الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

على عتبة المدينة

Share

الوقت أصيل . وأنا أسير حذو سكة القطار بين الحقول وعلى شمالى غير بعيد مني نخلة مديدة هيفاء ، غلامية فارعة الطول ، يداعب النسيم خصلها لا ينى يهدهدها قد اتحدا خفقا مطردا خفيفا أشبه بنفس الموج الساجي .

وعلى مسافة قليلة منها شجرة سر انبعثت صعدا فى السماء قد اكتنز أسفلها ودق الفرع منها قليلا قليلا فاذا القمة نقطة لا تكاد تبين ضائعة ذائبة فى الفضاء ، مئذنه حيه كأنها شكل مرسوم دقة واستواء او الخيال الموهوم لطافة وإبهاما .

هى ذى صنوبرة كزة جرداء مائلة انحنت راكعة الى الارض فى هيئة غريبة كأنها برج " بيز " (1) المتداعى للسقوط . ولكل شجرة معني وأسلوب . ولكل منها حياة .

الخضرة ... الخضرة حيثما تلفت . تغمرنى . تكتسحنى حتى كأني أغوص فيها وأستحم .

زرع ضئيل كأنه عذار الأمرد وآخر كثيف ريان كأنه جسد فتى يفور نضرة وقوة .

أصناف من الأخضر ، درجات منه وانغام . منها الفاتر والناضر والدافىء والبارد والهادىء المحتشم والصارخ المتفجر.

هو ذا فضاء مديد من الاخضر الخفيف الزاهى المتفتح الباسم فيه شىء من بهجة الأعياد كأنه التحية أنسا وبشاشة ، رضي وغبطة أو البشرى تفاؤلا وآنشراحا .

ويعن لك ان تلتفت الى الوراء فاذا بالمنظر فجأة يبدل تبديلا واذا أنت ترى ذهب الأصيل يشع ويترقرق بين رؤوس الزرع فيخيل اليك كأن قد أينعت سنابل الزرع فى لحظة .

وتمر بمرج بمعزل عن الشمس منحجب عنها بجدار من السرو فاذا هو صامت أخرس محتفظ بسره ممتنع . خضرة محض .. لون ولا تعبير كالمعنى المجرد انطواء وحيادا .

بقرتان وعجل احداهما عجفاء ناتئة العظام تتحامل سيرا منحرفا كأنها ظلعاء أو عرجاء . عجوز قبل الاوان . لعلها جدة السرب ؟ والأخرى أنيقة شقراء بجسدها بقع مستديرة بيضاء والعجل أحمر نقى الجلد أملس يجيش عنفوانا وفتوة وينط مراحا وعراما . يحدق الى خزرا يرمقني بحدقتين ثابتتين كعيون السمك فى حدة وتحد .

ثؤاج الغنم . صوت غليظ دافىء مديد من "قرار" عميق رصين ينم عن شبع وارتواء وعافية وامتلاء .

أطفال حفاة شعث غبر يرتعون بالقرب من كوخ من الطين جاثم الى الارض ، مسخا طفيليا التصق بالجدار الخلفى من حديقة كبيرة فاخرة . كوخ ولا نوافذ ولا كوى كأنه مغارة منحوتة قد بنى كما اتفق يستوى السقف منه هنا وينخفض هناك فاذا هو سقوف عديدة مطلية بطبقة من الجير لم تستر ما أضيف اليها من قصدير دخيل .

وبأسفل الكوخ ثقب يتدافع منه ماء عكر غليظ ... ساقية اخضرت حافتاها بالطحلب واتسعت واستدارت غديرا راكدا آسنا عشش فيه البعوض يطفر منه ويحط عليه فى كل آن يحوم عليه تحويما .

امرأة عاكفة على رأس فتاة تفليه فى اهتمام ودقة وبجانبها امرأة أخرى تمضغ مضغا رتيبا فى حركة اجترار هانئة مطمئنة وكأن لا وسخ ولا قمل .

ثم خيام غريبة . كيف صمدت لزوابع الشتاء وانوائه ؟ ثلاث خيام . وهل هي خيام ؟ أخشاب مسندة عليها أصناف من خرق وبقايا متآكلة من دثار وقطع من ألواح ومطاط وأوراق من البلاستيك . أسمال ... أسمال ... كثياب بعض الشحاذين لفقت تلفيقا ورقعت بألف رقعة ورقعة .

ولا تكاد تصدق ما ترى ! بيوت أم صور خيام ، لعب ركبها خيال بعض الصبيان تلهيا وتقليدا ؟ ! أهؤلاء بشر ؟ ...

وتجبهك قهقهة ساخرة تتسرى وتمتد ضبابة من وهم تلتف من حولك تجتاح المكان والفضاء وتبتلع الخضرة وتطفىء الالوان وتخرس زغردة الطيور وطنين النحل والذباب . واذا الارض ممتقعة الوجه مشوهة الملامح كأن قد غشيها دوار مفاجئ وكأن لم يكن ربيع ولا عيد ولا مأدبة ولا عرس .

ولكن ها هى الطبيعة تبتسم أبدا تبتسم ، بسمة شفافة غامضة ، رغم البؤس والشقاء رغم الذلة والنكد . رغم القبح والموت . لا تبالي بالأكواء والخيام ، لا تبالي بمهازل الانسان . رغم هذه الجيفة الملقاة سدت عليك الطريق يفور نتنها فتغثى له نفسك وتثور كما لو تلقيت صفعة من يد عدو قاهر ظلوم . رغم جثة هذا الكلب المكشرة وآلاف الجثث المزروعة هنا وهناك في الارض انتفخت وتمططت حتى كادت تخرج من جلدها قد فرجت عن قوائمها فى هيئة الأنثى استلقت للوقاع .

اشترك في نشرتنا البريدية