الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

شعراء تونسيون في باريس, القاعدة والاستثناء

Share

نظم مركز جورج بومبيدو الثقافى بباريس ، على هامش الصالون الخامس للكتاب ، يوم الشعر المغربى تحت شعار : (( أصوات وأناشيد من المغرب العربى الكبير )) وذلك يوم 22 مارس 1985 . وقد تحول من تونس خمسة شعراء للمشاركة فى هذا المهرجان هم : عبد العزيز قاسم ، عبد الله مالك القاسمى ، محمد العوني ، المنصف الوهائبى ومحمد الغزي بالاضافة الى بعض الشعراء التونسيين المقيمين بباريس نذكر منهم : الطاهر البكري، أمينة سعيد والهادى بوراوى . أما الشعراء المغاربة والجزائريون المشاركون فى هذا الملتقى فان أغلبهم يقيم بباريس كما علمنا أنه وجهت الدعوة الى رشيد بوجدرة من الجزائر وعبد الكبير الخطيبى من المغرب إلا أن ظروفا خاصة منعتهما من المشاركة .

بدأ المهرجان فى حدود الساعة الثانية والنصف مساء وتواصل الى الثامنة ليلا . وقد خصصت لنا قاعتان للقراءة : قاعة صغرى دعي اليها المنصف الوهائبى ومحمد الغزي وقاعة كبرى ضمن بقية الوفد التونسى . وبحكم وجودى - شخصيا - فى هذه القاعة فان التركيز سيقع على الأمسية التى أقيمت بها .

أول من افتتح المهرجان الاستاذان إيمانويل روبلاز ( من أكاديمية فونكور ) وأندري ماندو اللذان تحدثا باقتضاب شديد عن التجارب الشعرية المكتوبة بالفرنسية فى تونس وفى المغرب وقد ركزا بصفة خاصة على تجارب الشعراء والكتاب الجزائريين الراحلين الذين ساهموا - حسب تعبيرهما - فى تأسيس أدب مغربى (( عربى )) ناطق بالفرنسية أمثال : مالك حداد ، كاتب ياسين ومولود فرعون .

وعلى الاثر ، قرأت ماريون قريميو  - كاديه نصا لمولود فرعون . كما قرأ الاستاذ الشاعر عبد العزيز قاسم قصيدة لأبى القاسم الشابى بعنوان (( النبي المجهول )) بلغتها الاصلية وبتفاعل كبير . ثم عاد الاستاذ قاسم الى مكانه مكتفيا بذلك فطلب منه المنظمون أن يترجم جزءا من هذه القصيدة الى اللغة الفرنسية فاستجاب لهذا الطلب ، وقدم ترجمة جيدة أعجبت الحاضرين ، مبينا أن الشاعر التونسى قادر على الكتابة بالفرنسية ولكنه - أيضا - متمسك بلغته الأم . فكان هذا أول درس نقدمه فى باريس الى كل المشككين فى هويتنا وفى انتمائنا .

وبعد ذلك قرأت دنيز بارات قصيدة للشاعر الجزائرى جون عمروش وكذلك قرأ الشاعر الفرنسى جول روا قصيدة لشاعر جزائرى آخر هو جون سيناك ، ثم جاء دور الشاعر المغربى عبد اللطيف اللعبى وقد كنا ننتظر أن يلقى هذا الشاعر قصائده باللغة العربية بعد أن قام بتعريب كل كتاباته الفرنسية القديمة على إثر خروجه من السجن لكنه انخرط فى لعبه الاغتراب والاستلاب ، فقرأ بالفرنسية قصيدة مهداة الى جون سيناك وقصيدة أخرى بعنوان (( وصية مايا كوفسكى )) .

وازداد اندهاشنا عندما قرئت قصائد باللهجة البربرية ( وهناك من يعتبرها لغة ) للشاعر الجزائرى سي مهند لم تقدم لها اية ترجمة . وتواصلت الأمسية فقرأ جان بكيفري قصائد لمحمد ديب ثم قرأ قصيدة (( كانت عبارة عن مونتاج ركبه بنفسه من الاحاديث والكلمات التى بقيت عالقة فى ذهنه . كلمات امرأة جزائرية اسمها فاطمة كانت تعمل فى بيته أيام الاستعمار )) .

بعد هذا ، جاء دور الشاعر والروائى المغربى الطاهر بن جاون الذى قرأ - طبعا - باللغة التى يعتبرها اللغة الأم ( ويقصد بها الفرنسية ) مجموعة من القصائد القصيرة مهداة إلى ضحايا الحرب وخاصة الى الذين سقطوا أثناء حصار بيروت ، وكل قصيدة تحمل اسم بطل مجهول مثل (( خضر سعيد محمد )) .

ثم قرأ الشاعر التونسى الهادى بوراوى الذى يقيم - عادة - بكندا قصائد الفرنسية موضحا فى البداية أنه موزع بين ثلاثة انتماءات (( فهو ينتمى الى تونس حيث نشأ وحيث بكتب بالعربية والى فرنسا حيث تعلم وحيث يكتب بالفرنسية والى كندا حيث يعمل )) . ولكن هذا التمزق الذى يعانيه الهادى بوراوى لا يغفر له تمسحه على أعتاب اللغة الفرنسية .

وبعده مباشرة قرات الشاعرة التونسية أمينة سعيد بعض القصائد بنفس اللغة وكذلك فعل الشاعر المغربى مصطفى نيسابورى .

وقبل أن يأتى دور الشاعر التونسى محمد العونى اتفقنا ( نحن الشعراء القادمون من تونس ) على قراءة أشعارنا بالعربية - وإن كنا جميعا نحسن الفرنسية وقادرين على الترجمة ، بالإضافة الى أننا كنا نملك [ فى ذلك الحين ] نصوصا مترجمة لقصائدنا - لأننا نعتبر أن هذا الموقف يمليه علينا واجبنا نحو أمتنا وحضارتنا . وهو تأكيد على الانتماء واعتزاز بالهوية . وهو - أيضا - رد فعل على ما ساد الجو من اغتراب ، اذ كان الشعراء الجزائريون والمغاربة وكذلك التونسيون المقيمون بباريس يقرؤون بالفرنسية وقد فوجئنا بهذا الولاء الأعمى لهذه اللغة . ونحن - فى الحقيقة - لسنا ضد أية لغة فى العالم ولكننا ضد الاستلاب والاغتراب .

وعندما قررنا أن نتخذ هذا الموقف كان الى جانبنا الاصدقاء حسونة المصباحى وعبد الكريم قابوس وشربل داغر وغيرهم ، واتفقنا أن يستهل محمد العونى ( باعتباره السابق فى الترتيب ) قراءته بكلمة تمتزج فيها السخرية بالمرارة وهى كالآتى : (( فى المغرب العربى الكبير هناك - أيضا - شعر مكتوب بالعربية )) وقد لاحظنا أن أول من غادر القاعة على إثر سماع هذه الكلمة هو الطاهر بن جلون الذى يبدو أنه استاء من مثل هذا الكلام . وفى المقابل صفق جانب كبير من الجمهور إعجابا بموقفنا . ثم قرأ محمد العونى قصيداته (( مملكة القرنفل )) وكنا نستتمع اليها بعاطفة كبيرة لاننا أحسسنا بلذة الانتماء .

بعد ذلك قرأت بلاز قوتيه قصيدتين للشاعر والكاتب المغربى عبد الكبير الخطيبى الذى لم يتمكن من الحضور ، ثم جاء دورى فقرأت قصيدة (( مالك الذى يأتى )) بكل ما أملك من احساس ومن طاقة تعبيرية حتى أثبت للحاضرين - بشكل أو بآخر - أننا فى تونس متمسكون بلغتنا وبشخصيتنا .

وفى نفس الوقت كنت أملك ترجمة لنفس القصيدة أعدها الشاعر عبد العزيز بن عرفة فطلب مني الأستاذ محمد الحبيب حامد أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة تونس أن أسلمه الترجمة لقراءتها على الحاضرين حتى يؤكد لهم أن اختيارنا للغة العربية ليس نتيجة عجز وإنما هو موقف مبدئى وحضارى .

ثم قرأ الشاعر التونسى الطاهر البكري المقيم بباريس بعض القصائد القصيرة وقرأ الشاعر نفسه قصائد للشاعر التونسى الراحل صالح القرمادى ، وقد اختار البكرى أن يلقى بالفرنسية بالرغم من أن صالح القرمادى كتب - أيضا - بالعربية .

هذه أهم الفقرات التى اشتملت عليها أمسية القاعة الكبرى ، أما ما حصل فى القاعة الصغرى فان الصديقين الوهايبى والغزي يؤكدان على أن السيناريو نفسه تكرر مع الشعراء المغاربة والجزائريين ولم يشذ عن هذه القاعدة سواهما . وبذلك يكون الشعراء التونسيون - وتحديدا الشعراء الخمسة القادمون من تونس - هم الاستثناء الوحيد فى هذه القاعدة .

ونحن نعتقد أن هذا الاستثناء أو هذا الخروج عن قواعد اللعبة هو موقف نعتز به وقد يشرف كل التونسيين والعرب عموما . باعتباره درسا فى الوطنية وفى الدفاع عن مقومات الشخصية العربية ولعل (( اللغة )) هى من أبرز هذه المقومات .

وقد لاحظ شربل داغر فى مقال له نشر بمجلة (( كل العرب )) ( 3 أفريل 1985 ) أنه (( لولا بعض الأصوات الشعرية ، التونسية تحديدا ، لكان هذا اليوم أشبه باجتماع لمنظمة منحلة ، للمحاربين القدامى ، لهواة جمع الطوابع البريدية والصور التذكارية )) .

وتعليقا على يوم الشعر هذا كتب كاظم جهاد بمجلة (( اليوم السابع )) ( 8 أفريل 1985 ) مقالا بعنوان (( نرسم شموسا ونوقع : شعراء المغرب )) .

- أول ملاحظة تسترعى الانتباه العنوان ، وهو مجزوء من قصيدة جان سيناك الشاعر الجزائرى اليهودى الذى وقع إغتياله فى الجزائر . منذ زمن بعيد ( وقد تردد ذكره بكثرة فى هذا المهرجان ) :

[ ارسم شمسا وأوقع : (( جان سيناك )) ]

- ثانى ملاحظة : يعتبر الكاتب أن البربرية ( القبائلية تحديدا ) هى لغة ليست لهجة اذ يقول : (( بعد هذا قرئت قصائد باللغة البربرية . . وكنا

نستمع مذهولين الى ايقاعها المتين ، الذى تذكر نهايات أبياته الجارفة بنهايات أبيات المعلقات العربية .. ))

- ثالث ملاحظة : فى تعليقة على القصائد المقروءة فى يوم الشعر لم يتعرض الى الظاهرة التى تحدثنا عنها ، بل اعتبر أن الشعر المغربى المكتوب بالفرنسية قد (( تعهد ويتعهد بالتعبير عن جراح الانسان المغربى وعن آماله )) .

وهو ( أى الكاتب ) بذلك يسقط فى الفخ المنصوب وينخرط فى عملية التضليل بالرغم من أن مقالته كتبت بالعربية !!

مسألة أخرى نعتقد أنها هامة ، وبالتالى لا بد من الاشارة اليها . وهى مسألة التقديم . فبالنسبة الى برنامج القاعة الكبرى ذكرنا في بداية العرض ما احتواه تقديم الاستاذين (( إيمانويل روبلاز )) و (( أندري ماندوز )) اللذين ركزا على تجارب الشعراء والكتاب الجزائريين الراحلين باعتبارهم مؤسسى الادب المغربى الناطق بالفرنسية دون الاشارة - بما فيه الكفاية - الى أدباء المغرب وتونس أما عن برنامج القاعة الصغرى التى حضر مداولاتها المنصف الوهايبى ومحمد الغزي ، فقد ذكرا فى حديث لجريدة (( الرأى )) : أن الذى قدم الادب التونسى هو ألبار ممي ، فكان تقديمه لهذا الادب مشوها ومرتبكا ومبتسرا .. وانه يعتبر أن الشعر التونسى يختزل فى إسمين هما : صالح الكرمادى والمنصف الغشام وتجاهل كل التى تكتب بالعربية ... )) .

ولكن ألبار ممي لم يكن وحده فى التقديم فلقد اشترك معه جون ديجو ، وقد صدر نصا مصاحبا للبرنامج بعنوان : (( الشعر المغربى المكتوب بالفرنسية )) كتبه جون ديجو ( وهو المتخصص فى دراسة الادب المغربى منذ ثلاثين سنة ، يعمل أستاذا محاضرا بالمركز الدولى للدراسات الفرنكوفونية بجامعة الصوربون ، كما أن له مؤلفات عديدة عن الأدب المغربى منها : (( الادب الجزائرى المعاصر )) صدر سنة 1979 ، (( فهرس الكتاب المغاربة الناطقين الفرنسية )) صدر سنة 1984 ، و (( شعراء تونسيون يكتبون بالفرنسية )) صدر أيضا سنة 1984 الخ ... ) .

ولعل أخطر ما جاء فى هذا النص قوله : (( إن الشعر المغربى المكتوب الفرنسية هو شعر الصامدين الذين يتحدون كل الشعارات رغبة منهم فى تحقيق الانتشار العالمى )) .

إنه يعتبر ان الشعر المكتوب بالفرنسية هو شعر صمود . لكنه أى صمود يعنى ؟ هل هو الصمود أمام حركات التعريب أم هو صمود أمام اللغة العربية نفسها التى - قد - يعتبرها الكاتب لغة دخيلة وغازية ؟ أما إذا كان يقصد أن الفرنسية هى اللغة الوحيدة التى تحقق الشهرة والعالمية فاننا نقول له : إن أية لغة فى العالم يمكن أن تكون عالمية اذا ما عرف مستعملوها كيف يطورونها ويطوعونها الى أغراضهم . والدليل على ذلك اللغة الروسية واللغة اليابانية وحتى اللغة العبرية ، فان أصحابها يقومون - حاليا - باحيائها . وهم يتعاملون بها ومعها على أساس أنها لغة حية . أما الذين يكتبون بالفرنسية فى المجتمعات غير الفرنسية - وخاصة تونس - فلا نعتقد انهم مقرؤون أو محظوظون فى بلدانهم الاصلية فما بالك فى غير بلدانهم ؟

ولا بد أن نشير فى النهاية الى المهرجان الآخر الذى أقيم بقاعة العروض القريبة من قاعتى الالقاء وهو مهرجان يشتمل على معرض لبعض اللوحات الزيتيو والرسوم التعبيرية المجسدة لبعض القصائد ، وقد اشترك فيه كل من : الحميد تيبوشى وعبد الدائم أسامة ومارتينيز وعلي فنجان وآنيك لونوير وناصر خمير وأحمد ذياب وغيرهم .

أما الصالون الخامس للكتاب الذى أقيم بالقصر الكبير فانه ركز بصفة خاصة على انتاج الكتاب الفرنكوفونيين الذين اختاروا اللغة الفرنسية لغة تعبير وإبداع . وقد لاحظنا احتفاء كبيرا بهؤلاء الكتاب على الصعيد الاعلامى .

اشترك في نشرتنا البريدية