الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

صفحاتنا الطبية :، }اياك . . و الذباب! .{

Share

فى معظم اللغات وفي معظم الدول أصبح الذباب والقاذورات مرادفين للمرض يزكو الذباب على القاذورات ويتكاثر حينما توجد . فإذا شاع الذباب وشاعت القاذورات فيكاد يكون من المؤكد أن تشيع أمراض معينة . والذباب المنزلى - خاصة - مسئول فى جهات كثيرة من الدنيا عن كثير من أوصاب الإنسان وعجزه . . بل وحتى عن موته .

وقد مكن الذباب لنفسه فى جميع جهات الأرض التى يقطنها الإنسان ، غير أنه أكثر عديدا فى المناطق الإستوائية وشبه الإستوائية والمعتدلة .

والذباب المنزلي هو - من بين مئات أنواع الذباب - ألصقها بالإنسان . فهو يتوالد في غائط الإنسان وفي القاذورات التى يتركها حول مسكنه إنه يشاركه منزله ويتغذى على طعامه وعلى غائطه وقمامته ، وعلى قروحه وجروحه ، ولا يتعفف عما يشبه ذلك من منتجات حيواناته الأليفة .

إن إقبال الذباب المنزلي على الإغتذاء بالأطعمة ، قذرة كانت أو نظيفة ،

وعاداته السيئة في التردد بين هذا وذاك في سرعة - كل أولئك يجعله أنكى أعداء الإنسان .

وقد تأكد بالدليل القاطع أن الذباب المنزلي حشرة ناقلة لأمراض آدمية : مثل الدوسنطاريا ( العسرة ) والإسهال والتهابات العين الشديدة . وقد دلت التجارب التى أُجريت في المعامل ، على أنه ينقل ميكانيكيا (آليا ) أمراضا أخرى .

إن نصيب الذباب من مجموع الإصابات بنقل بعض هذه الأمراض كالتيفود والكوليرا ، ضئيل بالقياس إلى مصادر أخرى لنقلها أكثر منه أهمية ، مثل تلوث الطعام والماء تلوثا مباشرا . أما في غيرها كالدوسنطاريا والإسهال ، فقد أقيم الدليل على أن الذباب المنزلي في بعض الأحيان يماثل أو يزيد في الأهمية عن الطرق الآخرى لنقل المرض .

ولهذه الحقيقة أهمية عظمى عندما يضع الإنسان فى باله أن تلك الأمراض المعوية هي فى بعض جهات العالم فى طليعة أسباب وفيات الرضع

والصغار جدا من الاطفال .

وفي بعض بلاد العالم يحرم المصابون بالتهابات العين والتراكوما - والصلة بين الذباب وبينها وثيقة - من أنفس ما يملكون ، ونعني به نعمة البصر التى لا تقل عن الحياة نفسها .

إن المأساة الرهيبة لهذا الموقف

هى أنه غير ضرورى بالمرة . . .

نحن نعلم أن الذباب مسئول - كل المسئولية أو بعضها - عن نقل طائفة من الأمراض الهامة . ونحن نعلم من عاداته ما يكفى لإقناعنا بأن فى استطاعتنا كفاحه كفاحا ناجعا بتحسين صحة البيئة ، علاوة على استعمال الكيمائيات بحكمة .

ومع ذلك يمكن القول - دون أن نعدو الواقع - أننا فى الشطر الأكبر من الدنيا نسير بخطوات وئيدة متثاقلة فى كفاح الأمراض التى ينقلها . والظاهر أننا غير قادرين على أن نضع الذباب فى وضعه الصحيح ، ثم نعمل فى حزم وعزم عملا حاسما .

ولا يمكن أن يكون أدنى شك  فى أنه إذا قتل أعداء من بنى الإنسان أطفال دولة وصغار أبنائها أو سلبوهم نعمة البصر ، فلن تضع هذه الدولة حدا للمجهود القومى الذي يبذل للضرب على أيدى هؤلاء الأعداء وشل نشاطهم ، لكننا كثيرا ما نغدو مترددين أو عاجزين عندما يكون الذباب هو العدو المبين .

يجب أن نكف عن معاملة الذباب على أنه ليس أكثر من مجلبة للضيق والحرج .

بل ينبغي أن نفهمه على حقيقته - عدو مبين ، يخبط خبط عشواء فيصيب مقاتل الرجال والأطفال على حد سواء .

يجب أن يكون تحسين صحة البيئة أولى الخطوات في مكافحة الذباب : ويدخل فى ذلك التخلص - على أساس صحيح - من كساحة المجارى والقمامة و روث الحيوانات وفضلات المصانع التى تصلح لتوالد الذباب . فإذا لم نتخذ هذه التدابير التى تتحسن بها صحة البيئة ،

فالفشل فى كفاح الذباب أكيد لا مفر منه . أجل ، إن هذه التدابير باهظة التكاليف ، لكنها كثيرا ما تبرهن - آخر الأمر - على أنها متناهية فى الوفر والإقتصاد ، وخاصة إذا قورنت تكاليفها بتكاليف ما ينشره الذباب من مرض ويشيعه من بؤس وعوز .

وينبغي استعمال المبيدات الحشرية كمكملة لتحسين صحة البيئة لا كعوض عنها بحال من الأحوال .

فقد أثبت الذباب أنه عدو شديد المراس عزيز الجانب فى الحالات التى شن فيها الإنسان الغارة عليه مستخدما الكيمائيات المبيدة للحشرات وحدها .

من سنوات قليلة مضت ، مع قدوم ال د . د . ت وغيره من المبيدات الحشرية من المجموعة المسماة الأيدرو كربونات المشبعة بالكلورين ، كان الظن أنه قد أتيح للإنسان سلاح يصلح لكفاح الذباب وأن يكن غير كاف لاستئصاله استئصالا تاما . على

إنه قد زال الوهم عن الآمال التى كنا عقدناها على هذه المبيدات ، إذ سرعان ما أفاق الذباب من صدمة الغارات الأولى التى شنت عليه وثبت لها بفضل ما اكتسبه من مناعة تقية منها وتصدها عنه . وفي معظم الأماكن التى استخدم فيها ال د . د . ت وال د . ه . ك . والكلوردين والديالدرين على نطاق واسع اكتسب الذباب من المناعة ما جعل استخدامها عديم الجدوى - نسبيا كوسيلة للكفاح لا تعززها وسيلة أخرى .

وفي الجهات التى ما زالت فيها المبيدات الحشرية الإيدروكربونية المشبعة بالكلورين ناجعة ، من المعقول افتراض أنها ليست إلا مسألة وقت ينقضى ثم تفقد هى أيضا فاعليتها وجدواها . ولقد كان اكتشاف المركبات الفوسفورية العضوية تطورا مشجعا في ميدان المبيدات الحشرية . فلقد أقيم الدليل على أنها ناجعة فى كفاح جميع أنواع الذباب وفي جملتها الذباب الذي اكتسب مقاومة ضد ال د . ه . ك

وغيرها من المبيدات الحشرية الايدروكاربونية المشبعة بالكلورين . والأدلة  حتي الآن قليلة على أنها قد اكتسبت مقاومة ، حتى بعد استعمالها سنوات عديدة . على أن المبيدات الحشرية الفوسفورية العضوية ليس لها ما حققه ال د . د . ت - ذات مرة - من تأثير باق ناجع مدة طويلة وخبر ما أمكن الحصول عليه من استعمال أي واحد منها هو بقاؤه ناجعا فعالا فى كفاح الذباب أسابيع

قليلة . يضاف إلى ذلك أن ارتفاع تكاليف استعمال مثل هذه المبيدات يجعل تعميم استعمالها فى كفاح الذباب غير عملى . وباستعمال شاش أو خيوط من القطن مشبعة بالمبيدات الحشرية الفوسفورية العضوية في الدانيمرك والولايات المتحدة وسويسرا ظل تأثيرها ناجعا ضد الذباب فترات أطول امتدت إلى عدة شهور . ومع ذلك فاستعمال هذه الطريقة محدود .

وقد استعملت المركبات الفوسفورية العضوية فى إبادة اليرقات ، وفي الرش خارج المباني فجاءت بنتائج طيبة . لكن عيب هذه الطريقة هو أن تكرار استعمال المركبات الفوسفورية يتكلف نفقات باهظة ، علاوة على أنه لا يمكن التوصية باستعمالها الا في حالات محدودة .

ومن المهم أيضا أن نضع فى بالنا أن هذه المجموعة من المبيدات الحشرية سامة أكثر كثيرا من مبيدات حشرية كثيرة قد ألفنا استعمالها مع اتخاذ قليل من التدابير الوقائية أو عدم اتخاذ شئ منها . ولهذا العامل أثر هام في تقييد استعمالها العام . . وبينما كانت تجاربنا في كفاح الذباب المنزلي خلال الحقب الأخيرة مخيبة للآمال فهناك حالات أتت فيها الجهود المركزة التى بذلت وفق خطة محكمة بنتائج مرضية جدا . وقد دلت هذه بوضوح - مرة بعد اخرى- على أن كفاح الذباب قد أسغر عن تخفيض بعض أمراض الإنسان ، أو السيطرة عليها .

وفي عدد من الحالات حيث كافح السكان الذباب لأول مرة ، وحيث تجلت الفوائد الناجعة عن كفاحه واضحة لكل فرد - في هذه الحالات نشأ وعى ذبابى مقترن برغبة فى التحرر الأبدى من هذه الحشرة الخطرة . وقد علمت هذه التجارب السلطات الصحية وغير الصحية درسا مؤداه أن كفاح الذباب لايمكن تحقيقه على صورة دائمة بالمبيدات الحشرية وحدها .

ومن المآسى الصحية فى عصرنا الحاضر : أن المبيدات الحشرية قد اعتمد عليها كل الإعتماد فى أحيان كثيرة جدا ، وأنه حتى جهود الكفاح الرمزية عن طريق صحة البيئة قد نبذت ، وفضلت عليها المبيدات الحشرية . .

وليس هناك من شك من أن المبيدات الحشرية قد لعبت ولا تزال تلعب دورها في كفاح الكثير من الأمراض التي تنتقل - كليا أو جزئيا - بالذباب ، وذلك بتخفيض عدد الذباب في فترات انتقال المرض الحرجة . لكن يجب تحديد هذا الدور فى وضوح ودقة .

تشتد الحاجة في أية معركة إلى مختلف الأسلحة ، بيد أن الإنسان فى صراعه مع الذباب قد أجرم في عدم الأخذ بهذه القاعدة فلم يستعمل أمضي أسلحته : ألا وهي التدابير التي

ترفع المستوى الصحي في البيئة . لن يكون النجاح مضمونا إذا اعتمدنا كل الإعتماد على المبيدات الحشرية ، حالما لم يعرف قط أن تطبيق التدابير الصحية على الوجه الأكمل قد اخفقت فى كفاح الذباب كفاحا ناجعا ، فهي الإجراء الوحيد الذى لم يكتسب الذباب مناعة ضده .

إن التخلص بالطرق الصحية من الفضلات العضوية التى يستطيع الذباب أن يتوالد فيها لا يعني إتلاف تلك المواد الغنية أو فقدها : سواء بدفنها في التربة أو إحراقها أو إغراقها في كميات كبيرة من الماء . ففضلات الخضراوات والفاكهة التى انتجت فيما مضى جحافل من الذباب قد أصبحت اليوم تستخدم فى صنع منتجات نافعة للإنسان .

إن صنع السماد من الفضلات العضوية علم ما زال في مهده . ولكن تطوره إلى طريقة اقتصادية عملية يرتاح إليها المزارعون فى الدنيا كلها ، سيكون له على التحقيق تأثير عظيم في تقدم الجنس البشرى كله . لكن لا معدى عن مضاعفة الأبحاث في هذا الميدان .

ولئن كانت هذه الأبحاث هامة ، فلا يقل عنها فى الأهمية جعل الناس يتحققون من أن كثيرا من الطرق التى يكافح بها الذباب قد نبذت .

إن العادات الصحية البسيطة ، إذا اتبعها كل فرد ، تؤدى بلا ريب إلى تخفيض هائل في عدد الذباب بالمناطق التى هو فيها مشكلة صحية

إنه لا يكفى انتظار السلطات الصحية إلى أن تشرع في القيام بحملة لكفاح الذباب . فإنه إذا كانت السلطات الصحية لها دورها المنوط بها اداؤه فإن النجاح - بوجه عام - يتوقف على مدى استعداد كل فرد للتعاون في كفاح الذباب بالمداومة على إزالة الأمكنة التى يتوالد فيها الذباب .

دعونا نمارس التدابير الصحية الناجعة - التدابير التى قام الدليل على نجاحها فى مكافحة الذباب . . ودعونا بعد ذلك نكمل هذه التدابير باستعمال المبيدات الحشرية ، على حسب الحاجة إليها مع البحث عن طرق جديدة أكثر جدوى من تصريف الفضلات العضوية والإستفادة منها في الأغراض النافعة .

إن برنامجا من هذا القبيل ، إذا نفذه كل مواطن فى نشاط وحمية ، جدير بأن يدفعنا إلى الأمام - وبسرعة - فى طريق التحرر من الذباب ، والقاذورات ، والأمراض .

اشترك في نشرتنا البريدية