت البارحة لها . وكانت الى . لقد أغرتنى دعوتها ، رغم خوفى !
الرجل الثانى :
وهى التى دعتك أيضا ؟
الرجل الاول :
أجل ! انها تنتقم من الكاهن الاعظم ، يوؤاش ، سيد سدوم ، اذ علمت أنه يحب احدى ابنتى لوط ، عدو الفلس وابناء سدوم وهو يدبر خطة للزواج بها .
الرجل الثانى
: اذن . . . حقيقة ما يشاع من أمر اختطاف صغرى ابنتى لوط ، البارحة ٠٠ .
ترتمى عليه آمرأة معربدة . ثملى ، كانت تدور فى رقص لولبى جنونى .
المرأة :
( تعانق الرجل الثانى ) : كانت ليلتى البارحة كالرمانة أحلاما . . . قيثارة أنغاما ، وكتلة عطرا . . . رأيتنى أسبح فوق طوفان من العطر ، وخلفى فارس احلام يلاحقنى ، له لون عينيك وقوة عضلاتك . ما أبدع تكوينك وقد اهتجت الى شوقا ( يلتحمان ) .
تقترب امرأة ثانية ، ترقص شبه عارية ، تدور بالرجل الاول راققصة .
المرأة الثانية :
عيناى لحبيبى جزيرة . وفخذاى له مرجل . ليل شعرى له ظل ومظلة ، ونهداى له جدول ! . . . ( تنقض عليه فى عناق محموم . ويغرقان . . .)
دوى انفجارات بعيدة . . . أصوات غائرة فى الفضاء راعبة جازعة . أسراب من الطير تحوم على الساحة صافرة . وينتصب غراب أسود هائل عند قمة "الفلس" ، يطلق ثلاث نعقات طويلة قاتمة . ويختلط صفير الطيور وأصوات المعربدين بصوت هاتف بنشد :
الهاتف الاول :
يا أيا النبى ، يا أيها الدعى ، يا زارع الظلام . . . حينا وتنتحر ! !
وينطلق هاتف آخر فى غضب وحدة :
الهاتف الثانى
: ثمارك الزقوم ، وأصلك اليقطين يا مغرقا سدوم ، فى وحل وطين !
الهاتف الاول
:( ينشد فى حدة وغضب ) : لتنظف النجاد لتنظف الوهاد وليغمر الجراد الارض والشجر !
دوى انفجارات بعيدة . موسيقى موت وخوف . وينطلق هاتف آخر ، كالمتجشىء ، فى صوت هائل . موسيقى راقصة رقصة " الطائر المذبوح " :
وليغضب البحر والوادى والنهر السر فى الطين . سيغرق الطين ! دوى زلزال بعيد . موسيقى رعب وآضطراب . وتنقذ الطهاره ، وتنتفى الدعاره ، وتعزف المطر ، أنشودة الظفر ! ثم تتحد اصوات الهواتف ، فى دندنة كالنديب :
الهواتف جميعا : يختنق " الفينيق " . اذ يفقد الطريق فى عالم النقيق ، وعالم الضحاله ! والقحط فى القلوب والعالم " خياله " ! فالرب فى الجيوب ، الدود والطوفان ، أسطورة الانسان ! والحب والاله ، بحر بلا شطئان ، جهله الانسان سيغضب الطوفان ويردد الصدى البعيد : سيغضب الطوفان سيغضب الطوفان وتصيب القوم سكنة وسكون ، اذ يبرز " بعلزبول " نبى "الفلس" الى القوم ، فيعتلى حجرا ، يحف به الكهنة ، ورئيسهم ، يوؤاش ، سيد سدوم . ويأخذ فى تلاوة " توراة الفلس" :
النبى بعلزبول :(يقرأ ) الحمد للفلس ربة الوادي . الهة البرد والرى والخصب لا مالك غيرها . تلك اياتها قم فآجهر بها ، انا لك حافظون . وآذكر للعالمين كيف خلقنا العالم من عدم وأخرجناه من عدم
مكين ، اذ خلقنا جسمه من مارج من نار وخلقنا قلبه من طين . وقضينا الى قلبه أن تفتح عن نورنا والتهب بنارنا فكان الانسان لهبا نارا آمالا تأجج وأحلاما تثجج وفيضا من عين . . . . نار على نار ونور على نور وسر دفين . وفتحنا له كنوز الارض ، وأثجمت السماء وانثج الماء سيبا غميرا . . . وأتى على الارض فأغدقت بعد جرد فكانت سدوم الجنة التى وعد المؤمنون . وقلنا يا آدم أقم الصلاة وأجهر بحمدنا انا لك منجون . وكن فى سدوم العبد الطبع نرزقك من حيث لا تحتسب ، ويخضل الكون ، فيقضى كل عسير . واستجاب آدم لدعائنا فكان الطين اللزج لينا والتراب البلور صفاء ، كالمرمر المسنون . وأتحنا له بدائع الكون تراوده عن نفسه ، كطائف به واقعة له فى ذل ولين . وآتيناه حكما وقوة وفجرنا له العجائب وأخضعنا له الكون يجرى بأمره ونحن المالكون . وانكشفت لادم الاسرار وفتقنا عن بصره فحد ، فأستسبر واستقصى كل سردفين . وقامت ملائكة " الفلس " لتعلن أن قد فقد آدم نفسه وعرف الكون . . . سبحاننا نؤتى القوة من نشاء والحكم المكين . ولقد ضرجنا بهما أفق آدم فأتياه طائعين . وكانا له الشوق والتوق والحلم والامل ، اذ قلنا كونا فى آدم سر الحياة ، فكانا الدافع وكان آدم الحركة لا تدوم . وقضينا لآدم أن ينقسم عن ذاته ، فكان ذواتا ليس الى اتحادها من سبيل . وأهوينا على قلبه غربانا تنهش منه وتؤجج فى دمه الشهوة وفى صلبه بذور الخصب والطين . . . وخلقنا له من ذاته صورة يضطجع اليها ويانس لطيفها ، وعاء بذوره وأصل شقائه كل حين . وجعلنا سدوم مهد حلمه اذ اودعنا فيها سرنا فانبتت كل زوج وشهوة وأينعت كل اثم ، وامتزج الدم والطين . . . واطلقنا فيها آدم يقطف كل خير ويجنى كل اثم حرا ، حتى قامت الملائكة لتعلن ان قد أصاب آدم الضياع وانتابه الضلال المبين . وكان ذلك ما أردنا لآدم ، نمتعة ونضله الضلال الاكبر ، ونخلفه الخلف الامين . . .
هاتف : ( يقطع على النبى قراءته ) : " وجعل الرب رأسها الى أسفل ورجليها الى أعلى واودع قلبها جيبها وفكرها بطنها وضميرها بيت الخلاء . . . "
النبى بعلز بول : ( يواصل قراءته ) : والحمد " للفلس" من قبل ومن بعد ، وعلى الجاحدين اللعنة ، وويل للكافرين ! " .
ينزل بعلزبول . يعلو صراخ القوم وصياحهم من جديد كالسعالى . ويعتلى يوؤاش الحجر ، ويخطب فى قومه .
يوؤاش : أرضكم ارض الخصب والدعة والسلام ، تباركها " الفلس" وتبعث " جلسد " فى شرايينها وعظامها الحركة والدفء مغدقة كحسناء معصر . وواديكم المبارك سامن لابن تامر ، هبة "الفلس" لابنائها المخلصين . ولكنا ، أبناء سدوم ، قد غفلنا عن مغبش حط رحاله بيننا ، كمسيس يتآكلها القمل سائبة حتى أن " الفلس" لتكاد تجد عنا وتحفظ . . . فهلا خشيتم العدوى ؟ ! . . . يتزايد الهيججان والاضطراب .
صوت : سحقا لها من شاة !
صوت ثان : لنمزقن جلدها . . .
يوؤاش :
ذلكم هو لوط ، كثاقل من مرض ، ساقته الريح الى سدوم ، فاثاقل اليها و " الفلس " عنه واجدة حافظة . فعليه لعنة " الفلس" ولعنتنا ! . . .
يا ابناء سدوم ! ابنائى ! عليكم " للفلس " ونبيها حق الطاعة . و " الفلس" تطلب منكم أن تقدموا لوطا وآله لها قربانا ، وللنار طعاما ! . . .
الرجل الاول :
( لصاحبه ، الرجل الثانى) : بعد أن احتفظ لنفسه بابنة لوط ! إذن ستكون الكاهنة العظمى الى أطوع منى الى رغبتى ! وسيكون جسدها أشهى من الخمر ، وأعذب من همسات الشيطان ! (يرقص وحده )
وبندفع الحشد فى غضب وحشى وثورة حيوانية الى دار لوط . ثم يطوف بالمكان طائف من نور شفاف . وبدور بتمثال " الفلس " ثلاثا ، ثم ينطلق صوت ، هاتف يملأ فضاء المكان رعبا وفزعا :
الهاتف :
أعمالهم كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف ، لا يقدرون مما كسبوا على شئ ، وذلك هو الضلال البعيد . . . "
(يتبع )

