الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

سلسلة بحوث ، عن الأدب الاندلسى

Share

في الأدب الاندلسي ، وفي الشعر الاندلسي اتجاهات اخرى غير ما نسميه  باغراض الشعر من مديح ورثاء وهجاء ، ووصف ، وما الى ذلك مما سار عليه الشعراء قديما وحديثا . انهم يتجهون في ادبهم الاندلسي إلى فصول من رسائل  يحملونها خواطرهم من نقد ادبي ودراسة

وتحليل وينزعون في شعرهم الى هذا الاتجاه انما يتخيلون فيه ندوات ومجتمعات بعيدة عن عهدهم يعرضون فيها اشعار الشعراء ويعرضون فيها اراءهم في اشعارهم فى اسلوب هو مزيج من الجد والهزل يلمس القارىء لهذه الفصول ولهذا الغرض انتقالا الى اجواء مشوقة يتخيلون فيها شياطين الشعر ، على حد تعبيرهم ، وهم يوحون الى قرنائهم ويضمنون فى هذا نقدهم الادبي  واراءهم الادبية فيما قاله الشعراء السابقون  ويصدرون احكامهم عليها على لسان شيطان  الشعر الذي يتخيلونه ناقدا او راويا مؤيدا  او مخالفا ، وهو اسلوب فيه من الطرائف .  وفيه من البدائع والروائع ما يشجع القارىء  على الاستمرار فى مراجعتها والانتهاء منها  بمزيد من الرغبة والاعجاب .

واذا كان في شعراء المشرق من نحا هذا  النحو ، ونزع هذا النزوع ، فهو الشاعر  الفحل ابو العلاء المعرى فقد الف رسالة  الغفران وعرض فيها لاصحاب اللغة وتخيل  فيها البعث وجند فيما مواهبه فكانت من  اروع ما فى ادبنا العربي من قوة ومثالية للدراسة الادبية والنقد الادبي وما كان بفنه  هذا لاهيا او متجنيا على احد وانما كان  ياتي فى القول مداعبا بروح من الفكاهة

وجمال فى التعبير وتفوق في الصناعة حتى  قيل عن رسالته ان ) دانتى ( الشاعر الايطالي  اخذ عنها وكتب رسالته المعروفة عن  الجحيم ولسنا بصدد ترجيح هذا القول او  نفيه انما الذي يعنينا من هذه الاشارة هو  ابراز قيمة هذا الاتجاه في الادب الاندلسي وثمرة هذا النزوع وعرض ما تقتضيه الحاجة من شواهد وادلة وما يسمح به المجال من تصويبات وتعليقات :

للشاعر الاندلسي ابن شهيد الذي  عرضنا لجانب من نثره وشعره في الحلقة  السالفة ، هذا الاتجاه الذي نحن بصدده ، وهذا النزوع الادبي الذي المحنا اليه فى مقدمة هذه الحلقة وهو اللجوء الى الخيال للتعبير عن مقاصد واهداف معينة ، فى نقد ادبى او دراسة أو تحليل وهو يتفق مع ما نسميه اليوم بالادب الرمزى فى نثر او فى شعر اخرج الشاعر ابن شهيد الاندلسي فيما  رواه ابن بسام عنه في كتابه ) الذخيرة فى  محاسن اهل الجزيرة " رسالة سماها  ) التوابع والزوابع ( واتى بها ابن بسام  بفصول منها قال ابن بسام عنها : ) وان  صدرت عنه مصدر هزل ، فتشتمل على  بدائع وروائع (

واننا نود ان نقتطف ثمرة من ثمرات تلك

الفصول لنذوق منها طعما جديدا في ادب  الاندلسيين من شعر ونثر اتجه فيه هذا  الشاعر ابن شهيد هذا الاتجاه الجديد  بالنسبة لمن سبقه من شعراء العربية ، وهذا  ما نعرضه له فى قوله :

كنت أيام كتاب الهجاء ، احن إلى الادباء ، واصبوا الى تاليف الكلام ، فاتبعت الدواوين ، وجلست الى الاساتذة ، فنبض   لى عرق الفهم ، ودر لى شريان العلم ، بموارد روحانية ، وقليل الالتماح من النظر يزيدني ، ويسير المطالعة من الكتب يفيدني ، اذ صادف شن العلم طبقة . ولم اكن كالثلج تقتبس منه نارا ولا كالحمار يحمل اسفارا . فطعنت ثغرة البيان دراكا ، واعلقت رجل طيره اشراكا ، فانثالت لى العجائب ، وانهالت على ، الرغائب ، وكان لى اوائل صبوتي هوى اشتد به كلفي ، ثم لحقني بعد ملل في أثناء ذلك الميل ، فاتفق  ان مات من كنت اهواه مدة ذلك الملل ،  فجزعت واخذت في رثائه يوما فى الخائر  وقد ابهمت على أبوابه ، وانفردت فقلت :

تولى الحمام بظبي الخدور

وفاء الردى بالغزال الغرير

الى ان انتهيت من الاعتذار من الملل الذي  كان ، فقلت :

وكنت مللتك لا عن قلي

ولا عن فساد جرى في ضميرى

فارتج على القول وافحمت ، فاذا انا  بفارس بباب المجلس على فرس ادهم كما  بقل وجهه ، قد اتكأ على رمحه ، وصاح بي : اعجزا يافتي الانس ؟ قلت : لا وابيك . للكلام احيانا . وهذا شان الانسان ! قال لى : قل بعده :

كمثل ملال الفتي للنعيم

إذا دام فيه وحال السرور

فاثبت اجازته ، وقلت له : بابي انت ! من

انت ؟ قال : انا زهير بن نمير من اشجع الجن . فقلت : وما الذي حداك الى التصور  لى ؟ فقال : هوى فيك ، ورغبة فى  اصطفائك . قلت : اهلا بك ايها الوجه الوضاح ، صادفت قلبا اليك مقلوبا ،  وهوى نحوك مجنونا : وتحادثنا حينا ثم  قال : متي شئت استحضاري فانشد هذه  الابيات :

والى زهير الحب يا عز انه

إذا ذكرته الذاكرات اتاها

إذا جرت الافواه يوما بذكرها

يخيل لى اني اقبل فاها

فأغشى ديار الذاكرين وان نات

اجارع من داري هوى لهواها

وأوثب الادهم جدار الحائط  ثم غاب عنى   ٠

وكان ابن شهيد يوجه خطابه الى شخص  يدعى بابى بكر فهو يقول له فى ختام هذا  الفصل من فصول تلك الرسالة : ) وكنت ابا بكر متى ارتج على ، او انقطع بي مسلك ، او خانني اسلوب انشد الابيات فيمثل لي صاحبي ، فاسير الى ما ارغب ، وأدرك بقريحتى ما اطلب . وتاكدت صحبتنا ، وجرت قصص لولا ان يطول الكتاب لذكرت اكثرها ، لكنى ذاكر بعضها . .

ووقفت عند الفصل الاول من رسالة  ابن شهيد ) التوابع والزوابع ( وما في  تعبيراتها من سجع تعوده شعراء ذلك العهد وكتابه وما تشتمل عليه من خواطر وتخيلات لشبح من اشباح الجن وهو قد  يكون ساخرا بها او يكون شائعا في عهده  هذا الاعتقاد بان للشعر شيطانا يوحى به الى الشاعر وإذا كان هذا اعتقادا او هو  سخرية من الشاعر ابن شهيد لهذا الاعتقاد  فان ما تكشفه لنا من خواطر واهداف  واتجاهات توقفنا على ما كانت تجيش به  هذه الخواطر من نزعاتها وميولها ونلمس

في قصص ) الف ليلة وليلة ( اتجاها ادبيا  يعبر عن طموح لمشاعر تواقة الى تحقيق ما فى الخيال حتى اصبح لها شأن فى الدراسة الادبية الحديثة كاثر ادبي يعبر عن اتجاهات وميول قوية وفي ) كليلة ودمنة ( من التخيلات على السنة الحيوانات ما يدلل على ثروة ادبية رفعت بصاحبها وباثره الادبي الى مستواه المرموق في عهدنا الحديث . وهكذا نجد فى آثارنا الادبية وكنوز العربية فيما تستحق وتنال عناية أهل الفكر الحديث وان ما يشوقنا لهذه اللطائف والارتسامات انها تعبر عن أفكار هادفة وعن عقول نيرة فهم لا يلهون بتعبيراتهم  الفكاهية وبسجعهم اللازم لالفاظهم وانما هم يعبرون عن اتجاهاتهم وأهدافهم باسلوب عصرهم ويؤنسون القارىء بفكاهاتهم وتخيلاتهم الطريفة ، حتى ان اهل العلم  كانت مجالسهم لا تخلو من دعابة وملح وطرائف يؤنسون بها تلامذتهم وقد نقل الينا من هذا في تراجم حياتهم عن  مجالسهم العلمية وان النفس لتستوحشن في حالات رتيبة فتتطلب فى وحشتها الائتناس بالدعابات والفكاهات فما أجدر الشعراء بان تميل انفسهم الى هذا وتأنس به وتفسح لهم مجال الترفيه عن خواطرهم لينتقلوا بها * من موضوع لآخر ومن فكرة لاخرى لئلا يتطرق الى نفوسهم الملل ويعتريهم السأم والضيق بالحالات الرتيبة .

ويتحدث ابن شهيد الى شيطانه فى  فصل آخر فيقول : ) تذاكرت يوما مع زهير بن نمير اخبار الخطباء والشعراء وما كان يألفهم من التوابع والزوابع ، وقلت :  هل من حيلة فى لقاء من اتفق منهم ؟ قال :  حتى استاذن شيخنا . وطار عني ثم  انصرف كلمح بالبصر ، وقد اذن له . فقال : حل على متن الجواد . فصرنا عليه . وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو

ويقطع الدو فالدو ، حتى التمحت ارضا  لا كارضنا ، وشارفت جوا لا كجونا ، متفرع الشجر ، عطر الزهر ، فقال لي : حللت ارض الجن ابا عامر ، فيمن تريد ان نبدأ ؟ قلت : الخطباء اولى بالتقديم ، لكني الى الشعراء اشوق . قال : فمن تريد منهم ؟ قلت : صاحب امرئ القيس . فامال العنان الى واد من الاودية ذى دوح تتكسر اشجاره ، وتترنم اطياره ، فصاح : يا عتيبة بن نوفل ، بسقط اللوى فحومل ، ويوم دارة جلجل ، الا ما عرضت علينا وجهك ، وانشدتنا من شعرك ، وسمعت من الانسى ، وعرفتنا كيف اجازتك له فظهر  لنا فارس على فرس شقراء كانما تلتهب ، فقال : حياك الله يا زهير ، وحيا صاحبك اهذا فتاهم ؟ قلت : هو هذا ، واى جمرة يا عتيبة ! فقال لي : انشد ، فقلت :  السيد اولى بالانشاد . فتطامح طرفه . واهتز عطفه ، وقبض عنان الشقراء وضربها بالسوط ، فسمت تحضر طولا عنا ، وكر فاستقبلنا بالصعدة هازا لها ، ثم ركزها وجعل ينشد : " سما لك شوق بعد ما كان اقصرا ،

حتى اكملها ثم قال لى : انشد . فهممت بالحيصة ، ثم اشتدت قوي نفسى وانشدت : " شجته معان من سليمي وادؤر  حتى انتهيت فيها الى قولى :

ومن قبة لا يدرك الطرف رأسها

تزل بها ريح الصبا فتحدر

تكلفتها والليل قد جاش بحره

وقد جعلت أمواجه تتكسر

ومن تحت حضنى ابيض ذو سفاسق

وفي الكف من عسالة الخط اسمر

هما صاحباى من لدن كنت يافعا

عقيلان من جد الفتى حين يعثر

فدا جدول فى الغمد تسقى به المنى

وذا غصن فى الكف منى مبعثر

فلما انتهيت تأملني عتيبة ثم قال :  اذهب ، فقد اجزتك ، وغاب عنا . (

وهكذا تمضى هذه المقابلات للموتى من  الشعراء وتجرى المحادثة والعرض لانتاجهم  فى جمال من التعبيرات وحسن اداء يطالعنا  بثروة لفظية وصياغة دقيقة للمعنى لولا  ما يكثر فيها من سجع وتكلف فى مسابرة  السجع لبلغت زينتها وسمت بروعتها  ولا بد لنا ان نقرهم على هذا فى اسلوبهم لان  لكل عهد صبغته وطابعه والسمات التى  يتسم بها قد كانوا ينمقون بهذا السجع  الفاظهم ويرصعون بها اقوالهم مع حفاظ على قوة المعنى وجمال التعبير

ونجد ابن شهيد الشاعر الاندلسي يعتد  بشعره ويعتز بكفاءته بحضرة الشعراء في هذه المقابلة ، فهم يجيزونه ويعجبون لاقواله  لما يأنس في نفسه من القدرة وما يعتقده  فى شعره من تفوق وهو امام هذا الاعتداد فى هذه التصورات وهو بما يبديه من

اعتزاز في هذه التخيلات يطالعنا بشعر رائع فيه من جمال التعبير وملكة التصوير وحسن الوصف ما يحق له به الاعتزاز والاعتداد وهو وان كان قد افرط في هذا وبالغ فيه الى حد الخيلاء الا انه لا يغمطه هذا الافراط حقه ولا تنقصه هذه الخيلاء  قدره فهو بحق بارع في تصوراته وتخيلاته  قوى فى انتاجه يغوص فى بحور المعاني  ليبرزها لنا فى رداء جميل من حسن التعبير  وجمال التصوير ذلك هو اللوح الجميل  من فنه يعرضه فى اطار جميل مرآة  لشعره تعكس لنا شتى الصور الرائعة  وبودنا ان نقف على كل ما يعرضه لنا من  تخيلات وتصورات وما يتم له فى جوها من  مقابلات ومحادثات لانها تطالعنا بلون جميل من الأدب الاندلسي بحيث لا نحيد عما ارتسمناه لانفسنا من دراسة لهذا  الادب الاندلسي في شتى المجالات والاتجاهات وعسى ان نوفق الى تحقيق ما نهدف اليه في اتقان وحسن اداء .

اشترك في نشرتنا البريدية