الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

عائشه .. والأبواب الاربعة

Share

عندما تصدر رواية عربية جديدة فى تونس او الجزائر او المغرب الاقصى ، يجد الناقد نفسه بالضرورة امام عدة اشكاليات تخص ضوابط الحكم ومعايير التقويم .. فهل يحاسب هذه الرواية بالنسبة الى ذاتها وصاحبها ومحيطها ، ام بالنسبة الى منجزات الرواية العربية الحديثة عموما ؟ هل يضع فى اعتباره ذلك الصراع السرى والمعلن معا بين تقاليد الادب الغربى واساسا الفرنسى واللغة العربية فى هذه الاقطار ؟

واذا كان صراع الاجيال فى الرواية العربية الحديثة من العلامات الفارقة فى تطورنا الادبي ، فهل يمكن تلمس هذه العلامة فى الرواية الجزائرية أو المغربية أو التونسية ؟

تحاول رواية (( عائشة )) للكتاب التونسى الاستاذ البشير بن سلامة ان تجيب فى ثنايا موضوعها ومضمونها ولغتها وبنيتها القصصية عن بعض هذه الاشكاليات جوابا يتفق فى الكثير مع اجوبة الرواية العربية فى اقطار المغرب العربى .

تجيب اولا واساسا بأنها رواية عربية تونسية . اى انها ثمرة شرعية للتطور الروائى العربى من ناحية ، وابنة التقاليد الادبية السارية المفعول فى الرواية التونسية من ناحية اخرى .

بهذا المعنى ، فهى تنضم منذ البداية ، الى قافلة المقاومة الثقافية المغربية للاغتراب بكل معانيه الفكرية والجمالية ، سواء بالتأثر التقريرى المباشر بأحدث المودات الروائية فى الغرب ، أو بتجنب المواجهة المباشرة مع المجتمع الوطنى بكل ما فيه وما له وما عليه عبر اللواذ بالقضايا الانسانية الكبرى أو العذابات الذاتية المجردة .

يعمد البشير بن سلامة منذ البداية الى تجذير المحور الرئيسى فى الرواية او الرباعية - فقصة عائشة هى الجزء الاول من اربعة اجزاء - بأن يجعل من

((التطور)) التاريخى الاجتماعى الثقافى هو الهيكل الروائى . لسنا اذن امام رباعية بالمعنى المتعارف عليه عند وليم فوكنر فى ((الصخب والعنف)) او د. ه. لورنس فى (( رباعية الاسكندرية )) وهو المعنى الذى تداولته الرواية المصرية عند فتحى غانم فى ((الرجل الذى فقد ظله)) وصوفى عبد الله فى ((لعنة الجسد)) حيث تتحول الاجزاء الاربعة الى وجهات نظر اربع لحدث واحد يقول ان الحقيقة نسبية فى هذا الوجود .

لا . لا يقترب البشير بن سلامة من هذا التصور ، ولكنه اقرب وابعد ما يكون من نجيب محفوظ فى ثلاثيته الشهيرة ((بين القصرين)) . انه اقرب الى نجيب محفوظ من حيث ان التطور التاريخى الاجتماعى هو البطل الروائى الذى ندعوه ((الزمن)) . ولكنه ليس الزمن التجريدى المبسط ، بل الزمن المثقل بمداخلات الجغرافيا والتاريخ والانسان والنفس البشرية .

وهو ابعد ما يكون عن نجيب محفوظ من حيث اعتماد الروائى المصرى على ما يدعوه جمال حمدان بعبقرية المكان . لذلك لم تكن مصادفة ان يسمى اجزاء ثلاثيته بأسماء الامكنة لا بأسماء الابطال ، وهو الامر الذى ينعكس جماليا على المعمار الفنى للثلاثية . اما البشير بن سلامة ، فانه يعتمد السيرة الذاتية للانسان - الفرد تجسيدا نمطيا للمجتمع مما ينعكس جماليا كذلك على معماره الفنى .

وهو المعمار الذى يؤسس رؤية مزدوجة : رؤية اجتماعية للفرد ورؤية ذاتية للمجتمع ، كما يرسخ هيكلا مزدوجا من البنى : فالتطور يعنى الزمن التاريخى من جهة كما يعنى الانعكاس النفسى والصدى الاخلاقى من جهة اخرى .

وهكذا تبدأ رباعية (( العابرون )) بقصة عائشة التى سيليها على وعادل والناصر دون ان يعنى ذلك اننا بصدد رواية تاريخية ولا رواية الحقيقة النسبية . وانما نحن بصدد رواية تأسيسية ان جاز التعبير عن الفعل الاجتماعى - الثقافى الذى يمارسه الروائى سواء باختيار ((اللحظة النموذجية)) للحدث ، او باختيار ((الشخصيات النمطية)) للمواقف ، او باختيار ((ادوات التعبير)) وفى مقدمتها اللغة .

قصة عائشة من حيث الشكل الخارجى ، ليست اكثر من خواطر على وهو يمشى فى جنازتها ، اننا نرى الاحداث اذن بعدسة على ، وهى الاحداث التى تجرنا الى المشهد الاجتماعى التونسى فى اوائل هذا القرن قبيل الحرب

العالمية الاولى بقليل ، أى بعد حوالى ثلاثين عاما من الاحتلال الفرنسى لتونس . كما تضعنا الاحداث وجها لوجه امام ((الطاهر)) والد عائشة الذى يبلغ من العمر فى ذلك الوقت حوالى الخامسة عشرة ، صبى فى الرابعة الابتدائية ، يغامر لمغادرة القرية الى العاصمة .

وسنلاحظ على الفور ان تقسيم ((عائشة)) الى اربعة ابواب : ((باب العرش)) و((باب الخضرة)) و((باب سطح)) و((باب الجنان)) . وبالرغم من انها كلها مسميات لامكنة حقيقية ، الا انها فى حياة الطاهر وعائلته ومحيطه هى اربع بنى دلالية يرتكز عليها البناء الروائى فى ارتباطه المحكم ببنى ((مرحلة الانتقال)) التى يجتازها الافراد جنبا الى جنب مع الشرائح الاجتماعية التى يجسدونها .. فالانتقال من باب الى باب ليس انتقالا سرديا بالحكاية من مرحلة الى أخرى إلا من حيث الاطار الخارجى للحدث ولكنه انتقال تاريخى - اجتماعى للانماط البشرية من حيث الجوهر .

ان احتياج الروائى الى ((النمطية)) فى صياغة الشخصيات هو المؤشر الاول الى انه يستهدف للتأسيس الجمالى بأن يكون موازيا للتأسيس الاجتماعى .. فهو لم يبدأ من النقطة التى انتهت اليها الرواية التونسية فى اعمال الرواد ، وانما هو يرى ضرورة الالتحام بين الرواية والمجتمع حتى لا تكون هناك الفجوات والاصداء . فجوات الزمن الروائى - الاجتماعى ، واصداء الاغتراب الثقافى عن المجتمع . ومن هنا قد يرى البعض فى ((عائشة)) قصة كلاسيكية . ولكنها رؤية ناقصة ، لان استخدام الادوات الكلاسيكية بحد ذاته لا يصنع رواية كلاسيكية ، فالمهم هو الرؤيا الفنية . ورؤيا البشير بن سلامة على طول المدى الروائى لا علاقة لها من قريب او بعيد بالرؤى الكلاسيكية أو الرومانتيكية . وانما هى الرؤيا التأسيسية التى تبعث مجتمعا الى الوجود الروائى باحدى لغات العصر الحديث : اللغة الاجتماعية - النفسية .

من هنا كان احتياجه الشديد الى النمطية ، فالطاهر لا يمثل (( نفسه )) وحدها ، ولا الناصر ولا عائشة ((ذاتها)) بقدر ما يمثلون شرائح اجتماعية كاملة فى ((بنية)) انتقالية من ((حياة)) المجتمع لا ((تاريخه)) . على هذا النحو ، فالروائى لا يغفل الجوانب ((الشخصية)) التى تميز الفرد عن الآخر عبر التجوال فى دهاليزه النفسية وسلوكه اليومى . ولكن مجموع الملامح النفسية واشكال السلوك تصوغ فى ما بينها ((نمطا)) بشريا اكثر كثيرا مما تصوغ الشذوذ والاستثناء . وهو الامر الذى يستدعيه بناء مرحلة تاريخية فى حياة المجتمع التونسى . ليس تاريخا ، ولكنه حياة . وليست ((صورة)) أو بانوراما للحياة ،

بقدر ما هو تأصيل لحركتها عبر الابواب الاربعة . وهذا ما نقصده بالتأسيس المزدوج ، الاجتماعى والجمالى معا . وهو شبيه التأسيس الذى قصده نجيب محفوظ قصدا ، فالثلاثية ليست تاريخا لمصر الحديثة فى ربع قرن ، وانما هى بنية روائية تعكس البنى الاجتماعية فى ذلك الوقت وفى حركتها . ومن هنا كانت رواية لا وثيقة رغم ((نمطية)) الشخصيات .

الوطن المحتل ، هو الصورة الخلفية لكافة الاضواء والظلال المعكوسة فى بناء الشخصيات والاحداث والمواقف ، فالطاهر يبدأ مغامرته وهو تلميذ يستنطقه الفرنسى لا بحثا عن الحقيقة ، فأية (( حقيقة ترجى من وراء هؤلاء العرب الكذابين الافاكين فى نظر اسياد البلاد والحامين لها )) يقول فى نفسه، وللتلاميذ يقول اكثر ، فلولا فرنسا (( لبقيتم اميين لا تعرفون الا الهبهبة فى الكتاب ومحو الالواح فى الاوساخ .. انتم لا تعترفون بالجميل وتتنكرون لرسالة فرنسا التمدينية .. ولكنكم ستسجنون حتى يكون لكم السجن درسا فى حياتكم فلا تفكروا ابدا فى العصيان . ان فرنسا قوية)) .

وهو يدرى ((ان فرنسا تجند اولاد الناس من التوانسة لتدفعهم الى الحرب فى الصف الاول ليحصدهم الموت حصدا)) . هكذا بدأت مغادرة الطاهر الى العاصمة ، وفى مخيلته انه سيصير شيئا آخر ، ولكنه ((وقف ذات مرة بباب البحر ينظر الى الرخاء عند الاوروبيين واذا به يحس ببلل على ساقه ، فالتفت فوجد كلبا لامرأة اوروبية يتبول عليه)) .

ليست العاصمة اذن اكثر من صورة مكبرة لما كان فيه ، ولكن كواليسها تخفى اكثر مما تظهر . من هنا كانت لحظة الانتقال من باب العرش الى باب الخضرة بنية دلالية كاملة . . حيث ((الفريك مصطفى)) بقصره الكبير وعلية القوم يعلوهم الباى الذى يعلوه الفرنسيون . فى قصر ((الفريك)) تتم الولادة الجديدة للطاهر الذى ينفض عنه القديم كل القديم . يودع الفقر والجوع والقذارة والامية ، ويصبح واحدا من اهل البيت . والبيت او القصر هو ((مرحلة كاملة)) هى باب العرش ، الذى يضم كافة التناقضات الاجتماعية فى البرجوازية التونسية التابعة للاجنبى من جهة والشعب من جهة اخرى .. فالقصر هو ((النمط)) البشرى والاخلاقى والنفسى ، وهو ((الطموح)) من جانب هذه الفئة التى يمثلها الطاهر ، هو ((الحلم)) واللاوعى المسيطر . ويسلك الروائى فى هذا الجزء من الرواية اسلوب المتابعة للشعيرات الدقيقة النامية فى اعماق النفس وبين خلجات الجسد ، بحيث يصبح عادل - ابن الفريك -

نموذجا نمطيا جاهزا لتجسيد مستقبل هذه الشريحة العليا من سادة البلاط . وليس ((انحلاله)) الجنسى الا عنوانا بارزا ومؤشرا حاسما على هذا المستقبل الذى يبدأ بالفريك غارقا فى الوحل ولا ينتهى بالعالم السرى من الشبق والشهوات . وهو العالم الذى يحرك فيه الكاتب داخله الكائنات الحية و((الاشياء)) وفقا لمعادلات الرمز الكامنة بين اللغة والواقع .

فى هذا المناخر تولد عائشة ، ثمرة التاريخ والجغرافيا ، فى القصر ، من زبيدة والطاهر . وكان القصر بكل ما يرمز اليه قد بدأ مسيرته الحتمية الى الانهيار على كافة المستويات . وقد اراد الطاهر لابنته قدرا آخر . وتتم زيارته للقرية فى الوقت الذى يصل فيه عادل - ابن ولى النعم - الى فراش زبيدة . وبعد تسعة اشهر تلد الناصر كما سماه عادل ووافق الطاهر . بعدها باسبوع غادرت العائلة القصر الى بيت متواضع . وفى هذا الخروج - الانتقال ، نتمكن من التعرف على الصورة الاكثر شمولا . زبيدة تعاتب الفريك على انه سمح للطاهر بالخروج فيقول لها : ((يا بنيتى ، سألنى الطاهر يوما عن سبب توانى الباى فى الدفاع عن مصالح الشعب فأجبته بأننى لا ادرى فقال : كيف لا تدرى وانت فريك تدخل قصر الباى متى تشاء ؟ لماذا لا تحدثه بآلام هذا الشعب .. هذه حياة العبيد المركبة ، البايات عبيد الفرنسيين ، وانتم عبيد البايات . انتم عبيد العبيد . ان ابقى مرتبطا ؟ برجل يعيش فى كابوس من اجل الفخفخة والنياشين ؟ انا لا اريد ان احيا حياة العبيد ولا ان اترك أبنائي يعيشون بعيدا عن طبقتى وبعيدا عن كافة الشعب)) . بعد هذه الزيارة مات الفريك ، ومعه كان عالم كامل يحتضر.

لا تستدرج التفاصيل مؤلفة ((عائشة)) فهو يعمد اليها كرتوش خارجى اكثر منها استكمالا سرديا او حواريا للرواية . ولذلك فهو يقتنص من المواقف الدالة اكثرها ارتباطا بالمجرى العام ، ويدقق فيها النظر لدرجة ((التفصيل)) فى هذه الجزئية او تلك دون ان يتدرج بنا تفصيلا .. لذلك فما نظنه ((قفزات)) غير كلاسيكية ، هو فى البنيان الروائى اسقاط لمفهوم الحكاية السردى وتكثيف متناهى الاطراف للحدث الرئيسى . وربما كانت المشكلة هنا هى ان الطاهر - والد عائشة - استحوذ على الجانب الاكبر من الصياغة الحدثية فنراه وقد تزوج مرة اخرى من سكيلة واولادها الثلاثة قبل رحيله من جديد الى القرية .. بينما تبقى عائشة فى منطقة الظل فترة طويلة ، تطالعنا بين الحين والآخر بنحافتها ووجهها الاسمر ودقة ملامحها كنقيض لاخيها الناصر صاحب الوجه القمرى المأخوذ عن عادل . واضواء

قنابل الحرب تغطى على ظلامات المصير الذى ينشب اظفاره فى جذور الاسرة المزدوجة الامومة . وتبقى عائشة طيفا رقيقا يعانى الاهوال فى داخله بصمت . وتبقى امها زبيدة فى عربدة النفس الخفية بعد ان همدت عربدة الجسد ، خاصة بعد ان دخل الناصر السجن واذا بعادل هناك .

فى القرية نبدأ رحلتنا الثانية الى الباب الثالث ، باب الجنان بين الكروم واشجار التين فى صيف البستان الجميل . وفى باب الجنان استطاع سالم ابن سكيلة زوجة الاب من ان يتسلل الى قلب عائشة ثم الى تحت ثيابها . وكان هذا هو ((الحدث)) السرى ، وليس خروج الناصر من السجن الى العلن . ولكن الكراهية بين الطاهر - الدكتاتور المنكسر - والناصر الابن المشكوك فيه ، لا تلبث ان تحيط الحدث الجديد بالدخان الشديد حين يستولى الناصر على جسد زوجة ابيه .. وهو ((المشهد)) الذى صعق عائشة صعقا . وسوف تتحول هذه الصاعقة الى بنية دلالية كاملة حين ترفض سكيلة ان يتزوج ابنها من عائشة فيسلم نفسه الى الجندية فى الجيش الفرنسى .. فى الوقت الذى كانت تحاول فيه أن يمضى الكون على هواها ، ان تتزوج سالم وان يتزوج أخوها الناصر من فاطمة أخت سالم .

هذه المجموعة من المفارقات التراجيدية ترتدى ثياب الجنس العنيف لاسباب فنية بعيدة عن التحليل النفسى المبسط ، وانما هى تكتسى نسيجا رمزيا مواكبا لنسيج المتناقضات الاجتماعية . كان القصر صخبا جنسيا عاتيا يؤدى باطنيا الى انحلاله وانهياره بموت الفريك وحبس عادل فى جريمة . ولكن ادوات الكاتب فى التعبير تفصح عن الجنس كقيمة دلالية غير مستقلة، لا تستهدف مطلقا تصوير شخصيات منحرفة او سوية ، وانما هى علاقة مرتبطة بازدهار وانحلال طبقى فى وطن محتل . سواء ذلك بالنسبة للفريك او بالنسبة للطاهر . ولكن البشير بن سلامة فى ربط العلاقات لا يصل بها الى حدود التجريد الرياضى وكأننا امام معادلة ميسورة الحل . وانما هو يصور المستويات المتعددة للعلاقة الشاملة فى حركتها المستمرة . لذلك كانت النهاية المأسوية للطاهر برفضه المتأخر لمجتمع الفريك ، هى الاب الشرعى لمأساة عائشة . وكلاهما ليس مأساة جنسية بالمعنى السيكولوجى لهذا التعبير نتيجة المداخلات الجنسية العنيفة فى القصر والبستان او الموروثة من عادل الى ناصر ومن زبيدة الى عائشة . وما كانت المأساة جنسية ايضا بالمعنى المبسط للتحديات والتشوهات الاخلاقية فى مجتمع متخلف . وانما هى ازمة

مرحلة الانتقال بالمعنى السوسيولوجى - الثقافى . ولذلك حين يأتى خالد فى زيه العسكرى وشبابه الذى لم يتجاوز الثلاثين ، خاطبا عائشة ، تأخذ المأساة طريقها الطبيعى الى الدلالة المحورية للرواية .

كان خالد يقول لاصدقائه ((يجب ان نتخطى هذه النفسية البدائية ولا نعتبر المرأة متاعا وشيئا خلقه الله لارضاء شهوات الرجل وخدمته خدمة العبيد ان المرأة لها كرامتها وهى انسان حر مثل الرجل يجب ان تعامل معاملة الحر الكريم )) . ولكنه بعد الليلة الثالثة من الزفاف وحين اكتشف ان عائشة ليست عذراء (( بكى بكاء اسود ظن انه فقد به البصر )) . وحين تعترف بأن (( سالم )) الهارب الى الجندية هو الذى فعلها لا يجد من كلمة يقولها سوى (( العار )) للعائلتين .

والمسافة الفنية بين ما كان يقوله لاصدقائه وما قاله لعائشة توجزها نقطة اللقاء بينه وبين سالم . ليس مهما ان تعود (( العروس )) الى بيت اهلها ، ولا ان ((الازهر)) ذلك الشاب المتوهج قد احبها رغم الفضيحة ، فقد استطاعت ان تقول له ((اننى غير قادرة على ان احبك)) وان تحيا موتها البطئ .. ليس هذه هو المهم لدى الروائى وهو يضع سطر الختام فى قصة عائشة ، فالاهم ان لقاء خالد بسالم هو نقطة النهاية الحقيقية والتى اسمها عائشة . يلتقى الجنديان . يلتقى العاشق الذى هرب ((الى)) الجندية ، بالزوج الجريح فى ازدواجيته المروعة فلا يكون من خالد الجندى الارفع شأنا الا ان يهوى بالسوط على سالم الجندى الاصغر شأنا بحيث يدفعه الى حرب الهند الصينية ، ليأتى ((خبره)) فى اليوم نفسه الذى تموت فيه عائشة .

ليست نهاية عاطفية لرواية رومانسية ، وليست نهاية تراجيدية للتخلف الاجتماعى ، وليست حلا دراميا لمعادلة روائية ... بل تتويجا اصيلا لمعنى ((التحول)) فى مجتمع محتل مرتين ، الاولى بالاجنبى والثانية بتابعه . بدأت الرواية والطاهر يتلقى ((الاهانة)) من الفرنسى فى المدرسة ومن كلب الفرنسية فى الشارع ، وانتهت بالثأر من سالم بموته فى حرب لحساب فرنسا . وما بين البداية والنهاية هناك عائشة ، ثمرة التناقض المربين حلم الطاهر وواقعه فى قصر الفريك مصطفى .

وتبقى عائشة فى رباعية ((العابرين)) للبشير بن سلامة اولى حلقات مأساة التحول من عصر الى آخر ، واولى حلقات التأسيس التاريخى - الاجتماعى

لبناء روائى متوازن يكتسب اصالته من تراث وطنه الكبير وتراب بلاده ومن وحى الصراع البطول للادب التونسى ضد الاغتراب والتغريب .

وهو الصراع الذى يتجلى عند الكاتب فى استخدام اللغة العربية فصحى وعامية وما بينهما . وهو الاستخدام الذى لا يتعالى على الشخصيات ولا يتناقض مع الاحداث ، بحيث يصبح ((على)) الراوية للذكريات من صميم البنى الروائية لا ضميرا متكلما باسم المؤلف .

ولا بد من التنويه بأن اصرار البشير بن سلامة على تشكيل الاحرف ، انما يعيد تعريب العربية ، فلا مجال للحن ولا مجال لحرف المعنى .. وانما تتضافر موسيقى اللفظ ومعناه فى صياغة الشخصية من داخلها والحدث فى حركته الموقف فى سرورته . وهى تجربة تستلزم المتابعة والاصرار ، لا فى بقية اجزاء الرباعية فقط ، وانما فى اية كتابة عربية جديرة بهذه الهوية . ان تجربة البشير بن سلامة تثبت ان البلاغة الروائية العربية ليست بلاغة شفهية من شأنها احيانا كثيرة اعدام الادب . وانما هي البلاغة المكتوبة فى سياق التشكيل الصوتى الذى يمسى عنصرا جماليا فى البناء الروائى .

ومن هذه الزاوية ، فان المؤلف لا يقتصر بقصته (( عائشة )) على الاضافة التونسية الى الادب العربى الحديث ، وانما هو يضيف كذلك الى جملة هذا الادب عملا يجمع بين الاصالة والجمال .

اشترك في نشرتنا البريدية