الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

ضريبة الوحدة

Share

خرج الشيخ يوسف أمام كتابه ، فقاس الظل بأقدامه ، ليعرف هل حان وقت سراح ) القداشة ( ؟ . . ثم التفت نحو مدخل القرية فرأى حافله قادمة فتمنى ان تكون حاملة على متنها ابنه أحمد ! . . وبقى ينتظر ، حتى مرت دون ان تتوقف ، كما كانت تفعل كلما كانت تحمل ابنه أحمدا رأسه ، وراح في دوامة من التفكير . . الا ان صياح الصبيان ، وتشويشهم ، قطعا عليه هذا الاستغراق . . فرجع الى نفسه محوقلا . . ثم دلف الى داخل الكتاب ، فأمر تلامذته يوضع ألواحهم ومغادرة الكتاب . .

ولما بقى وحده ، مد يده الى رف حائطى ، فأخذ جريدة دسها فى قلنسوة برنسه وخرج تاركا باب الكتاب مواريا . . وفي طريقه التقى بصديقه الحاج صالح ، فترافقا الى دكان ) عيسى الحجام ( حيث تعودا الجلوس مع بعض الأصدقاء للتحدث عن بعض شؤون الدين ، مما يحلو لأمثالهم الجدل فيه : كالصلاة الموقعة ، وذات الجناحين ، كان هذا دأب الجماعة منذ أن التجأ عيسى الحجام الجزائري مع من التجأ من الاخوان الجزائريين الى هذه القرية الآمنة ، وفتح بها دكانا للحلاقة ، كتب على واجهته بالأحمر والأخضر : ) حلاقة المغرب الكبير (

وهو تعبير عن أمنية شعوب هذا المغرب الكبير فى الوحدة ولكن كيف السبل الى تحقيق هذه الأمنية ؟ ! . . وقلب هذا المغرب ما يزال ينخره سرطان استعمار غاشم

كان هذا ما يفكر به سكان القرية ، كلما تأملوا واجهة دكان عيسى . . هذا الدكان الذي جعله الشيخ يوسف وجماعته ، يتخذ بالرغم عنوانه شكل ناد ، يقضون فيه ساعات فراغهم وإنها لكثيرة ومتصلة . .

قطعة من مرآة ) قلص ( قسمت كما شاء لها التكسير أن تكون ، شدت الى الجدار الأبرص باطار من الجبس . . يجثم أمامها كرسى يترنح لأخف لمسة . ومن تحتها رف صغير عليه : موسى ومقص : يمثل نصلاه السبابة والوسطى . . وبعض فرشاة ، وقارورة ماء كولونيا . لا يعلم أحد سوى عيسى أنها من الصنع المحلى ، لذلك كان عيسى لا يضن بها على أى زائر الي و ( يدوش ( له رأسه منها ولسان حاله يقول : كل شىء من عند ربى . . وحقة بها قليل من عجين الصابون . ولا شئ سوى ذلك . .

فاذا تجاوزت ذلك الى داخل الدكان رأيت حصيرا تشهد آثار كى السجائر بقدم وجوده أو بكثرة رواده . .

على هذا الحصير يجلس الشيخ يوسف ومن حوله الجماعة . وقد يتداولون كلهم التخلف عن هذه الجلسات ، ولو لبعض الساعات ، إلا ) البلاعة ( . وهذا ما لقبه به عيسى الحجام لمبالغته فى احتساء الشاى ! . . حتى كلف نفسه ، دون شكر أو جزاء طبخ الشاى للجماعة ، بالإضافة الى الارشادات التى يمدها بها عن أى فرد منها : متى مر من أمام الدكان ؟ . وما كان يحمل ؟ . . ومع من كان ؟ . . الخ . .

ترشف الشيخ يوسف كأسه فى وقار ، ثم وضع نظارته على عينيه ، وكانت يدها اليمنى مشلولة ، فاستعاض عنها بخيط . . وجذب الجريدة من قلنسوته فغطى بها وجهه كالذى يقرأ ! . . وليس معنى ذلك انه لا يحسن القراءة . . وإنما لأنه كان أتى عما فى الجريدة من سطور مرارا ومرارا حتى كاد يستظهر كل تحويه حتى الاعلانات التجارية . .

والشيخ يوسف لم يكن يقرأ أى جريدة . . ويرى فى قراءتها مضيعة للوقت . . حتى اشترى له ابنه أحمد مذياعا صغيرا . . ولما كان محل أسئلة الجماعة عن الأحداث السياسية التى فرضت نفسها ، وأخذت تحل محل الجدل السطحي فى شؤون العبادات . . فلقد اعتنى الشيخ يوسف بالانصات الى بيانات الرئيس الأسبوعية . . فحمله هذا على التردد على نادى الشعبة فأهدى له أحد أعضائها وكان أحد تلاميذه اشتراكا فى جريدة ) العمل ( فكان يحلو له  ان يتابع خطاب الرئيس حين يذاع للمرة الثانية بالسماع وبالنظر الجريدة . .

طوى الشيخ يوسف الجريدة ، ورفع رأسه الى صورة الرئيس التى كانت معلقة بالجدار قائلا :

الله ، الله عليك يا سيد الأسياد .

فاعتدل الحاج صالح فى جلسته متسائلا - بينما اشرأبت اعناق الجماعة الى الشيخ - .

- ماذا وقع يا شيخ يوسف ؟

- فى كل يوم يقف هذا الرجل موقفا ينسيك مواقفه الأولى ! . .

ثم أردف الشيخ يوسف موضحا :

تعرفون كلكم ان هذه البلاد ما تزال لم تنفض عنها غبار معركة التحرر

فهي ما تزال منهوكة القوى ، لولا فضل من عزم حملها على استئناف العمل والدخول فى الجهاد الأكبر . . ألم تكن ميزانيتها - فى عهد الاحتلال - تمول بالقروض والمساعدات ؟ ولم يكن الجهاد الأكبر لينتصر على الفقر والجهل والمرض إلا بالاعتماد على النفس . . حتى يكون التحرر واقعا لا مجرد أسطر على ورق . ، حتى تكون هذه البلاد رافعة لواء حرية القارة السوداء كما قال شاعرنا مخاطبا هذا المجاهد الحبيب

وافريقيا إلى التحرير سارت                  تحطم غلها قيدا فقيدا

وقد كنت المنادى للتآخى           وللعقل المضل هدى ورشدا

وقد كنت الاباء بكل نفس                  يثور بها تصارع من تحدى

وقد كنت الضمير بكل حر                 يهيب به لأخذ الحق قصدا

وشعب المغرب العربى كنتم        له رمزا فكان لكم ممدا

ولاء خالصا يرفعه وعي             بما قدمت للوطن المفدى

بعزمك يوم وحدتنا تجلى            فمغربنا الكبير يريد عهدا

حلفنا نبتنيه اليوم صرحا             لاطماع العدو يكون سدا

ألا ان لم يكن منا اتحاد              فقد جئنا من الأعمال إدا

كان الشيخ يوسف يلقي هذه الأبيات فى تحمس بالغ ، ولما انتهى منها اخرج من جيب صدرته خرقة مسح بها أنفه ومررها على فمه يمينا ويسارا وقال مخاطبا الحاج صالح وحده

- ألا تعجب مع لمساومة فرنسا لهذا البطل على قضية الجزائر ! . . فأما أن يغلق الحدود في وجه المجاهدين ، واللاجئين وإما أن تقطع عليه مساعداتها وقروضها ، محاولة بذلك الضغط عليه . . إنها للحماقة والله ! .. ولكنه  بابائه المعهود ، وشهامته النادرة ، أعلنها مسفها أحلام أعداء الشعوب : أن لا حاجة له بمساعدات مشروطة . . وان لا سبيل الى منعنا من إعانة ثورة التحرير الزاحفة بقلب مغربنا وواصل الشيخ يوسف كلامه :

لقد أكد لهم أنه ما منعنا من خوض معركة الجزائر ، الا ان تبقى أرضنا بمدنها ، وقراها ، وفيافها ملجأ لمجاهديها فيه يجددون نشاطهم ، ومنه يستمدون ذخيرتهم

كان عيسى الحجام ينصت الى حديث الشيخ يوسف بكل جوارحه . . ولما لم يبد على الشيخ انه سينهى حديثه قفز عيسى الى صورة الرئيس فأخذها بين يديه ، وحملق فيها مليا كانه لم يرها من قبل . . ثم قبلها ، وضمها الى صدر متغنيا فى نغم جزائرى جميل

- يا سيدى ، يا عزيز على           ليك من الجزائر ألف التحية

أما الحاج صالح - وهو جزائرى استوطن هذه القرية منذ أن انقطع عن التعلم بجامع الزيتونة - فقد علق على كلام صديقه الشيخ يوسف بقوله :

- لا أعتقد أن عبد المؤمن بن على ، قد أكسب هذا المغرب العربى من أسباب الوحدة والمجد أكثر مما أكسبه هذا البطل المجاهد ! . .

أرجع عيسى الصورة الى مكانها . وطلب من ) البلاعة ( أن يناوله كأس شاى . فمد له البلاعة كأس شاى وزاده سيجارة .

وبينما كان عيسى يترشف الشاى ويدخن فى نشوة مما سمعه من الشي يوسف ، اقترب البلاعة من الجماعة وجلس القرفصاء وذكر انه حضر اجتماعا عقدته الشعبة . . دعت فيه الى التزام اليقظة . . لان غلاة المستعمرين بالجزائر ما انفكوا يرددون اعتزامهم الدخول فى معركة الحدود . . و ٠٠

فقاطعه عيسى فى سورة من الغضب

- قوللهم يجوا . . جبال الحدود . . نديروها عليهم لحود . . نحن كلنا صيود . . ما نبغى نموت كان بالبارود .

وعلى هذا انفض اجتماع الجماعة هذا اليوم . . ولم يبقى بالدكان مع عيسى سوى الشيخ يوسف ساهما ، مفكرا .

فسأله عيسى - أراك كل هذه الأيام تطيل التفكير . . هل لك ما يشغل بالك يا شيخ يوسف ؟ ٠٠

- أنت تعرف يا عيسى أن أحمد هو وحيدى ، بعث فى سبيل تعلمه كل ما كنت أملك ، حتى مكنته من الحصول على وظيف محترم . . ولما صار الى هذه الحال ، ومن سنة على التحديد أصبح لا يرد على رسائلي اليه . . وإن رد فبكلمات مقتضبة ! .

- لعله تزوج من فتاة من العاصمة . . إذ لا أرى أن شابا فى مثل أخلاق أحمد يجافى أبويه دون ما سبب ! . .

- لا . . لا أعتقد ذلك . . لأنه كان راسل والدته بواسطة أخته ، يطلب إليها أن تبحث له عن فتاة مناسبة ، حتى اذا رجع أمكنه عقد قرانه بها . . ولكن يا عيسى مانعت . . لانى أرى أن أحمد ما يزال صغيرا . .

- لقد أخطأت يا شيخ يوسف . . ألم تقل لنا كم مرة : إن من تزوج ملك نصف دينه ؟ ! . . فلو كتفته بفتاة يميل إليها هو ، وترضاها أنت . . لكن جنبت نفسك ما هى فيه . . وجنبت ابنك ما قد يقع فيه . .

- من تراها جديرة ان تكون شريكة حياة ابنى . . وتكون برة بنا فى ذات الوقت يا عيسى ؟

الحاج صالح صديقك . . وصفيك . وابنته زهية أعرف بالتأكيد أن ابنك أحمد ، يميل اليها . . لقد رأيته ينظر اليها باعجاب ظاهر ، يوم ان كانت واقفة أمام المنصة . . تنتظر تسلم الجائزة التى حصلت عليها لما نجحت فى نيل الشهادة الابتدائية . . . فما رأيك يا شيخ يوسف لو نذهب سويا مع بعض الاخوان لخطبتها ؟

فقام الشيخ يوسف . وصافح عيسى بحرارة بالغة شاكرا له حسن تدبيره . .

جمع الشيخ يوسف بعض الأقارب والاصدقاء وتوجه الى منزل الحاج صالح خاطبا ، راغبا فى بنت الحسب والنسب . . فتلقى الحاج صالح هذه الرغبة بكل حفاوة . . ولم يتردد فى التصريح بالموافقة . . فمد الحاضرون أيديهم لقراءة الفاتحة . . ثم هنا الصهرين وخرجوا . .

دخل الحاج صالح على زوجته مبشرا فتلقت بشراه بانكماش ، لانها كانت تنوى ان تزوج ابنتها زهية من جزائرى . . فرد عليها زوجها : بانه لم يبق هناك أى فرق بين جزائرى وتونسى ، مراكشى أو ليبى ، كلنا مغاربة عرب وكفى . . ثم أضاف قائلا : إن ما رغبني فى ابن الشيخ يوسف ؛ هو ما أصبحت تتمتع به المرأة في هذه البلاد من حقوق . . فليس للرجل ان يتزوج أكثر من واحدة . . وليس له ان يطردها من بيتها بالطلاق . . إلا متى أقام الأدلة على إضرارها به عن سوء نية . . ولا يكون ذلك إلا أمام القاضي . . وإلا فانه يتحمل غرامة رادعة لفائدة الزوجة . . أى ضمانات نطلبها لابنتنا أكثر من هذا يا امرأة . . فطابت نفسها ووافقته . .

أما الشيخ يوسف ، فقد عاد الى داره مهرولا ، ليزف البشرى لأهله . ومن باب الحوش صاح بأم أحمد ، ان زغردى . . زغردى . . فقد قرأت الفاتحة على ابنة الحاج صالح لابننا أحمد . .

لم يعتم منزل الشيخ يوسف أن صار يصخب بالمهنئين ، والمهنئات اللاتى اشعلن النجمة . . وتداولن على ترديد الأغاني . . وليس فى القرية امرأة لا تغنى . . وإلا فهي غير فرحة ولا تريد الفرحة لأهل الحفل . . الاصوات كلها جميلة وان تكن صراخا . . وكل لحن ينفثه المزمار ) القصبة ( أو الزكرة طروب وان كان نشازا . . لأن الفرحة تجعل كل شئ مستحسنا . . هذا الشأن هو الكفيل بتحقيق الانسجام بين جميع المحتفلين

تلقي أحمد رسالة والده ، وما تحمله من بشرى بغبطة عريضة ، لأن عيسى

الحجام كان صادقا فيما رواه للشيخ يوسف . فلم يمض أسبوع حتى كان أحمد قد أعد العدة للزفاف . . فأبرق الى والده باعتزامه القدوم ، لاتمام الفرحة ٠٠

وبينما كان الجمع ملتئما كعادته بدكان عيسى ، إذ دخل البلاعة الذى ذهب لاشتراء كمية الشاى يحمل ورقة زرقاء مطوية مدها للشيخ يوسف . فوضع هذا نظارته المشلولة على عينيه ، وفتح الورقة ، وقرأ فيها بصوت مسموع

استعدوا لحفل الزفاف . . السبت . . سآتي . . الجمعة أحمد

خرج الشيخ يوسف عن وقاره من فرط السرور ، فأخذ قارورة الكولونيا من أمام عيسى وشرع يرش الحاضرين ثم التفت الى الحاج صالح آمرا بلهجة عسكرية :

- قف . . استعد . - حاضر . . سيدى الضابط . فتكلم الجماعة بصوت واحد - الله يتمم عليكم بالخير . . ويرزق العروسين بالذرية الصالة وزاد البلاعة نافخا أوداجه كالخطيب - أنا اعتبر هذه الزيجة ، فى مثل هذه الظروف لبنة فى صرح المغرب العربى الكبير

فصفق الحاضرون للبلاعة . وأشار عيسى الى البلاعة معلقا . - عفا الله عن الشعبة إذ علمتك الحديث يا بلا بلاعة فضحك الحاضرون من مداعبة عيسى للبلاعة توجه الشيخ يوسف الى الجماعة قبل أن يغادرهم

- لقد كانت فرحتى ثلاثا : الأولى : رضاء أحمد بما فعلت الثانية : اعتزامه المجيء . فهل عرفتم الفرحة الثالثة ؟ فتساءلوا هم بدورهم عما هى ؟ - فرحتى الثالثة بهذه البرقية . . لأنها الأولى التى أقرأها بنفسي وأنا لا أعرف غير العربية . . حمدا لك اللهم على نعمة الاستقلال ، حفظت بها دينك الحق . . وأحييت بها لغة قرآنك المبين

سرح تلامذته ، قبل الوقت المعتاد ، ليتفرغ لاستقبال ابنه أحمد . . جلس

الى جدار داره مع بعض الأقارب ينتظر الحافلة ، بل يتسمع ازيز محركها . . حتى اذا وصل الى أذنه منه شئ ، خفق قلبه ، واشتد وجيبه . .

توقفت الحافلة . . فنزل أحمد ، وأنزل معه عدة حقائب ، وصناديق . . فاستقبله الأهل والأصدقاء بحرارة ، وشوق . . وبعد أن استراح قليلا بجانب والدته ، التى كانت تقبله بين الحين والحين ، وتحدثه عن استعدادها لا تمام حفل الزفاف غدا كما شاء هو . . اصطحبه أبوه معه الى صلاة الجمعة ولملاقاة صهره الحاج صالح .

اندهش أحمد وهو يعبر أزقة قريته . . لكثرة عدد اللاجئين بها ، بالاضافة الى جنود جيش التحرير الجزائرى . الذين كانوا يجوسون خلالها فى حرية واطمئنان . . فعبر عن ذلك لمرافقيه مؤكدا : أن لا مظهر اخر أدل وحدة الشعور ووحدة المصير بين هذين الشعبين من هذا المظهر

الثنيات والمسارب ، الضيقة والملتوية ، المتصاعدة الى حد الهضاب المحيطة بالقرية ، والمنحدرة الى حد الوادى الذى تلتقى عنده الرحمة بالعذاب ، والحق بالباطل ، والسلم بالحرب والعدل بالظلم . . كل هذه الثنيات والمسارب كانت تتحالب بالمتسوقين ، من مختلف المداشر والقرى ، المجاورة . . عربات مجرورة . . أحمرة تحمل زنابيل مملوءة لفتا ، وجزرا ، وسلقا وبصلا . . وأخرى تحمل أكياس القمح والشعير . . يسوقها رجال تعلو أصواتهم بالحديث عن الفلاحة وعن المطر . .

فى الجو ، قطع من السحاب هنا وهناك ، ليس لها ان تحجب أشعة الشمس المتدفقة . . . الجو يميل الى الاعتدال وان كان الفصل شتاء . . صفوف من الخيام ) القواطين ( تحتل قلب القرية ، من تحتها يعرض أصحابها سلعهم أقمشة زاهية الالوان ، مما يروق لنساء القرية ارتداؤه . . بقول وخضر الشتاء . . توابل من كل نوع . . فواكه وغيرها . . براميل زيت ، وبراميل نفط . .

هذا ما تحفل به سوق هذه القرية كل سبت ! . . فاذا تجاوزت بائعى الحطب  والفحم ، وجدت نفسك فى سوق الحيوانات ، من ذات الخف وذات الحافر ، في كل ذلك تسمع المساومات والدعاء بالربح . . حركة دائبة . نداءات مختلفة . . طقوس للبيع والشراء ، ليس من السهل حذقها إلا بعد الاندماج فى أهلها ، اندماجهم ، فيما بينهم .

كان أحمد يتجول فى سوق قزيته مع ) جنادته ( يقودهم وزيره ، مستعيدا ذكريات طفولته ، وجزءا من شبابه : من هذا الدكان كنت اشترى الحمص

المقلي . . ومن هناك اشتريت فخا ، كنت أصطاد به العصافير أيام الثلج ووراء اصطبل العم عثمان كان تبادل اللكمات مع ابن قابض البريد الفرنسى . . وم بزال يذكر الجندرمي الاشقر الذى صفعه منتصرا لابن القابض

كان أحمد يروى هذه الذكريات . واذا بدوى وأزيز فى الجو يعلو اصوات الباعة وصراخهم . . فاشرأبت الأعناق . . وما هى إلا لحظات ، حتى ارتجت الارض ومن عليها ، النوافذ والأبواب فرت من جدرانها ، فانذهل الناس

وتملكهم فزع وحيرة ، فاختلطت عليهم السبل ، وسرعان ما ظهر في سماء  القرية سرب من قاذفات الموت والنار ، وناشرات الخراب والدمار . . كانت الطائرات تنزل حتى لتكاد ان تلامس سطوح المنازل ، ثم تتصاعد عموديا محلقة فى حركة جنونية . . وفي نزولها وتحليقها كانت تزرع الموت هنا وهناك فى وحشية لم تمارسها الوحوش ، ولا عرف تاريخ الجرائم والغدر لها مثيلا . .

القنابل اليدوية ، ترمي بشظاياها الأطفال والشيوخ . والنساء . . ترمي كل شئ حتى الحجارة ! . . كانت تتفتت كلما أصابتها شظية حادث هدفها . . ثم صارت الشظايا تتصادم بعضها ببعض ، لانها نار ، والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكل . . صمت الآذان ، ولم يصمت الرشاش . . وإذ لم يبق فى القرية ما يصلح أن يكون هدفا . . راحت المطاردات ترمي بحممها الغادين الى القرية ، والرائحين منها

عادت الطائرات من حيث أتت . . فانتشر سكون مزعج على القرية ، لا تشوبه سوى طقطقة الأخشاب المحرقة . . أخشاب السقوف والأبواب ، وما في الدكاكين والمنازل من أثاث قابل للاحتراق . . . أما الجو فقد أضحى خانقا برائحة البارود والدخان ، الذى كان يتصاعد من كل مكان فى القرية فيعلو فى السماء معلنا للقرى القريبة والبعيدة الكارثة التى حلت بقرية الشيخ يوسف

وخرج من كتبت لهم الحياة والسلامة من مخابئهم ، فرأوا ما أذهلهم وسمعوا ما فتت أكبادهم : موتى وجرحي من الانسان والحيوان . . الاشلاء اختلط بعضها ببعض فعسر التعرف عليها : رأس مفصولة عن جسدها ، يد مقطوعة من المرفق ، رسم عليها صاحبها بالوشم نجمة وهلالا . . ساق وبعض الفخذ ما تزال يسترها جزء من سراويل صاحبها . . شيخ أعمى شقت صدره شظية فانكب على وجهه . فربط بين فمه وقطعة من الخبز حبل من دمه المتجمد . . وما تزال يد ابنه الذى كان يقوده ممسكة بتلابيب قشابيته وقد أصيب هو الآخر بشظية فى بطنه أبرزت أمعاءه . .

الزيت ، والنفط ، والدم ، كلها التقت في مجرى واحد ، وأن اختلفت منابعها . .

هناك كان دكان . . . وهنا كانت مقهى ٠٠ ومن وراء ذلك جدار ، وبعض جدار . . ينبئك ما بقى بينهما من أثاث أن ما ترى كانت قاعة تعليم تضم بين ما كان لها من جدران صبية تسعى للنور ، وتحلم بعريض الآمال . . فهى فى شوق تأتي المدرسة . . وفي شوق تعود منها ، تحيا بين منهلين يتدفقان عذوبة وحنانا ، فها هى اليوم تلقى الموت ، إذ هي تسعى للحياة . . وتلقي الظلام ، إذ هي تسعى للنور . . . تطلب الماء فتسقى النار . . لم تشفع لها براءة الطفولة ولا قداسه العلم . ألواح لم تزل بطباشيرها ، محافظ ، كتب كراسات ، مساطر وأقلام ، مبثوثة هنا وهناك بين جثث صغيرة منها المشوية بالنار ، ومنها المضرجة بدمائها . .

كانت ما تزال ترتسم ابتسامة على شفتى طفل فقد نصفه تماما كانما حز حزا بسكين جزار . . لعلها السخرية الابدية بحضارة الانسان الذى لا يخجل من انسانيته حين يستعين عنها بأفظع انواع الوحشية ! . . أو لعلها اللعنة الباقية للانسانية المزيفة . . .

كان الصياح والبكاء يطغي على أنين الجرحى وحشرجة المحتضرين . . الألم عرف ذروته فى قلوب الناس ، لكن المشاعر تجمدت . . وانحبست الكلمات فى الحلق . . فلم تعد سوى الأعين تتكلم . . وكل كلامها تساؤل عن قريب أو حبيب . .

وفى صوت ملؤه الأسى سمع الناس هذه العزمة الصادقة :

ايها الشهداء . . شهداء الغدر اطمئنوا فلقد عبدتم بدمائكم طريق الجلاء . . ورويتم بدمائكم شجرة الوحدة فلتكن دماؤكم ضريبة وحدة هذا المغرب الجبار .

وفى مقبرة القرية نام الشيخ يوسف الى جوار صديقه الحاج صالح وكانت آخر كلمة سمعتها زهية من أحمد حين هم بركوب الحافلة : موعدنا يوم الجلاء . .

اشترك في نشرتنا البريدية