- هل انت سعيدة يا اماه ؟ ؟
كل قلبى ان اراك هانئا سعيدا مع زوجة وفية مخلصة قبل ان يضمنى اللحد الى اعماقه المظلمة ... وابتسم الابن وقال . .
لقد تركت لك الخيار فى اختيار الزوجة اللائقة ، وحين اعلنت لى ارادتك ونصحتني باختيار ابنة جارنا سعاد لم ار ما اعترض عليه ، فالامر امرك وسعاد حسبما يظهر لى فتاة عاقلة مثقفة ستكون بمثابة ابنتك ، وان شاء الله ستعمرين يا اماه حتى تفرحى باولاد اولادك . . .
كل ما ارجوه يا ولدى هو سعادتك فى هذه الدنيا وحينما اراك سعيدا فى منزلك اموت قريرة العين مرتاحة الضمير . . . انت كل شئ لى فى هذا الوجود يا رضا بعد وفاة ابيك المرحوم . . ولولاك لما كانت لى غاية فى هذه الحياة . . . وازداد الابن اقترابا من امه واستانف ، وهل لى سواك يا اماه ؟ ؟ منذ نشاتى لم اعرف فى هذه الدنيا الاك ، فقد كنت لى بمثابة الام والاب معا وانا ايضا كل ما يهمنى فى الحياة هناؤك ورضاك . . .
- الله يرضى عليك يا ولدى . . اخرج لعملك بحراسة الله وعنايته . . . انى تمشى فقلبى يتبعك وحيثما تذهب عيناى تلاحقانك . . . - استودعك الله يا امى . . .
وقفت علياء تراقب ابنها وهو يمتطى سيارته ، وقبل ان يبتعد بها لوح لها بيده مودعا ، فلوحت له بمحرمتها البيضاء وهى تدعو له بالسلامة والتوفيق . .
لقد توفى ابو رضا وهو فى السابعة من عمره ، فاودعت علياء كل حبها وحنانها فى طفلها الصغير ، وبعد عامين من وفاة زوجها اقترنت برجل آخر ل تبق معه الا عاما واحدا ، فقد فضلت الانفصال عنه بمجرد مارات انه اخذ ينتقد شدة ولعها بطفلها حتى انه اعلن أنه من المفضل لكليهما ان تضعه فى مدرسة داخلية واذ ذاك ثارت فيها امومتها فافترقت عنه وعزمت على ان تبقى ارملة طيلة حياتها تعيش من الربع الذى خلفه لها زوجها واجرة منزل كبير ورثته عن امها . . . وها قد مضت الايام واصبح الطفل الصغير شابا فارخ القامة موظفا في احدى المصالح يشغل منصبا ذا اهمية ، والان وقد بلغ السابعة والعشرين من عمره ، فلقد ان له ان يتزوج ويكون عائلة ، لقد صارحته برايها
عدة مرات فكان يمانع ، واخيرا نزل عند ارادتها لارضائها . . . وما من شك بان حياته ستكون رضية مع سعاد الفتاة الجميلة التى تعرفها منذ صغرها . .
وتخيلت حياة ابنها المستقبلة وصورت فى ذهنها صور اطفاله ، وهم يتراكظون فى ارجاء المنزل الكبير الذى عزمت على الانتقال اليه بعيد زفاف رضا وخيل اليها انها تسمع اصوات ضحكهم ومرحهم وهتافهم فدق قلبها دقات الفرح والغبطة . .
اين ذلك اليوم ؟ لقد اصبح قريبا ، ولكنها احست بان المدة التى تفصلها عنه طويلة جدا ، فقررت ان تقرب ذلك اليوم قدر ما تستطيع . . .
وزفت سعاد الى رضا بعد ان انتقلت علياء الى المنزل الكبير الذى كان مؤجرا ، ومرت الايام هنية هادئة كالجدول الرقراق يشنف بخريره الموسيقى الاذان فتصغى اليه برضى وارتياح . . . وكانت علياء هى ربة المنزل تتلقى الخادم الاوامر منها ، وتدير شؤونه وتطهو الطعام بيدها ولا تترك المجال لكنتها العمل اى شئ فى الدار سوى ترتيب غرفتها . . .
ونهضت فى يوم من الايام لبدء حياتها المنزلية كعادتها ، فرأت النوافذ مفتوحة والوسائد مرتبة والمقاعد مرفوعة على الموائد بحيث لم يبق للخادم الا ان تمسح الارض . ودخلت للمطبخ فشاهدت المائدة منصوبة وعليها فطور الصباح . . وسمعت خطوات كنتها فالتفتت اليها فرأتها وقد عقصت شعرها وارتدت ثوبا بسيطا ، وبيدها منفضة الغبار واخبرتها بانها رات من الافضل ان ترتب الطابق السفلى لئلا تزعجها من رقادها وتزعج كذلك رضا الذى لا يزال راقدا لان اليوم يوم احد . . . وسالتها بلطف فيما اذا سمعت اقل حركة لانها كانت تعمل جهدها لئلا تحدث اى صوت خشية عليها من الانزعاج . وقالت لها علياء بانه لم يكن لها ان تقوم بهذه الشؤون التى تقوم بها عادة الخادم حينما تكون هى منهمكة فى اعداد الطعام وتباشر ترتيب المنزل بعد انتهاء الخادم من عملها ، فاجابتها سعاد بانها بدات تشعر بملل من البقاء بدون عمل ، وبان المكوث بدون حركه يضر صحتها فتحس بالتعب بدون ان تقوم بعمل اى شئ . . . ونظرت علياء الى الساعة فراتها تناهز الثامنة ، متى استيقظت سعاد ؟ لقد نهضت بدون شك فى السادسة او قبلها . . .
وبعد هنيهة هبط رضا ، وتناول فطور الصباح معها وهم يتضاحكون ويتنادرون ، ثم خرج بعد ارتداء ملابسه لحلاقة شعره . . وحين دخلت علياء المطبخ للطهى دخلت وراءها سعاد وطلبت ان تسمح لها بمساعدتها ، وجاء الغلام الذى من عادته ان يشترى حاجيات السوق فخرجت له علياء واوصته بما يلزم ان يحضره ، وعادت للمطبخ فوجدت سعاد وهى تنفض الغبار وترتب العلب فى الخزانة ، وتعطى رايها فى امكانية نقل الخزانة لجهة اخرى من المطبخ
وفى صنع ستائر للنوافذ ، وصنع رف صغير يوضع عليه جهاز الراديو وبمقابله رف آخر يوضع عليه اصيص من الزهور واعلنت بانها لا تحب لون الحيطان لانه داكن جدا . . . واستمعت علياء اليها بصبر وهى تتظاهر بالارتياح لارائها بينما كان قلبها يتضارب بشتى الانفعالات . . وحين بداتا الطبخ اخذت سعاد تعدد لها طرق امها فى الطهى وتحبذها بينما كانت علياء ساكتة لا تتكلم . . .
وفى اليوم الثانى رات ان اللوحة الكبيرة التى فى الصالون ليست فى مكانها فظنت ان سعاد انزلتها لتنظيفها ، ولم يرعها الا حين قالت لها سعاد بان مكانها هناك ليس مناسبا ابدا ، وبانها وجدت لها مكانا انسب . . . واخذت تتامل سعاد وهى تتنقل فى ارجاء المنزل بحيوية ونشاط وتلقى اوامرها على الخادم لتناولها هذا الشئ او ذاك ، فتنظر اليها مبتسمة وهى تقول لها بانها ستستيقظ عمدا قبلها لتعاونها فى المطبخ بعد تنظيف المنزل ، وبانها ستخرج بعد الظهر لشراء القماش لكساء النوافذ الصغيرة وزخرفة الرفوف . . . هكذا بدون ان تشاورها او تسالها رايها . . . وحين دخلتا المطبخ اخذت سعاد تقطع اللحم والبصل وتغسل الخضار وبقيت علياء واقفة تنظر اليها وفجاة احست بثورة عارمة تحتدم فى صدرها . . ماذا فتاة فى عمر سعاد تدعى معرفة كل شئ وتستولى مرة واحدة على اعمالها كلها التى كانت تملا وقتها . . . ولم تفه ببنت شفة ، فادعت انها تحس بالم فى راسها وصعدت السلم وتمددت على فراشها ، وبعد هنيهة لحقتها سعاد وبيدها كاس عصير الليمون وطابع اسبيرين فشربت العصير مرغمة وتظاهرت بالمرض وطلبت من سعاد ان تتم عملها . .
لقد كانت سعيدة الى حين قصير ، اما الآن فلا شئ من ذلك ، لقد فقدت اهميتها بالكلية منذ دخلت سعاد المنزل . . . كانت تقف فى النافذة وتودع ابنها ملوحة بمحرمتها فاذا بسعاد تهبط معه وتحادثه ، وتكون آخر ابتساماته لها ، وتعود سعاد متهللة فرحة بينما تقف هى فى النافذة كالصنم . . . ويستيقظ ضميرها ليذكرها بان سعاد فتاة لطيفة مؤدبة وبانها تسعى جهدها لتخفيف اعباء المنزل عنها وتعتنى اكبر عناية بزوجها . . . ويقول لها قلبها ، ما فائدة حياتك بعد الآن بعد ان استولت سعاد على كل شئ ، حب ابنك الوحيد رضا ، واصبحت لها كامل السلطة فى المنزل . . .
اجل لم يبق لها شئ ، لقد افتكت سعاد كل شئ من يدها واحست بان لهيبا يتصاعد من احشائها وبعاطفة بغض وكره تساورها ازاء سعاد . . .
وبقيت علياء مدة من الزمن هكذا ، تارة تدعى المرض ، وتارة اخرى تخرج فى الصباح من المنزل لزيارة بعض الاقارب ولا تعود الا فى المساء ولكنها كانت
صموتا تستطيع كتمان عواطفها فى صدرها خشية افساد هناء ابنها . . .
واخذت تحس بوحشة ممضة ومرارة الحياة ، وبفراغ تدور فيه تائهة السبيل لا تعلم الى اين تتجه وكيف تسير . . . كانت تعيش فى السابق لابنها ولم يعد هذا الابن فى حاجة اليها ، وكانت مغرمة بترتيب المنزل وادارته فاصبحت الآن تديره كنتها بمعونة الخادم ، ولم يبق لها الا ان تصنع القهوة وترتق الثياب او تصنع نوعا من الطعام يطلب منها رضا ان تهيئه له لان سعاد لا تحسن صنعه . .
لقد كانت كل شئ فى حياة رضا ، وصارت الآن تعيش على الهامش فلا غيابها يؤثر ولا حضورها يدعو الى الابتهاج والسرور ، وكثيرا ما كانت تغيب يومين متوالين فى منزل اختها وتجد كل شئ لدى رجوعها على احسن ما يكون
وكانت تمنى نفسها بالسعادة الكاملة حين تحل الكنة فى منزلها ، واذا بهذه السعادة تنقلب الى وحشة قاسية وفارغ كبير . . يا الله كم كانت سعيدة راضية قبل ان تحل هذه الكنة فى منزلها ، كان يخيل اليها انها ستستمع الى تغريد العنادل والشحارير واذا بها تسمع اصوات الغربان والبوم . . وفى كل يوم كانت المرارة والقلق دون ان تفتح فمها باى شكوى . . وكانت سعاد نشطة كعادتها حتى بعد ان ظهر حملها وتكور بطنها امامها . . . ودخلت سعاد فى شهرها التاسع ، ولكنها بقيت مداومة على حركتها ونشاطها وان بدت اكثر ثقلا وابطأ حركة ، الا ان عملها بقى على حاله لم ينقص ، بل ازداد لانها كانت كل يوم تخيط جهاز الصغير فى الامسيات على آلة الخياطة وحين كانت تدعوها الى الراحة لتستلم هى مكانها فى المنزل والمطبخ كانت تجيبها بانها لا تحس بادنى تعب ، فتلوذ علياء بالصمت ولا تجد الا ان تخرج او ترقع بعض الثياب ، او تتمدد على احدى الارائك وهى تتثاءب ولا تدرى كيف تمضى وقتها الطويل . . .
وفاجأت الام ولادة سعاد ووضعت طفلة جميلة اسمتها وداد ، وبعد رجوعها
من المصحة ، حمل رضا وداد على يديه وتقدم من والدته قائلا . . لقد اتفقت انا وسعاد على ان نهدى لك وداد فهل تقبلين هديتنا ؟ ؟
- تهدياننى وداد ؟ كيف ؟ . . فرنت ضحكة سعاد وهى تقول ، اجل يا عمتاه ، انت التى ستتكلفين بها اذا اردت ، اما انا فساقوم بارضاعها فقط . . سأدعها لك لتربيها وترقديها فى حجرتك . . اريد ان تنشأ فتاة صالحة كما نشأ ابوها
وتلقفت علياء وداد من يدى رضا وضمتها الى صدرها مبتسمة راضية ، واحست بان ماء من السماء هبط على فؤادها وغسل جميع همومها . . . وصرخت وداد ، فخيل اليها انها تسمع صوت العنادل كما كانت ترجو وتتمنى . . .
