من 4 الى 8 ماى 1975، فى زغرب، إحدى المدن اليوغسلافية المتميزة بجمالها واشعاعها الثقافى، انعقدت للمرة الثامنة ندوة أدبية هامة شارك فيها شعراء ونقاد من 16 دولة، وكان لى شخصيا شرف تمثيل اتحاد الكتاب التونسيين بهذه الندوة التى كان موضوعها ((أدب الثورة والمقاومه ثلاثين سنة بعد الحرب العالمية الثانية)).
كان هذا اللقاء فرصة مكنت المشاركين من ضبط حصيلة حركة شعرية كان لها وسيكون لها دائما أثرها البالغ فى دعم نضال الشعوب المغلوبة على أمرها من أجل الحرية والكرامة.
ولقد سجل هذا النضال المرير الطويل فى كافة انحاء العالم أهدافا حاسمة آخرها ما سجل فى أفريقيا وفى جنوب شرقى آسيا. ولكن الامبرياليه لم تلق السلاح بعد، والفاشية الجديدة عادت الى التحرك فى أوروبا ذاتها تحرك وحش لم تحسن المقاومة قتله. كل هذا من شأنه أن يقلق الضمائر وأن يستدعى تظافر جهود ذوى العزائم الصادقة قصد القضاء نهائيا على الهيمنة والعنف. وكان هذا مما زاد فى أهمية ((ندوة زغرب))، ذلك أن هذا القلق وهذا الشعور الحاد بضرورة المقاومة المستمرة، إنما ينبع من وجدان الشعراء قبل غيرهم من الناس.
وهكذا كان للدراسات والتدخلات القيمة التى شهدتها هذه الندوة دلالتها وتأثرها، وقد أكدت من جديد أن الشعر هو قبل كل شىء انعكاس لضمير جماعى يقظ قادر على سبق الاحداث وعلى استشفاف بواطنها وعلى سماع ما تحمله من انذارات مبهمة.
ولقد سلط المشاركون بالخصوص وعلى سبيل المثال، أضواء جديدة كاشفة على إسهام ثلاثة من أكبر شعراء المقاومة فى العالم هم الفرنسى بول ايلوار (Paul Eluard) واليوغسلافى إيفان - قوران كوفاتشيتش
Ivan-Goran Kovacic والسوفييتى الكسندر تفاردوفسكى (Tvardovski) الذين كان لشعرهم أثر ملموس فى إذكاء روح التمرد وفى تعهد الثورة وفى تغير مجرى الاحداث. فرغم ارتباطهم بظروف تاريخية معينة، استطاع هؤلاء الشعراء أن يجعلوا لقصائدهم ولرؤياهم الكونية أبعادا تتجاوز حدود الزمان والمكان، فاذا هم بذلك شعراء الانسانية المعذبة المناضلة بآمالها وآلامها.
كما استمع الحاضرون الى عروض عامة وضحت مدلول الالتزام الشعرى بوصفه تفاعلا تلقائيا حرا ووعيا عميقا يتميز به ذوو الحساسية المفرطة القادرة على ضم الكون فى صدر واحد. وبذلك وقعت محاولة تقييم للكفاح المتواصل الذى ما انفك يخوضه الشعراء الاصيلون فى العالم ضد قوى الشر وضد كل ما يعرض القيم الانسانية للتلف وضد كل ما ينال من حق الشعوب فى الحياة الكريمة فى كنف السلم والتقدم الاجتماعى.
ولقد لاحظ الجميع، مستشهدين بالاحداث التاريخية حضور الشعراء البارز فى اللحظات الدقيقة التى تتقرر فيها مصائر الشعوب وتحسم فيها أقدار الأمم. إن الشعراء يقفون دائما قرب سرير الوطن الجريح لتوطيد ما يشده الى الحياة من أسباب، ولشحذ إرادة النصر فيه.
إن البندقية بمفردها لا تستطيع الفوز بغلبة دائمة إذ لا بد لها من قصيد ثورى يهيىء لها أسباب النصر، وليس من باب الصدفة أن يكون عدد من زعماء الثورة فى العالم شعراء من أمثال ماوتسى تونع وهوشى منه. إن القصيد الثورى طلق متواتر لا ينفد ولا يخطئ مرماه، لذلك استطاعت الفئات القليلة الضعيفة قهر فئات أكثر منها وأقوى. إنه ليصعب حقا تصور حماس العديد من حركات التحرير وطول نفسها وانتصارها آخر الأمر، بدون تدخل الشعراء يعمدون الى تعبئة الطاقات الروحية التى لا تتم بدونها تعبئة الطاقات المادية. الشعراء هم الذين يوحدون آمال الأمة ويرفعون معنوياتها ويعلمون الناس رفض الظلم والعدوان.
إن الحروب العادلة تحظى وحدها بمساندة الشعر الاصيل، وذلك عامل من عوامل انتهائها الى النصر، بينما تؤول الحروب القذرة الى الفشل على الدوام مهما كانت الوسائل المستعملة ولكن أترى الشعر فى عصرنا هذا الذى تسيطر عليه وتتحكم فى مقدراته قوى جديدة وتكنولوجيات غيرت كل المفاهيم وفرضت مراجعة كل القيم وكل الغايات والوسائل، أتراه لا
يستطيع ابلاغ صوته إلا وسط قرقعة السلاح وجلبة الغضب؟ لا بالتأكيد! فالشعر لا يزدهر فى الواقع إلا فى ظل السلام والمحبة.
لذلك عندما يعمد الشعر الى مكافحة الظلم والحمق وتلوث المحيط الطبيعى والثقافى، انما يكافح فى الحقيقة من اجل الابقاء على مبررات وجوده وعله كيانه.
كل هذه الموضوعات اثيرت فى زغرب، وهذا مما يجعل الشعراء يعمقون وعيهم بمنزلتهم وبمسؤولياتهم على صعيد الانسانية جمعاء، ويجددون معداتهم اللغوية بما يضمن الاتصال من جديد بجماهير يداخلها الارتباك أمام التجارب الشعرية الموغلة فى الاغماض والتى، إن دام هذا الحال، قد تجعل الطلاق بين الشاعر وقرائه ومستمعيه بدون رجعة.
لم يتمكن شعراء فيتنام من حضور ندوة زغرب لانشغالهم بالمشاركة فى الاحتفالات الشعبية بمناسبة عبد النصر، فأرسل اليهم اتحاد الكتاب اليوغسلافيين هدية طريفة: باخرة مشحونة بالورق ليتمكنوا من مواجهة أزمة الطباعة فى بلادهم، إنها حمولة لا تقل أهمية عن شحنة أسلحة، فهل هناك أروع من هذا التضامن وأبلغ من الرمز؟
ومن يدرى لعل أصدقاءنا اليوغسلافيين يقدمون هدية مماثلة للشعراء الفلسطينسين، خاصة بعد ان تولى أستاذ جامعى فرنسى شاب ((جان ميشال باليمى)) J. M. Palmier تقديم دراسة عن شعر الكفاح الفلسطينى، وبعد أن قدمت، أنا شخصيا، دراسة عامة عن التمرد والمقاومة فى الشعر العربى منذ البداية الى المرحلة الحالية من نضال الشعوب العربية، وكان للدراستين فضل اثارة اهتمام كل المشاركين بدون استثناء، بالقضية العربية الفلسطينية وبما تمخضت عنه على صعيدى الفكر والفن من آثار قيمة تتجاوز حدودها المحلية لتعبر عن الانسان عامة فى مواجهة المصي.ر
أمام تهكم البله ممن يدعون الذكاء ويظنون أن مفاتيح المعرفة والتحكم فى الطبيعة وتسيير الكون، إنما هى فى قبضة التكنولوجيا دون سواها، أثبتت ندوة زغرب أن الشعراء بوصفهم حفظة القيم الانسانية الخالدة، وبوصفهم الضمير اليقظ القلق أبدا، يستطيعون إنقاذ البشرية من كل ما يتهدد حريتها ويفسد جوهر أحاسيسها، ويستطيعون كذلك منع الوسيلة من أن تصبح غاية.
