المعيشة قبل الحب
الجنة حفت بالمكاره
قال الزبير : حدثني أبى قال : كان عندنا بالمدينة رجل من قريش ، كانت له امراة تعجبه ويعجبها ، وكانت تحول بينه وبين طلب الرزق ، وكل ذلك يحتمله لشدة محبته اياها فلما ساءت حاله وكثر دينه قال:
اذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه
شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الادنين كلا وأوشكت
قلوب ذوى القربى له ان تنكرا
ولا ترض من عيش بدون ولا تنم
وكيف ينام الليل من كان معسرا ؟!
وما طالب الحاجات من حيث يبتغى
من الناس الا من أجد وشمرا
فلما أصبح قال لامرأته : أنا والله أحبك ولا صبر لى على ما نحن فيه من ضيق العيش، فجهزينى ! فجهزته فخرج حتى قدم على معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه فقام بين الصفين فأخبره بحاله وأنشده الشعر ، فرق له وأمر له بألف دينار ، وقال له : لقد دلنى حالك على محبتك لاهلك وكراهيتك لفراقهم ، فخذ ، وانصرف اليهم .. فأخذها وانصرف راجعا .
كان عبدالله ابو السائب كثير الطلب غزير الأدب وله فكاهات مذكورة وأخبار مشهورة . . واتفق ان كانت سليمة المشاوبية عاشقة لأفلح مولى الزهريين ، فأتاها يوما أبو السائب المخزومى فقال : حدثينى هل أتاك من حبيبك رسول ؟ قالت : لا . قال : فهل قلت فى ذلك شعرا ؟ قالت نعم : ثم أنشدته :
ألا ليت لى نحو الحبيب مبلغا
يبلغه التسليم ثم يقول :
سليمة نضو ما ترجى حياتها .
من الشوق والشوق الشديد قتول
تعالج أحزانا وتبكى صبابة
وأنت لما تلقاه فيك جهول
فقال ابو السائب : انا والله رسولك ، فحفظ الشعر وتوجه نحو أفلح فى يوم صائف شديد حره ، فلقيه رجل من الانصار فقال :
يا أبا السائب عن أين اقبلت ؟ قال : من عند سليمة المشاوبية . قال : والى أين تريد ؟ قال : أريد أفلح مولى الزهريين أبلغه رسالتها ، قال : أفى مثل هذا الوقت ؟ قال : اليك يا ابن اخى ! فان الجنة حفت بالمكاره
