الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

ــــــ كلمات منثورة

Share

أضيوف نحن أم طفيليون فى مأدبة الحياة وحفلتها البهيجية المستمرة نحضرها ونصرف عنها دون اختيار منا ؟ نكون فى غفلة الأنس وغمرة النعيم واذا نحن نفتقد الوجوه الصديقة والنفوس المحببة فتلذعنا وحشة الأجنبى الدخيل لا يدرى متى يقطع به ويسلب حظه الموهوم ويطرد من جنته الكاذبة .

* * * الانسان حيوان قلق يتعامى جهده عن حقيقته شذوذا وانحرافا لا ينى يرفض ذاته عبثا .

ما الانسانية الا أفق وهمى أسطورة خالدة يغرى بها الفن والعلم والدين ولا يترقى اليها البشر الا لماما فى لحظات فريدة كأنها القمم الضائعة وسط مستنقعات التاريخ .

على أن قيمته وعظمته فى هذا الرفض العنيد المزمن وهذا الايمان المتجدد بالغاية المستحيلة .

هذا التوق الاهوج المجنون هو الانسان .

سلطان الموسيقى ! .

خاصية الموسيقى دون سائر الفنون أنك تحسها أحيانا قريبة منك قد التحمت بنفسك كأنها تنبعث من أعماقك وتستل من كنه روحك وكأنك صاحبها وخالقها تشقى وتسعد بميلادها .

شيخ هرم أنهكه المرض حتى تكاد توقن بقرب أجله وتعده فى الأموات ومع ذلك يبتسم ابتسامة الغبطة والسعادة لصبية صغيرة

تمرح أمامه وكأنما شغل عن دائه وأنشط من عقاله وعادت له فتوته وقد نشط و انتعش و اهتز و طرب .

لم يعد ثمة شئ يعصمنا اليوم من طغيان الآلة وجنون السرعة وخطر الدمار سوى الفن و الدين .

لا شئ غيرهما يمنحنا لذة الصبر المرير على اثبات انسانيتنا ووضع أنفسنا - مكان القلب فى الجسم - من الطبيعة والكون .

وحدة الذات رغم تعقيدها هى مصدر احساسنا الغريزى بالتناسب والايقاع وطربنا لهما فى الفن والحياة مع أننا نهوى الكثرة ونتوق الى التعدد توقا الى حد الذبذبة والتشتت والانفصام .

للجمال حرمة وللشباب قداسة . ذاك ما تشعر به المرأة فى قرارة نفسها وخاصة كل مليحة ذات حس على عتبة الكهولة . ولهى ترى فى سماجة الشيخوخة وشؤم طلعتها إجراءاما من الطبيعة واذلالا أفظع اذلال لعزتها .

بعض الفضائل سجن مطبق خير منها الطيش والنزق .

من السخف والظلم أن نتعجل ثمرة الادب كما لو كان زرعا أو شجرا أو رأس مال .

اذا كانت الثقافة الحق تجاوزا للنوع والعشيرة .. جسرا بين اللحظة والتاريخ فالادب يقاس اذن بالأجيال وبالعمر من أعمار الأمة والانسانية .

الماضى ! أى خزان من القذائف الهائلة المهددة بالانفجار فى كل حين ! لولا يقظة الأعصاب الدائبة ولولا بركة النسيان بل التناسى والغفلة لتفتت كيان الانسان وأصبح ركاما أشلاء .

لولا عشرته للنبات والحيوان لما كان الانسان انسانا .

مثلما تذبح الزهرة اذ تحبسها فى إناء كذا يقتل التعبير الشعور .

من أفظع صور الألم حرماننا من الألم عجزا عن احتماله .

يحمل الرجل المرأة بين جنبيه نبعا فى كيانه وروحا فى أعماق روحه لا ينى يقتات من أنوثتها ويحيل لطفها ورقتها صلابة ومضاء من بدء صباه الى ساعته الأخيرة .

لا أدعى الى الضحك ولا أسخف من أناس اجتمعوا فى مأتم لفقد قريب أو صديق يتبارون فى اظهار الأسى والوقار يتلاحظون اختلاسا كأن كلهم يخشى أن يفتضح ويكون أبخس الناس بضاعة .

الفن لهب شرارته الحس والفكرة الوقود .

ليس الفن تجاوبا فقط مع الطبيعة والحياة .. مجرد نفاذ اليهما

حسا وفكرا بل هو تمكن منهما بفضل قوة التعبير . ضرب من التسلط والسيطرة وان الى حين .

الصمت ! محنة الصمت ونحن بحضرة من نحب ! . ترى كيف يظهر غيب الشعور ؟ وأنى يدرك بغير الكلام ؟ ولا سبيل الى الكلام ! .

انها الحسرة النقمة أن يكون الاحساس فينا قويا نيرا حتى لنضيق به ونكاد ننفجر من دفقه ووهج اشعاعه ثم لا يبدو لغيرنا منه الا صورة باهتة لا تعنى شيئا ، ظل فاتر لا خير فيه .

فى اعجابك بذوى الفضل انصاف لذاتك واثبات لها واثراء .

تحب المرأة فى ابنها صورة زوجها الذى لم يكن .

لا وجود " لشخص آخر هو أنت" !

فى غفلتنا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة تكمن كل الخيبات والمآسى التى تنتابنا فى علاقتنا بالصديق والحبيب ولا سيما الابناء اذ نظنهم صورة أخرى منا . . مجرد امتداد لذواتنا .

ما أسخف الفن وما أسمج الحكمة فى حال آنحجابهما عن القلب !

حتى حماماتنا لحقها تغير العصر وهزتها حمى الكسب هزا فاذا هى مجرد مغاسل لا شكل ولا هندسة لا أنس ولا رفاهية .

كم فكرة تبرق فى طوايا الذهن مشرقة رائعة فاذا هبط عليها نور العقل وكشفها الذوق تهافتت كالحلم سخفا وابتذالا ! .

أفضل شركة وأكمل صور التراضى ما اتحدت فيه بغيرك قائم الذات وافى الحظ فشعرت بالتساوى والامتياز معا وذاك ما يجده الأبوان فى كل من أطفالهم .

ما الحب ، على ما فيه من مظاهر اللطف والايثار الا ضرب من ضروب العدوان ولا بد لأحد المحبين أن يفترس الآخر وقد يهلك الجميع كلاهما قاتل ومقتول .

لئن كان الفن الرفيع يبدو كلا لا يتجزأ عسرا وامتناعا فان أصعب الفن وأروعه ما آقترن فيه الفرح بالاسى فأضحك وأبكى .. نسيج ضدين لا يكادان ينفصلان تماما كطبيعة الوجود .

ما أشبه ولدى بى ! وا أسفاه ! قد حكم على بالعقم والابتذال كأن قد تجمد فى الزمان فشبت طفلا .

من غريب وجوه الاحسان أن يحسن المرء تشفيا لنفسه من دهر أساء اليه ومحنة عرضت له وتلك الاخوة فى الألم .

ولكم فى الاحسان حياة .

اشترك في نشرتنا البريدية