- 1 - ضربنا المعلم كثيرا . أرغمنا على الوقوف أمام الفصل تحت رذاذ المطر وأشعة الشمس فوقفنا طويلا ، ثم أمرنا بالجلوس على مقاعدنا الخشبية فقعدنا وكان الشتاء زمهريرا ورياحا مجنونة ، ثم حدثنا وسألنا وصرخ فينا ، لكننا أبينا ، لقد قطعنا على أنفسنا عهدا ألا نتكلم . سنقهر معلمنا بالصمت . لن نتكلم وعندما يأتى المتفقد لن نتكلم ، لقد تعلمنا أن نحارب معلمنا بالصمت .
لقد صمتنا طويلا لكننا سنرفع أصابعنا ونخرج ألسنتنا عندما يقول لنا المعلم لماذا .
عندما يقول لنا المعلم لماذا سنتكلم وسنحدثه عنا وعن قريتنا وعن الرجال والنساء والكلاب فى قريتنا ؛ لكن المعلم كان يرى أصابعنا مرفوعة وعيوننا غير مغسولة وثيابنا ملطخة وأرجلنا حافية فيضربنا ويرسلنا الى مدير المدرسة فيطردنا ويصرخ فينا : كلاب قذرة ، قذرة قذرة ! يرانا المعلم والمدير صباحا مساء ويتجولان بين الصفوف وينظران إلينا ويطرداننا . يقولان : قريتكم قاذورات وأوساخ ورؤوس عارية وأقدام حفاة لكنهما لا يعلمان أن فى قريتنا دكانا ومستوصفا ومقهى وسيارة تاكسى بدون رخصة وأطفالا صغارا ينتظرون ساعى البريد كل مساء عسى أن يحمل حوالة بريدية أو بطاقة تنبئنا بقدوم الآباء فى العيد .
- 2 - عندما يرى الاطفال الصغار سيارة البوليس أمام المدرسة يتذكرون أن المدير كان قد هددهم بغلق المدرسة ويعلمون أن حادثا قد طرأ أوشك أو يطرأ .
يضحك الاطفال الصغار ويلتصقون بالسياج الحديدى المحيط بالمدرسة
ويقولون : سيارة البوليس كعربة اليهودى لا تزور القرية الا لغايه . ويعلم الاطفال الصغار أن تلميذا قد ترك المدرسة بعد ما أهان المعلم والمدير.
عندما تقف سيارة البوليس أمام المدرسة ويخرج منها الشرطيان اللدان يمران كل يوم سوق بساحة القرية فيقفان أمام الجزار وبائع السمك يظل التلاميذ الصغار بين قضبان السياج الحديدى وهم ينتظرون ساعة الدخول الى الفصل كعادتهم عند الساعة الواحدة .
يخرج الاطفال الصغار وتشرئب أعناقهم طويلا لأن المعلم لن يضربهم وكذلك المدير لن يتجول كعادته بين الصفوف ليطرد كل من أتى حافيا أو وسخ الثياب . سينشغل المعلم والمدير لان شيئا غير عادى كان قد حدث فى المدرسة وينكمش الاطفال الصغار تحت السياج الحديدى عندما يخرج أحد الشرطيين من مكتب المدير ويدخلون رؤوسهم تحت معاطفهم ويتركون ثقبا صغيرة يطلون منها . يشق الشرطى ساحة المدرسة ببدلته الرمادية ويقف عند الباب وينظر إليهم نظرة حادة ثم يأخذ طفلين منهم ويمضى :
ويبكى الطفلان الصغيران لكن سرعان ما يهدأ روعهما عندما ينصتان الى ضربات حذاء الشرطى وهو يشق ساحة المدرسة المغشاة بالحصى .
ويقف الطفلان أمام مكتب المدير ساعة أو بعضها وعندما يتعبان يرتعدان خوفا ويدخلان الى مكتب المدير . يقول الشرطى :
- هل تعرفان من سرق دفاتر التلاميذ عندما كان المدير خارج المدرسة ؟
- لا يا سيدى . . . والله ما نعرفه . - هل تعرفان من شتم المدير بالامس عندما كان يشق ساحة القرية ؟ - لا يا سيدى . . . والله ما نعرفه . - أنتما إذن اللذان قذفتما المدير بالحجارة عندما كان أمام المدرسة . - لا يا سيدى . . . لا يا سيــــــ . . .
ويصفعه الشرطى على خده فيبكى الطفل الصغير : - هو . . هو - بوغوفه نعم أعرفه أعرفه .
يعرفه الطفل الصغير ويعرفه كذلك جل تلاميذ المدرسة لأنهم يرون كل اسبوع عربة اليهودى يجرها حمار قصير وهو وراءها يدفعها من حين الى آخر عندما يتعب الحمار وينزل اليهودى .
يقول المعلم : - هذا تلميذ كسول عنيد لا يأتى الى الفصل الا لماما عندما تخلو ساحة القرية من السائحات العجائز لكى يشاكل بنيات المدرسية لان عربة اليهودى علمته مغازلة النساء .
ويقول المدير : - لا خير فيه ولا رجاء ، أطردناه من المدرسة لانه تجاوز السن القانونية وهو كسول بليد عنيد ، يصفر فى ساحة القرية عندما يرانى ويرى المعلمين. ويخرج الطفلان مرتعدين من مكتب المدير لكى يجدا الاطفال الصغار فى انتظارهما خلف السياج الحديدى وعندما يندس الطفلان بينهم تتناقل الالسنة خبرا جديدا عن بوغوفه لكن الاطفال الصغار لا يتجاسرون على ذكر اسم الطفل العنيد ذى الشعر الأشعث المنسدل على كتفيه لانه يصفر كثيرا فى ساحة القرية عندما يرى السائحات العجائز ويتبع عربة اليهودى كلما أتى ليجمع صوفه الذى فرقه على نساء القرية منذ أسبوع .
يقول الاطفال الصغار : بوغوفه أصبح رجلا لانه يستطيع أن يقف فى ساحة القرية عندما يكون المدير والمعلمون أمام المقهى يتجاذبون أطراف الحديث عن أخبار التلاميذ . ويظل واقفا ثم يصفر عندما يتيقن أنهم يتحدثون عنه وعن أخباره الجديدة .
ويصفر طويلا لانه لطم صاحب الدكان عندما لم يجرؤ أحد من رجال القرية أن يناقشه فيما يبتاعون ؛ لطمه وأخذه من كتفيه ليدق عنقه وصاح صاحب الدكان بدون وعى منه : المفرخة أصبحت رجالا . تلك هى الدنيا . وعندما يعود الى وعيه يربت على كتفيه ثم يخلو اليه لحظة : لك منى يا بوغوفه يا رجال كل يوم سيڤـارة عندما تمر وراء عربة اليهودى .
ويضحك المدير ويضحك المعلمون من صاحب الدكان وصاحب المقهى أيضا لأن التلفزيون الملقى على طاولة مهملة فى آخر المقهى يظل مفتوحا كل مساء و يقبل عليه الاطفال لان بوغوفه يمر كل مساء .
وعندما يضحك المدير والمعلمون يغتاظ صاحب المقهى لانه كان يقول دائما :
- هؤلاء الاطفال رأس مال القرية والمقهى جميعا فعندما يكبرون سيتركون المقهى وستشغلهم مقاهى فرنسا وحاناتها .
ويقول له المدير : حرام عليك ! هذه المقهى أصبحت دودتهم وأنت تراهم يدخنون . ويتهكم صاحب المقهى : أنت يا رجل دخيل علينا ، نحن أدرى بأولادنا وقريتنا ويظل صاحب المقهى مغتاظا كل مساء لانه يخشى أن يحطم التلفزيون والكؤوس والكراسى .
ويقول للڤـارسون : كن لينا معه فقد كبر وأصبح رجلا وسيترك القرية والمقهى جميعا .
وغاب عن القرية اسبوعا كاملا . قال الاطفال الصغار : بوغوفه فى السجن لانه سرق دفاتر المدرسة وباعها لصاحب الدكان ليستعملها عندما يبيع " القلوب " للاطفال الصغار كلما مروا به الى المدرسة .
وقال صاحب المقهى : أراحنى الله منه ، فى النهاية آحتسى الاطفال الصغار قهواتهم ودخنوا سڤـايرهم .
وقال اليهودى عندما تعب الحمار : غيبتك يا بوغوفه يا ولدى ، لقد كل الحمار وجسمى أنهكه الزمان ، ثم ينزل لكى يدفع بكلتا يديه عربته .
وقالت النسوة : لن نغسل صوفك إلا عندما يعود اليك بوغوفه . سيعود بوغوفه لان الاطفال الصغار لم يعودوا يخشون الرجل الذى يمنعهم من دخول المقهى كل مساء لاحتساء قهوة وتدخين سيڤـارة ومشاهدة التلفزيون .
وسيعود بوغوفه لان عربة اليهودى ونساء القرية فى حاجة اليه كل يوم فيحلو للعربة أن يدفعها رجل بكلتا يديه ويحلو للنساء أن يداعبهن رجل ذو شعر أشعث كل مساء عندما ينتظرن ساعى البريد بدون جدوى . وعندما يدخل التلاميذ المدرسة لم يعودوا الى النظر من خلال قضبان السياج الحديدى لان المعلم والمدير كانا يضحكان معا . لقد شق بوغوفه البحر منذ أسبوع وأرسل لهما بطاقة بريدية .
يضحكان طويلا لكن الاطفال الصغار يمرون فى صمت لانهم سينتظرونه عندما يقبل من وراء البحر ذات عيد من الاعياد .

