وحى وقفة على قبر هذا الشاعر فى مدينة توزر بالجنوب الغربى من تونس الخضراء بعد أربعين سنة من وفاته حين زرت بيت هذا الشاعر وقبره فى 25 مارس 1975 .
تمضي السنون وأنت في خلدى حي ، وحي أنت للأبد
يا ناطقا من تحت حفرته والصمت لف جوانب البلد
أنا سامع فاهتف ، فأنت هنا روح قد انسلخت عن الجسد
أصداء شعرك لم تزل أبدا خفاقة كالطائر الغرد . . . .
الواحة الشجراء أنظرها تصغي إلى خطوات متئد
كالظل يسعى ، والنسيم إذا يسرى ، وكالرغبات فى الزهد
ويرن في سمعي تساؤلها عن شاعر بالحزن منفر
أشواقه في الليل تائهة يمضي الظلام بها إلى بدد
ورؤى أمانيه محجبة خلف الضباب ورقبة السهد
ترويه دنياه إذا ضحكت ، ويعود منها وهو جد صدي
عيناه هائمتان في حلم يستنظران غدا وبعد غد
ويداه ترتجفان من سقم أذوى الشباب به ، ومن كبد
متسمعا أصداء هاتفة خلف الغيوب : تعال خذ بيدى !
من أنت يا من صوتها نغم يسرى بألحان الهوى الجدد ؟
أنا ربة الأشعار هابطة للأرض من علوية الخلد . . . .
أنا واقف ، والصمت يغمرني وغمامة تغشى من الشجن
وتمر بي الذكرى معطرة فواحة . . . هفهافة الردن . . .
والأربعون تطوف مسرعة وكأنها انفلتت من الزمن
أيام كنا في شبيبتنا كبلابل تشدو على فنن
الروض صوح ، والزمان مضى بالصادحين به ، وبالغصن
والموت غيب بعض صحبتنا لكنهم قد خلدوا حزني
أرثيهم في كل محتفل ، وأبلهم بالهاطل الهتن . . . .
وبقية عاشت تصافحني منهم وجوه حلوة الغضن
وأرى شبابي في لقائهم متوثبا لمعارض الفتن
متجددا كأخوتي لهم . . . وأخوتي ترقى على الظنن
ذكرى (( أبولو )) ، وهي جامعة لمواهب صعدت إلى القنن
أشعارها يحنني الزمان لها هاماته ، فيسحرهن غني
ذكرى (( أبولو )) لا تغادرني في يقظتي أبدا ، وفي وسني
قصرت على الأعوام مدتها لكنها طالت على الزمن
والعمر يخلد منه ما خلصت أيامه من قبضة المحن . . . .
أنا واقف ، وأمامي ارتسمت لوحات شاعر (( تونس الخضرا ))
فأرى فتى ، بالنجم قد علقت عيناه لما لم ير البدرا
متمللا . . . ويكاد يفقده هذا الملال النوم والصبرا
متطلعا للفجر ينقذه من وحشة لمشاعر حيري
حتى يطل الفجر من شرف تطوى الظلام ، وتنثر الفجرا
فيخف في صمت وفي لهف والطير لما تبرح الوكرا
جسدا نحيلا طال . . . يسكنه شوق يكد القلب والصدرا
يفضي إلى الصحراء في وله بلواعج رمضاء كالصحرا . . .
ويسير . . . ثم يسير منجذبا في سيره للواحة الكبرى
يبدع الصنوبر في تسامقه ويقبل النخلات والتمرا
وكأنه قيس قد استبقت ليلاه حيث تواعدا سرا
تجري الخواطر إثر خطوته لا تشتكي إن جدد السيرا
حتى إذا آوى إلى نشز الصخر فيه عانق الصخرا
إنكب في دعة تراوده أحلامه الفتانة السكرى
ويتعب من دمعاته خمرا ، ويروح ينسج قلبه شعرا
يا راقدا ، ورؤاه لم تنم ما أسعد الإنسان بالحلم . . . !
أشعارك انتقلت بأجنحة رفافة . . . أبدية الرنم
تجتاب أجواء فتسحرها كالورد حين يجوب بالفغم
الجاحدوك مضوا لربهم فاستغفرن لهم بلا ندم
اغفر إساءتهم فقد صمتوا ، واجتزت أنت مغاور الصمم
وعلا صداك ، ولم يعده لهم إلا اختلاج الهمس والبكم
وخلعت عنك مآزر السقم ، ونزعت عنك غشاوة الألم
قيثارة أوتارها فلذ من قلبك انطلقت مع النعم
بل ريشة من دمعك انغمست نفضت على الأوراق ذوب دم
وإذا هفت للرسم كان لها بصر بعيد الغور غير عمى . . .
أنا واقف والدمع أحبسه ، وأكاد أحبس منطق الكلم
وأمامي الدنيا وزخرفها قد أودعت في حفرة العدم
قبر تفرد بالجلال . . . حوى في الصمت أعظم مفرد علم
والدار منه على مدى بصر ، وتطوف بينهما خطى النسم
وأحس عند زيارتي لهما أني أراك . . . أراك عن أمم . . .
يا شاعرا جاز الفناء إلى ما لا يحد اللحد والكفن
ما مات شاعر أمة حفظت في قلبها ذكراه تختزن
هذا نداؤك ما يزال على شفة الزمان يعيده الزمن
الشعب ردده ، فجاوبه قدر ، فعاش الشعب والوطن
وكذلك أنت حييت منتصرا رغم السقام ، ورغم من غبنوا
ما مات شعب عاش قائده لم يعترضه الضعف والوهن
كسر القيود ، وهب يزحف كالـ ـطوفان يسقط تحته الوثن
أو مات شعب ، في سياسته لم تزحف الأهواء والفتن
أو يختلف أبناؤه شيعا عمياء يحكم رأيها الضغن
الرأى ليس قتال معترك ، بل فكرة تبدى وتمتحن
والحق فيصلها وغايتها ، لا بغي في الشورى ولا أفن
لا بأس في أني أوؤيد ما يبديه غيرى ، وهو متزن . . .
. . . يا شاعرا كانت تؤرقه الام شعب ليله محن
لا تحزنن ! فشعبك انحسرت آلامه ، وتبدد الشجن
وعلى الشفاه تلوح بسمته يجلو سناها وجهه الحسن

