فى يوم من ايام سنة 1915 دفع (( الصبايحى )) احمد البوزيدى بعلى الغافل فى زنزانة مظلمة بدار الباى وعالج القيد الذى بيد على حتى فكه ونظر اليه نظرة فاحصة فالتقت الانظار وتشابكت ثم ارتدت فى شبه استغراب يخالطه انكار غريب فتراجع احمد وكانه يفر واغلق الباب واسلم المفتاح الى جندى من حرس الباى ومضى
نظر على حوله نظرة سريعة وطأطأ راسه فى اطراقة المغلوب على امره فوقع نظره على زيه الاسود الفاحم فتذكر فى ذلك الوقت انه كان الى البارحة موظفا يسيطا بشركة السكك الحديدية . وتذكر الليلة البارحة وقد جلس اليه احمد البوزيدى فى بيته بمحطة باجة شانه فى كل ليلة . لقد وجد فى احمد الانيس والمعين على هواجس الغربة وهمومها يبثه مخاوفه واحزانه ويقص عليه اخبار طفولته البائسة ومرارة يتمه . انه فر من عمه وترك امه واخوته الصغار فى كفالة جده الشيخ العاجز الثرى .
لقد آنس منذ اشهر من احمد دماثة اخلاق وطيبة نفس وسلامة طوية جعلته يكن له صداقة متينة وهو الى البارحة ينظر اليه وقد جلس امامه وكانه هرم من اهرام مصر ضخامة ورسوخ قدم ويحس بان هذا الراس العظيم وهذا الصدر المنتفخ وهاتين اليدين الغليظتين هى كلها قوة جبارة صديقة تدفع عنه ظلم الظالمين وتنجية من سطوة (( الصبايحية )) و (( مشايخ التراب )) . وكم ايتموا من اطفال واضاعوا من عيال . وكان ينظر الى بدلة احمد الزرقاء الباهتة وازرارها اللامعة والى مسدسه العظيم المشدود الى منطقة حمراء قانية فيشعر بطمأنينة ودفء لا مثيل لهما لقد وجد فى ظل الصداقة ما لم يجده فى اواصر القرابة .
تذكر الليلة البارحة وقد قال له احمد : - توه عندى جمعه وانا نلوج على واحد اسمه على الغافل - لواه - المراقب المدنى يلوج عليه .
كان الصبايحى احمد لا يعرف من اسم صديقه الا انه يدعى عليا ولم يفكر لحظة واحدة في ان الشخص الذي يبحث عنه هو امامه . وظن على ان جده قد توفى وان السلطة تبحث عنه لتمكينه من الارث فقال :
- انا هو على الغافل
وتذكر كيف وجم الصبايحى ثم ودعه بعد لحظات وغادر البيت على امل اللقاء في صباح الغد
تذكر على كيف بات ليلته تلك مشتت الافكار مشغول الذهن بقريته التى غادرها منذ اشهر فحن اليها والى امه واخوته الصغار واشتاق الى رؤية زياتينها التي سكون له قسطه فيها . غير انه تذكر عمه وقسوته وظلمه وكرهه له فاحس بانقباض خفيف.
ولكن ما دخل عمه وقد ضاعت سلطته بوفاة الجد وضاع منه جانب عظيم من الرزق ؟
وتذكر كيف افاق فى الصباح مثقل الراس عظيم الامل وكيف وجد صديقه احمد امام الباب ينتظره . ونسي ما دار بينهما من حديث وهما فى طريقهما الى ((المراقبة المدنية )) و لكنه تذكر بالضبط وقفة المراقب المدنى امامه واعلامه بانه لم يحضر (( قرعة العسكر )) رغم علمه بذلك . ولذا تقرر دخوله فى الجيش واعتباره هاربا .
وهنا ارتعش على وابى ان يعيد الى ذاكرته ما وقع بعد ذلك لكن الما خفيفا في يده الح عليه فتذكر صديقه احمد يضع له القيد فى يده امام المراقب المدنى وسوقه إلى القطار وياتى به الى هذا البيت المظلم . وكم شقت عليه تلك النظرة الاخيرة التى صوبها نحو الصبايحى احمد فراى شخصا قد حشى حشوا في بدلة لم تخط له فنتأ بطنه وارتخي مؤخره رغم سراويله الفضفاضة انه يشعر في قرارة نفسه أن هذه هى المرة الاولى التى يراه فيها
فتح الباب في تلك اللحظة وسيق به الى ضابط فرنسى يشرف على حرس الباي وينظم (( قرعة العسكر )) فوقف امامه وهو مصمم على الدفاع عن نفسه فاتحه الضابط قائلا :
كيف تهرب هكذا من العسكرية وهالته من الضابط لثغة غريبة ارتعش لها ولكنه تقاوى وقال : - انني لم اهرب ولكن ما علمت بوقوع (( القرعة )) فاجابه الضابط في حنق وكان لثغته مطرقة ضخمة تنزل بضربات متوالية متكالبة على رأس على: كيف لم تعلم بذلك والحال ان شيخ التراب اعلمك عن طريق عمك وهذا شاهد عليك
احس على في تلك اللحظة بوحدة شاملة وبعراء لا تدفئه لا الصداقة ولا القرابة الا انها وحدة تبعث فى النفس قوة وتدفع صاحبها الى الصمود فقال : - اننى وحيد وامى ارملة واخوتى صغار والقانون لا يسمح لى بالانخراط فى الجندية .
- انك هارب - قلت لك انى لم اهرب - على كل فانك عينت فى (( الزواف )) الرابع - اننى لن اذهب بدا .. . وعلى اقل تقدير فاسمح لى بالانضمام الى حرس الباى فصاح الضابط
- هل انت الآمر هنا ؟ . . أرجعوه الى السجن دخل على الزنزانة مرة ثانية وجلس يفكر فى امره . وتذكر اسماء اقربائه الذين ماتوا فى هذه الحرب التى لا يعود منها احد . فغرق فى بحران من الخيالات والاوهام وتخيل نفسه فى الصفوف الامامية وهو يطلق الرصاص والعدو يزحف عليه . وان فى راسه لمعركة هائلة فلكان الحرب القائمة بين الالمان والفرنسيين انتقلت اليه . وفي تلك اللحظة افاق من ذهوله على صوت الباب يفتح كان طلقة رصاص اصابته وعلى صوت الجندى يصيح به :
- على الغافل هيا ولم يلبث بعد قليل ان وقف مرة ثانية امام الضابط فقال له : - اتصر على الامتناع - نعم
والتفت الضابط الفرنسى الى مساعده وقال له : - انه يحسن الفرنسية ونحن في حاجة فى حرس الباى الى مثله . ارسله الى باردو .
والتفت الى على وقال : - انت مسرور - نعم مسرور واحس على براسه يخف فرفعه ونظر الى الضابط نظرة ود وشعر بان تلك اللثغة قريبة الان من نفسه حبيبة اليه وكانها هى التى انتصرت له وانقذته من الموت . ان هذه الغرابة هي احب اليه من صداقة الاصدقاء وقرابه الاقرباء
انه وجد فيها من الدفء والحرارة ما لم يجده فى غيرها
مد (( الباش شاوش )) معمر يده وناول الجندى عليا برقية وقال له فى اسف يخالطه نوع من الارتياح . - البركة فيك جدك توفى
لقد مضي على وجود على بحرس الباى شهر كامل تعود فيه تلك البدلة التى استغربها فى اول الامر وسخر منها فى داخله . ولكم وجد مشقة عظيمة فى الف تلك (( الشملة )) على وسطة ولكنه اصبح بعد ايام - بحيلة اكتشفها لنفسه - يشتمل فى اقل من لحظة ، وتعود ايضا تلك السراويل الحمراء الخشنة وذلك الحذاء الثقيل وتلك (( الشاشية )) ذات (( الشرابة )) القصيرة ، انه احس فى اول يوم كدبيب النمل فى رقبته بسببها ولكنه ها هو بعد شهر يخال نفسه وكانه قضى عاما فى الجيش . زد على ذلك انه لم يلق فى تلك المدة الا المساعدة التامة من الباش شاوش معمر . ذلك ان هذا الضابط الصغير وجد فى على استعدادا كبيرا للعمل وطاقة عظيمة فى تحبير الملفات بالفرنسية والعربية . فاعفاه من التمارين العسكرية وكف عنه صولة (( الكبرانات )) (( والشواش )) فراى الجندى على فى ذلك طيبة قلب من معمر فقص عليه قصته وبثه مخاوفه فيما اذا توفى جده وبقى هو بعيدا عن اخوته . فعمه بالمرصاد لا يتورع عن اغتصاب قسط اولاد اخيه من الارث وهو لا مناص له من ان اللحاق باهله حينذاك والقانون لا يسمح بذلك طبعا . فطمانه (( الباش شاوش )) مؤكدا ان له تاثيرا كبيرا على الضابط التونسي وحدثه طويلا عن رئيسه هذا : عن جهله التام وطمعه الفادح وسهولة انقياده له
لم يحر الجندى على جوابا عند ما ناوله (( الباش شاوش )) معمر البرقية ونظر الى صديقه نظرة خاطفة فتذكر " الصبايحى " احمد فعبس قليلا ثم تطلق وجهه اذ لم يجد اى شبه بينهما : نحافة فى معمر توحى بالاستقامة والحزم وجسامة مفرطة فى البوزيدى لا تبعث على الارتياح وتلاقت النظرات وفهم كل صاحبه
- العسكرى نومرو 1111 التفت على الغافل وكان منكبا على اوراقه فوجد امامه (( بلانتو )) الضابط فاعلمه هذا بان رئيسه يناديه
احس على بفرح عظيم وود لو يلتقى بالباش شاوش معمر فى طريقه فيعانقه ويقبله .
رمى بالاوراق واندفع الى الباب وقطع الدهليز الطويل فى طرفة عين ووقف امام مكتب الضابط وتردد فى طرقه ساعة ثم قرعه ودخل
وجد الضابط التونسى واقفا واممامه الباش شاوش معمر وجندى آخر دميم الخلقة قصير القامة ، فادى التحية وبقى جامدا في مكانه ينظر تارة الى رئيسه وهو مهتم بهذا الجندى وينظر اخرى الى صديقه معمر فى ارتياح عظيم . راى ضابطا طويل القامة ، فى وقفته نبل ولكن فى قسمات وجهه انطبع الطمع وفى عينيه كمن الخبث . وقد انكر فيه هذه (( الشاشية )) النازلة الى حاجبيه وهذه (( الشرابة )) الطويلة التى لم تنقطع عن الاضطراب
قال الضابط الى الجندى : - تحب تاخذ برمسون - اى نعم مون قبطان - لواه هالبرمسون - العيلة فقيرة ونحب نعاونهم شويه
اقترب الضابط من رقبة الجندى ومد فى تقزز اصبعين وامسك بهما طرف القميص ثم انعم النظر وعيناه فى نصف اغماضة وصاح : - تتكلبت ... تتجنيت ... مقمل وطالب برمسون . . باش شاوش ( بتفخيم فادح ) قيدلا اربع ايام صال بوليس ... سمتش ( معناه سمعتش وذلك باسقاط العين تماما )
ثم التفت الى الجندى على هاشا باشا وقال له : - الباش شاوش ( دائما بالتفخيم ) قال لى جدك توفى وتحب برمسون اى نعم مون قبطان - لواه ها البرمسون - جدى خلا ورثة كبيرة ونحب نايد امورى
- امالا لا باس عليكم - اى نعم مون قبطان - عندكم الدحاج ( يترقيق واماله مبالغ فيهما ) والبقر والزبدة والعظام و . . . اى نعم مون قبطان
تنجم تجيبلى دجاجة بفلالسها استغرب على الغافل هذا الطلب ونظر الى الباش شاوش فاشار اليه ان اقبل فقال :
- اى نعم مون قبطان - تعرف الدار - لا مون قبطان والتفت الضابط الى الباش شاوش معمر وقال :
- مانى قتلك يلزم العسكر يعرفوا الدار لو كان تاقع حاجة آش نعملو حقك كل نهار جمعة تختار جماعة وتعرفهم بالدار . . سمتش ( سمعتش) اى توه قيد لها البحبوح عشرين يوم برمسون فقال معمر : - الدجاجة مون قبطان يحب لها اكثر من عشرين يوم باش تفقس - صحيح قيدلا شهر . . سمتش
بعد شهر بالضبط وقف الضابط فى الساحة الكبيرة ينظر الى الجنود وهم يقومون بالتمارين العسكرية . فلا يسمع منهم الا دقات اقدامهم تسير على نبرات الباش شاوش معمر ( 1،2،3،4 ) ( 1،2،3،4 ) ولا يرى الا صفا متراصا يجوب الساحة طولا وعرضا . اقترب الضابط وصاح :
- باش شاوش ... شوف اكلعسكرى مكحلتا معوجه وبعد بضع دقائق صرخ مرة أخرى :
بااش شاوش شوف اكلعسكرى بكلا عوج ... عيطهولى ... سمتش وغمغم كلمات غير مفهومة اوقف الباش شاوش معمر العساكر وقاد هذا الجندى امام الضابط فسأله هذا - آشنهو نومروك - 1111مون قبطان
- آش ببك بكلك معوج ... والله توه نضربك ببونية نطلع منك دجاجة بفلالسها .
فهم الجندى على فى ذلك الوقت سبب ابعاده من المكتب وما حيلته وقد نسى وهو بين أهله الدجاجة وفراخها ثم ان الباش شاوش معمر نفسه قد نصحه بألا يهتم بهذا الامر وأحس بدوار وقال وهو لا يفقه ما يقول :
- على خاطر ما جاتكشى . .. الدجا . .. وغابت آخر الكلمات فى صدره . فصاح الضابط :
- باش شاوش ... شوفت ما أقبحا - اى نعم مون قبطان نعرفو قبيح - أى برا هزو لاك الحبس الباهى ... سمتش
وافتك الباش شاوش معمر البندقية من يد على الغافل ودفعه امامه وكان على يعرف مكان (( الحبس الباهى )) فسار بدون ان يلتفت وكأنه يجرى ووقف امام الباب ففتحه معمر وزج به مع الجنود المعتقلين فى انتظار الباخرة التى نقلهم الى ساحة القتال بفرنسا ثم أغلق الباب ومضى .

