( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملو العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )
استهلت الآية الكريمة : بأنه في شهر رمضان نزل القرآن العظيم الشأن وقد يتبادر للبعض العجب من نزوله في هذا الشهر وهو نزل منجما فى مكة المكرمة والمدينة المنورة في بضع سنين ولكن المقصود من نزوله أول ما نزل على نبيه الكريم فى شهر رمضان حينما كان يتعبد فى غار حراء فنزل عليه جبريل وقال له : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم )
والقصة مذكورة فى حديث طويل لسنا بصددها فى مقالنا هذا . وعلمنا من هذه الآية الكريمة أن من شهد الشهر ( أى هلال رمضان ) فعليه أن يصومه فيما إذا لم يوجد شاهد آخر وبه قال أكثر الفقهاء ، ومن كان مريضا ( بالروماتيزم ) أو وجع الاعصاب أو وجع الرأس أو بزكام خفيف الى آخر الامراض التى مثل هذه ليس له أن يفطر ، وأما المسافر مسافة قصر الصلاة فله أن يفطر مع أن مثل هذه المسافات تقطع في ساعات بالسيارة
والصوم أفضل لقوله تعالى : ( وأن تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون )
وتمام الآية الآنفة : ( ولتكبروا الله على ما هداكم ) أى تقوموا فيه بالذكر والتهليل والتحميد والصلاة والقراءة ، وعليه كان الرسول عليه السلام اذا دخل شهر رمضان شد المئزر وشغل بذكر الله وكان يتدارس القرآن مع جبريل طوال الشهر فاذا كان بالليل قام أكثره بالصلاة والتهجد والنوافل حتى تتورم قدماه من طول القيام في الصلاة وكان أكثر افطاره على التمر وخبز الشعير ولحم الجزور والمعزى فى بعض الأيام.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل شهر رمضان منها :
( من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ومنها الحديث القدس : ( الصوم لى وأنا أجزى به ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )
وفي هذا الشهر ليلة القدر التى قال سبحانه وتعالى فيها مشيرا بفضلها وفضل هذا الشهر : ( انا انزلناه في ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) الى آخر السورة .
وطوبى لمن صادف تلك الليلة العظيمة القدر وأحياها بالصلاة والاستغفار ليغفر الله ذنوبه ويدخله الجنة . كما ورد في بعض الأحاديث الشريفة (١) وهناك حديث : ( ومن كان صائما وأفطر على تمر المدينة وجبت له الجنة ) .
والمراد بالافطار افطار كامل من تمر لا عن ثمرة واحدة ولا الاكل بعدها من أنواع الطعام الدسم حتى التخمة . وأما الافطار عليه فمسنون كما يفعله الكثير من الناس وخاصة من وفقهم الله بالحضور الى المسجد لصلاة المغرب.
ومن محاسن هذا الشهر أن الناس يوسعون فيه على أولادهم ولكن بدون تبذير واسراف غير أن البعض من أوساط الموسرين يلتزم بأضعاف المصرف العادى من المآكل المنوعة ولا بد كل يوم من الحساء ( الشوربة ) والسمبوسك أو الكنافة أو القطائف ، كما لا بد من مشلح جديد وأثواب فاخرة له ولأولاده مهما غلت قيمتها . وقد قيل : ( ليس العيد لمن لبس الجديد وانما العيد لمن خاف الوعيد )
ومن محاسن هذا الشهر أن يتزاور الاقرباء والأصهار والجيران والاصدقاء في لياليه .
ومن محاسنه أن يصرف الاغنياء زكاة أموالهم في هذا الشهر على الارامل والايتام والفقراء والمساكين .
ومن محاسن هذا الشهر أن أكثر الناس يصلون مع الجماعة كما يصلون التراويح.
ومن محاسنه أن يقل اللغو والخصام وتنزل السكينة والخوف من الله في قلوب الكثيرين من الناس ، فاذا جاء العيد لبس الناس ألبستهم الجديدة أو المغسلة ، كل على قدره ، وبعد الصلاة يتزاور الاقارب ويخصص اليوم الاول لزيارتهم وزيارة الاصدقاء وفي اليوم الثاني والثالث لزيارة أهل المحلات وان قلت عادة التزاور لبعد المحلات الجديدة وكثرة السكان ، فقد بلغ
سكان المدينة على نحو مائتى ألف نسمة بعد أن كانوا فى آخر زمن الاتراك يبلغون نحو ثمانين ألفا بموجب احصاء وثائق الخبز التى كانت تعطى لرب كل أسرة بقدر عدد أسرته وقد يكون هذا الاحصاء أكثر من الحقيقة وكلهم أجلوا فى سنة ١٣٣٤ هـ وسنة ١٣٣٥ هـ الى مختلف بلدان سورية كدمشق وحلب وحمص وحماة والبعض الى مكة المكرمة والبعض إلى العقبة فى مخيم جيش الملك فيصل بن الحسين ملك الحجاز السابق ولم يرجع منهم الثلث بعد أن مات ثلثهم وتفرق شمل الباقين .
ولنعد الى مقالنا عن شهر رمضان المبارك فلقد ذكرنا أكثر محاسنه ، وهناك بعض الهناة التى تجرى فيه ولا تليق بقدسيته فقد نرى بعض الشباب ومن تابعهم يعقدون مجالس اللهو ويقضونه فى لعب ( البلوت ) والبعض يعكف على شرب الجراك طويلا .
أما أوساط الناس كالعمال ومن أشبههم فيقضونه فى المقاهى لشرب الشاى والقهوة والشيشة ولكنهم يستيقظون مبكرين الى أعمالهم حالما أن أولئك الشباب ينامون بعد السحور على أن بعضهم يسهر ليصلي صلاة الصبح حاضرا ثم ينام .
وفي هذه الحالة لا يجد العامل وقتا لقضاء حاجات بيته كل ذلك لسهره طوال الليل ونوم الليل لا يوازيه نوم النهار قط كما يقول الاطباء .
عادات في شهر رمضان :
وقد رأيت أن أذكر لمحة عما رأيته من أمور وعادات فى زمن الاتراك فقد عاصرت
الحكومات الثلاث بحكم سنى اليوم حيث بلغت السبعين من العمر سائلا المولى العفو والعافية وحسن الختام ان شاء الله .
فمما رأيته في ذلك الزمن أن خوانات الأطعمة كانت تأتي الى الحرم الشريف لافطار بعض الوجهاء والاعيان وقد يشبعون من الاكل ولا تبقى لهم شهية بعد هذا الطعام ثم كانت مجالسهم شيعا وأحزابا ، فريق ضد فريق وكانت الالعاب أكثر من (البلوت ) . . فهناك الشطرنج والنرد والضومنة وغيرها ، وكان أيمة صلاة التراويح في المسجد النبوى يتجاوزون عشرين اماما . . هذا خاص بالباشا حاكم المدينة ، وهذا لشيخ الحرم ، وهذا لشيخ الخطباء ، وهذا للأغوات ، كما كنا نرى أطفالا أئمة حفظوا القرآن يصلون التراويح ، وهناك بعض ألمة يصلون بسور من القرآن فيقضون العشرين ركعة في نصف ساعة أو أقل وكان أقلهم وقتا على ما أذكره هو الشيخ عبدالقادر حجار فكان يقضي العشرين ركعة فى عشر دفائق (٢) فلا نسمع غير التكبير والتسبيح.
وقد جمعنا الله على امام واحد اليوم (٣) وكانوا يظنون أن من أكل سمكا ليلة السبع والعشرين يعيش للعام القادم .
ولم تكن صلاة الجماعة في الصبح أكثر من عشرة صفوف .
وكان هناك المسحراتي الذي يوقظ أهل الدور للسحور ويبدأ عمله من بعد صلاة التراويح يصحب معه ناقوسا يضرب عليه امام كل بيت فى محلته لانه كان لكل محلة مسحراتى وأما ما كان يقوله امام كل بيت فأذكر منه نموذجا واحدا : كان يقف أمام البيت ويدق بناقوسه على كل شطر من كلماته فمن تلك الأقوال أذكر قوله :
ستي الفقيها قريني
تقل لك أمي هجيني
سورة تبارك والتين
علقه صغيرة أعطيني
ذاكرا بعدها أسماء رجال البيت بلقب أفندى : الافندى فلان ، والافندى فلان ، وينتهى من عمله هذا قبيل السحور ، فاذا حل يوم العيد اصطحب معه حمارا عليه خرج . وطاف بتلك البيوت التى كان يطرقها طوال الشهر فيناوله أصحاب البيوت ما تيسر من الدراهم أو من الحبوب أو التمر.
وأتذكر بعض مقالاته المشجعة والضرب على الناقوس على كل سجعة ، فمن أقواله يوم العيد :
يا جارية يا رمانه
كلمي سنك النعسانه
جيبى الغدا من الخزانه
لا تلهطيه بالأمانه
فاذا تناول المنحة بدأ كلامه بالدعاء في قائلا : " كل سنة وانتم طيبين ، أما اذا لم يكن في بعض البيوت الفقيرة شئ يعطونه فانه كان يقول :
يا ليت ماجينكم في الليل
ثلاثين ليله انا في السهر
والكلاب تجرى ورايا
وأجرى على رب البرايا
وكان الاطفال يتناولون المنح ( البقشيش ) من والديهم وذوى قرباهم ويصرفون كل ما حصلوه فى الملاهى وركوب عربات الكارو ويقنعون بالهللة (٤) والقرش . وقد بقيت هذه العادة ولكنها اليوم بعشرات الريالات للأغنياء ، وبريال للمساكين ، وبدلا من ركوب الحمير صار ركوب السيارات الفارهة والتنزه فى مختلف البساتين . أما الفقراء فهم على ما كان سلفهم من ركوب العربات والحمير.
والى هنا أختم مقالي هذا سائلا المولى أن يوفقنا لصيام هذا الشهر واقامة الصلوات وكثرة التلاوات وبذل الصدقات فيه . ويغفر الله للجميع انه سميع مجيب.
المدينة المنورة

