الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

صقر الجزيرة

Share

المقدمة الرائعة التى كتبها سعادة الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ المصري لكتاب " صقر الجزيرة " .

هذا كتاب دون فيه الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار سيرة " صقر الجزيرة " جلالة الملك " عبد العزيز آل سعود " عاهل المملكة العربية السعودية وقد أطلعني على أصوله ، فتلوت فيها من اعمال نابليون العرب طرفاً جلت تفاصيله أمامي صورة هذا العاهل الذى تشرفت بلقائه غير مرة بالحجاز ومصر ، وبعد ان سمعت عنه من رجال الصحافة الاوربية والامريكية ، وقدرت للأستاذ العطار هذا المجهود الصالح الذى بذله كيما يقف الناس على تاريخ الجزيرة العربية فى حقبة تاريخية من أدق الحقب فى حياة الشعب العربى ، وفي حياة الشعوب العربية جميعاً .

فهذه الشعوب العربية تبعث اليوم بعثاً جديداً " بعدان بقيت قروناً حسوماً مجهولة بين العالم ، لا يكاد أحد يعرف عن ايها اكثر مما يعرف عن " الربع الخالي " وقد بدأت هذه القرون المظلمة فى حياة البلاد العربية بعد ان انتهى العهد العباسى وبعد ان تربع الآتراك على عرش بوزنطية (القسطنطنية ) وبسطوا سلطانهم على البلاد العربية جميعاً من ذلك العهد بدأت البلاد العربية كلها تتدهور شيئاً ، ولم يأن لها الا ان تبعث الاحين دب فيها دبيب الفكرة العربية من جديد ، في أوائل هذا القرن العشرين . من يومئذ بدأت الحياة تدب في اوصالها وبدأ النشاط الفكرى يعيد اليها المعاني السامية التى ترتفع بالأمم ، وتدفعها الى التطلع للمجد . ومن يومئذ سارت الشعوب العربية جميعاً بخطى واسعة ، تريد أن تستعيد المكانة القديمة التى كانت لها قبل ان تنحل أوصالها ، ويتولاها ماتولاها من سبات عميق .

والدولة العثمانية لا تحتمل أفدح التبعات عما أصاب الشعوب العربية من إتحلال ، وانما تقع افدح التبعات على الشعوب العربية نفسها ، لأنها تسامحت فى المقوم الأول لحياتها . تسامحت في لغتها العربية فاهملتها فانحطت الى درك لاأحسب ان لغة من اللغات الحية عرفت مثله فى اي عصر من عصور التاريخ . واللغة هي وسيلة التفاهم ، وهي سلم الرقي وسبب التقدم في الامم التى تعنى بها  وتديم تعهدها . فاذا انحطت اللغة انحط الشعب ، لأنه يهبط بحكم هذا الانحطاط الى ادبى مستوى من الحياة الأنسانية . وذلك ماحدث حين نسيت الشعوب العربية لغتها العربية السليمة ، وعكفت على لغات غيرها هي لغات السادة الحاكمين

فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، بدأ رجال من اهل البلاد العربية يبعثون في لغتهم العربية حياة جديدة ، فقام الكتاب والأدباء والشعراء فى شتى الأرجاء من هذه الأمم التى وجهت حضارة العالم قروناً متوالية قبل إنحلالها ، وجعلوا يتفنون بماضى بلادهم ، ويذكرون للأبناء صنع الأجداد ، كما جعلوا يذكرون ما فى بلادهم من جمال ومن نعمة ومن سائر الاسباب التى تدفع الامم فى سبيل الرقي . ومن ذلك العهد بدأت فى البلاد العربية نهضة طامحة غرضها ان تتسم البلاد العربية من مراقي الحضارة الحديثة ما يؤهلها له ماضيها المجيد ، وثراؤها الطائل ، وملكات ابنائها المتوثبة إلى أسباب العزة والمجد .

فلما قامت الحرب العالمية الأولى ، ونادى المنادون فيها بأنهم يريدون للعالم الحرية والسلام ، زاد اندفاع الشعوب العربية فى سبيل نهضتها . وضاعفت هذه الشعوب اندفاعها حين قضت تلك الحرب العالمية الأولى على الامبراطورية العثمانية ، وتضافرت العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية على تغذية  هذه النهضة .

أما وكتاب الاستاذ العطار يتحدث عن فترة من تاريخ البلاد العربية بعد يقظتها فهو جدير بالعناية به ، والتأمل الطويل فيما وضعه من تصور الحوادث

تطوراً صياغه الملك ابن السعود بحكمة وخزم وحسن سياسة كأن لها أثرها فى إقرار السلام فى شبه الجزيرة العربية ، وفي توجيه النهضة فى تلك الأرجاء توجيها يبشر بخير النتائج .

فأنت ترى فى هذا الكتاب ، كيف تغلب ) صقر الجزيرة ( هي ما كان بين اليمن والمملكة العربية السعودية من خصومات أدت غير مرة إلى القتال ، ثم انتهث إلى إقرار حالة الأخاء والأمن بين الملكين وبين الدولتين . وأنت ثري منه كيف استطاغ الملك عبد العزيز أن يقر علاقاته مع الدول الكبرى وفي مقدمتها بريطانيا وأمريكا على اساس من المودة وحسن التفاهم ، من غير ان يضع على بلأده حقاً ، أو تحقيق لطامع مطمعاً؛ وانت ترى فيه ماقام به عاهل الجزيرة من إصلاح أحوالها ، وتوجيهها الى الاشتراك فى الحياة العالمية العامة . انت تري هذا وغيره مافصلا تفصيلا دقيقاً يهديك السبيل الى تعرف الطريق الذي رسمه العاهل العظيم لهذه البلاد التى كانت مجهولة حتى امس فى كل ما لاضلة بمدنها الأسلامية المقدسة ، والتي أصبحت اليوم محط الانظار تقديرا للجهد السياسي  والاقتصادي والاجماعي الذي يبذل فيها :

سنرى ذلك كله مفصلاً فى هذا الكتاب تفصيلاً يجعلك تحيط بدقائقه لو كأنك خاضرها . فسلوب الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار اسلوب يجمع إلى  السهولة الصفاء ، ويتأثر بالحوادث حتى ليروى مابعد عهده منها وكأنه حدث أمس، وكأنك تظالعه فى الصحف السيارة ، مع فارق التمحيص الذي يتاح للمؤرخ بقدر لايتاح للصحفى

وهذا الاسلوب الممتلئ بالحياة يدفعك ليمضي فى مطالعة الكتاب فلا تقف منه حتى تبلغ آخره .

وأني لأرجو ان تتاح للمؤلف فرص تطوع له ان يتابع هذه البحوث الشيقة ، فيضيف إلى المكتبة العربية الحديثة ما هي بحاجة اليه ، ويهيء لمورخ المستقبل أسانيد يقيم عليها أساس النهضة العربية الحديثة .

اشترك في نشرتنا البريدية