لاحظ بعض المؤرخين ان الحضارة المغربية تأثرت فى كثير من ملامحها بالحضارة الاندلسية التى يعتبر أصلها الحقيقى هو الحضارة السورية التى كانت منتشرة ببلاد الشام كلها ، فاللباس الابيض المنتشر فى المغرب مأخوذ من الاندلس ودمشق ، وهكذا نجد بعض المؤرخين الكبار يصفون الحياة الاجتماعية بالمغرب خلال هذه الفترة التى عرفت الحضارة فيها ازدهار عظيما .
ولقد عنى المقرى في كتابه (( نفح الطيب )) بالتأريخ لهذه الفترة حيث ذكر ان اهل الاندلس تفرقوا بعد الفتنة بين مدن وقرى المغرب الاقصى ، فالذين سكنوا البادية استنبطوا المياه وغرسوا الاشجار واحدثوا الاراحى الطاحنة التى تدار بواسطة الماء ، وعلموا بدو القرى المغربية ما لم يسبق لهم ان تعلموه ، ومال أهل الحواضر الى المدن فاستوطنوها فتفوق اهل الصنائع منهم على سكان المغرب الحقيقيين ولا سيما البربر ، وصيروهم اتباعا لهم ومتصرفين بين ايديهم، فمتى دخلوا الى شغل تقنوه وتعلموه فى اقرب مدة .
-٢- أما المغ رخ حسن الوزان المعروف ( بليون الافريقى ) فقد تحدث في مخطوطه عن طبقات المجتمع حيث قسم السكان الى حضر وبدو فذكر أن البدو نوعان : بدو رحال يعتمدون على الجمال والخيام ولا يرتبطون ببقعة معينة من الارض فهم يتنقلون من مكان لآخر بحثا عن عيشهم فكانت هوايتهم تربية المواشى التى ينقلونها معهم اينما رحلوا وارتحلوا ، وهناك بدو نصف رحال وهم الذين يعيشون فى قمم الجبال ، وهناك نوع ثالث من البدو الذين يستقرون بـ (( ـآجدير )) بسوس ، و ( آجدير ) اسم يطلق على قلعة كانت ملجأ للسوسيين (١)
وقد تحدث ليون الافريقى عن الحياة الاجتماعية لسكان القبائل المغربية فذكر أن برابرة الاطلس كان غذاؤهم متنوعا يحتسون الحساء فى الصباح ( او العصيدة ) ، وفى الغداء يأكلون اللحوم والجبن واحيانا ( الكسكوس ) ، اما سكان الريف فيعتمدون
في غذائهم على الاسماك والكروم واللوز والتين والزيوت .
ويحدثنا حسن الوزان عن مظهر اللباس والزينة فيصف لباس سكان فاس ومراكش فيقول
(( كان الرجل في فاس يلبس ( السلهام ) و ( الطربوش ) و ( القفطان ) و ( الفرجية ) و ( البلغه ) . أما النساء فيلبسن ( المنصورية ) (٢) و ( القفطان ) وعند خروجهن من بيوتهن للأفراح يرتدين ( الحانك ) و ( الشربيل ) أو ( الريحية ) .
وكثير منهن يتحلين ( بالخلاخيل ) أو الاسورة المنقوشة من الذهب أو الفضة . أما معيشتهم فيأكلون الفواكه والحليب بكثرة ، ويتغذون على اللحوم والخضراوات، والضعاف منهم يأكلون اللحم مرتين في الاسبوع ( الجمعة ، والثلاثاء ) وكثيرا ما يأكلون الخليع والزياتين (٣) .
أما المغاربة غير المسلمين فيذكر ( ليون الافريقى ) أن معظمهم كان من اليهود الذين استقروا بالمغرب ففى القرن السابع عشر هاجر الى المغرب عدد كبير من اليهود فارين من الاضطهاد الذى تعرضوا له في الخارج وقد توسعوا فى مدن وقرى المغرب واستقروا في أهم المدن الساحلية واشتغلوا بالتجارة في الداخل والخارج فحققوا لأنفسهم أرباحا طائلة على حساب الاقتصاد المغربى الذى كان يعتمد على المحصولات الزراعية ، وقد احتكر اليهود بهذه الوسيلة أهم عناصر التجارة ، وقد كانت لهم أماكن خاصة للسكن تعرف ( بالملاح ) اذ لم يسمح لهم بالسكنى مع المسلمين ولذلك وجدت في أهم المدن المغربية
أحياء خاصة بالطائفة اليهودية ، كان اليهود يتوفرون بها على دكاكين ومحلات للتجارة وعلى منازل وبيوت للسكنى ( ومغارات ) لممارسة طقوس ديانتهم بكل حرية. مما يؤكد لنا ان الحكم الاسلامى في المغرب كان لا يضطهد اليهود بل كان يعطيهم كل حقوقهم ( ما لم يفعله الصهاينة مع اخواننا العرب في الاراضى المحتلة حيث حرقوا المسجد الاقصى ومنعوا المسلمين من القيام بواجبهم الدينى وممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية وهذا أعنف اضطهاد لاقاه المسلمون في حياتهم ).
ونعود الى (( ليون الافريقى )) الذى نجده يصف لنا نظام الادارة في المغرب على عهد الاندلس فيذكر ان الاتراك عملوا كفنيين في الادارة والجيش المغربى حتى ان المنصور السعدى تأثر بالقابهم ( كالباشا ) و ( القائد ) وهى ألقاب تركية لا زالت مستعملة في الادارة المغربية حتى الآن ،
وبعد ، فبهذا نكون قد زودنا القارىء بنظرة سريعة عن أسس الحضارة المغربية القديمة .

