الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

فتح مكة

Share

فى السنة السادسة من الهجرة عقد صلح الحديبية ( الشميسى حاليا ) بين النبى عليه الصلاة والسلام وبين قريش على شروط اربعة :

١ - ايقاف الحرب عشر سنين . ٢ - من جاء المسلمين من قريش يرد ومن جاء قريشا من المسلمين لا يرد

٣ - من اراد محالفة النبى من العرب فلا جناح عليه ، ومن اراد محالفة قريش فلا جناح عليه

٤ - يعود النبى واصحابه الى المدينة دون ان يعتمروا فى هذا العام ولهم ان يقدموا فى العام التالى فيدخلوا مكة لا يحملون معهم من السلاح غير السيوف فى القرب ، ولا يقيمون بها سوى ثلاثة ايام .

وكان هذا الصلح فتحا مبينا كما ذكره القرآن الكريم ، وان ثقل وقعه على المسلمين بادىء ذى بدء ورأوا فى هذه الشروط التى ظهرت لهم لاول وهلة انها فى صالح قريش اكثر مما هى فى صالحهم ، رأوا فيها الدنية اللاحقة بالاسلام ، كما صرح بذلك عمر رضى الله عنه فى ألمه وتحمسه الشديد .

كان هذا الصلح فتحا مبينا حيث مهد بنتائجه السليمة الباهرة بعد

زمن يسير لفتح مكة الذى يطلق عليه المؤرخون ( الفتح الاعظم ) تلك النتائج التى دلت على الحكمة السامية والغاية الصائبة البعيدة التى كان يقصدها ويهدف إليها الرسول الامين عليه الصلاة والسلام ، ولحظها ابو بكر رضى الله عنه فى رده على عمر .

فان النبى وهو يفهم انه بعث بدين الحق المبشر الغير المنفر ، دين السلام والوئام جنح فى قبول هذه الشروط الى تغليب جانب السلم على الحرب ما وسعه السبيل الى ذلك ترضى بها قريش ولا تضير الاسلام ولا تضر المسلمين لتقوم بينه وبين اعدائه قريش هدنة سلمية تمكن لهم ولغيرهم من العرب المناوئين لهذا الدين عنتا وصلفا ، تمكن لهم جميعا من حيث لا يشعرون ان يتعرفوا ويتفحصوا خلالها ما احتواه الاسلام من قواعد خلقية واجتماعية رفيعة واسس اصلاحية متينة لحياتهم المليئة بالشرور والمفاسد وليتجلى لهم فى هدوء وروية واطمئنان ما يقرره النبى واتباعه ، ويدعون اليه من رعاية لمصالح البشر العامة ، وتوطيد لاركان السلام والاستقرار اللازمة لحياة الامم واحترام للعهود والمواثيق المبرمة .. وليدركوا

ما يتحلى به المسلمون من سماحة وقوة ايمان ، وابتعاد عن الهوى والجنف والطغيان ، وقد اسفر ذلك فعلا عن اسلام ثلاثة من رجالات قريش النابهين ( خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن ابى طلحة ) كانوا من اشد الرجال وطأة على المسلمين فى الحروب ..

كما كان يرمى عليه الصلاة والسلام وهو يعلم انه مرسل لكافة الخلق بشيرا ونذيرا الى اغتنام فرصة هذه الهدنة لدعوة الامم المجاورة للجزيرة العربية الى الدين الاسلامى القويم ، فراسل فى غضونها الملوك والامراء المجاورين يدعوهم بالحسنى الى دين الله فمنهم من اجاب الدعوة واسلم ، ومنهم من رد ردا حسنا فسلم ، ومنهم من رد ردا قبيحا فأذاقه الله بعد حين وبال امره .

وهو عليه الصلاة والسلام الى ذلك كله يعلم ان قريشا وحلفاءها لا تواتيهم جهالتهم وكبرياؤهم وامعانهم فى السخرية والهزء على ان يستمروا فى الحفاظ على العهد الموثق والذمة المحرمة وقد كان ذلك اذ خان سفهاؤها العهد فاعانوا سرا سفهاء حلفائها بنى بكر على الغدر بحلفاء النبى : خزاعة ، بعد غزوة مؤتة التى رجع فيها المسلمون دون ان ينالوا من الربح شيئا .

ظن اولئك السفهاء ومن لف لفهم من الاعراب ان بالمسلمين ضعفا فكان غدرهم ذلك مدعاة لتصميم النبي عليه الصلاة والسلام على فتح مكة .

ثم ماذا يضير الاسلام ويضر المسلمين ان يصبر من قوى ايمانه فى قلبه ، ورسخت عقيدته فى اعماق نفسه على الاذى حتى يأذن الله له بالفرج والفرج للصابر قريب ؟ ولقد برهنت الحوادث على ان قوة ايمانهم ومكنة عقيدتهم جعلتهم حينما ابى النبى قبولهم حرمة للعهد المقطوع وليس فى امكانهم الرجوع الى قريش فيشتد الاذى عليهم اشد نكالا ووبالا على قريش .

وهل يضير الاسلام ويضير المسلمين من ضعف ايمانه او تنكس بعد الهدى الى الضلال ، واختار اللجوء الى من يميل اليهم هواه ؟ ولقد يكون بقاؤه بين المسلمين بمراءاته بلاء ينقض الظهور ، وسما فى الدسم غير منظور وطابورا خامسا يفت العضد ويكون اشد وقيمة من العدو السافر .

بغدر قريش الذى اشرنا اليه قبلا كان للنبى عليه الصلاة والسلام المندوحة العظمى لاستنفار القبائل العربية المسلمة ( سليم وغفار ومزينة واشجع وجهينة ) ودعوتهم للحضور فى رمضان من السنة الثانية من الهجرة بالمدينة المنورة دون ان يعلن قصده غزو قريش وفتح مكة ، حتى اذا تجمع من المسلمين عشرة آلاف محارب بادر بالتوجه اليهم صوب مكة فى سرعة وحذر لا يمكن معهما ان يصل الخبر الى قريش فتتجهز للقتال وهو لا يريد أن يدخل مكة الا سلما ، فما ان وصل هذا الجيش الكثيف مر الظهران ( وادى فاطمة حاليا ) قرب

مكة ، حتى احست قريش بالخطر الداهم ، وليس لديها الفرصة الكافية للاستعداد للكفاح فارسلت ثلاثة من رجالها يستطلعون الخبر ويستجلون حقيقة قدوم النبى اليهم بالمسلمين بغتة .. ولم يتريث النبى بالجيش كثيرا وسار بهم حتى بلغ ذا طوى ، وليس امامه ما يدل على تأهب مكة للمقاومة ففرق الجيش الى اربع فرق ودخل مكة من شمالها وجنوبها واعلاها وغربها ، وفى اسفل مكة حيث يقود المسلمين خالد بن الوليد ، تصدى لهم فريق من قريش ابوا الا المقاومة والحرب فاصلاهم خالد بأسه ودارت عليهم الدائرة وفرقوا وهم يطلبون السلامة والنجاة ، وكانت ملحمة قصيرة اضطر اليها المسلمون اضطرارا ، ولم يرد النبى عليه الصلاة والسلام ان تكون وسرعان ما استتب الامر واذعنت مكة كلها للنبي واصحابه ، وعاد الاسلام الى منبعه ، موطد الاركان ، مرفوع الاعلام ، شامخ البنيان ، وتم بذلك فتح مكة هذا الفتح الاعظم الذى هدأت بعده الجزيرة العربية وأهلها من حروب طال امدها واتسع مداها بين الاسلام ومناوئيه وبين المسلمين والعصابة القوية الحامية للشرك وشرعت بقية القبائل العربية الضاربة فى مختلف مناطق الجزيرة وانحائها تفد الى المدينة المنورة تقدم ولاءها وطاعتها لرسول الله محمد عليه الصلاة والسلام ...

ويعلن رجالها اسلامهم بعد ان كانوا طيلة مدة الحرب القائمة بين عاصمة المسلمين وعاصمة المشركين يرتقبون غلبة احد الفريقين فينضوون تحت لوائه وينضمون الى فنائه .

وقد كان هذا الفتح حدا حاسما لتبلبلهم في العقيدة والسلطان عقيدة الشرك بالله وما اكتنفه من المثالب الخلقية الشائنة ، والادواء الاجتماعية الضارية ، وسلطان اعوانها وحماتها بمكة المبنى على الالحاد والاباحة والجبروت والعدوان ، وعقيدة الاسلام الداعية للتوحيد ومحاسن الخلق ومجانبة الشرور والفساد ، وسلطان معتنقيها بالمدينة المبنى على الفضيلة ، والرحمة والتقوى والعدل وحسن اليقين والايمان ..

وفى هذا الفتح الاعظم تتجلى صفتان من صفات النبى عليه الصلاة والسلام كقائد حربى محنك ، وحاكم ادارى حكيم :

١ - الاسلوب والتكتيك الحربى البارع فى كتمان حركة الجيش ، والمباغتة بالهجوم ، وفى التهويل على العدو بايقاد النيران الموهمة لجواسيسه بكثرة العدو عند الاقبال على مكة وفى الاحاطة بمركز تحصنه واخذه من جميع جهاته ، والنداء بالامن العام لمن القى السلاح واغلق داره عليه ، ولمن دخل المسجد . ولمن دخل دار زعيمهم ابى سفيان .

٢ - العفو عند المقدرة ، عندما سأل عليه الصلاة والسلام قومه الذين اخرجوه من وطنه والحقوا به اشد الاذى حين كان بين ظهرانيهم وكانوا اعنف خصومه حربا ولددا وقد امتلك بهذا الفتح ديارهم وسيطر على نفوسهم واموالهم . وكان سؤاله لهم سؤال الكريم المشفق : " يا معشر قريش ما ترون انى فاعل بكم ؟ " واجابوه جواب الخاضع المؤمل " خيرا أخ كريم وابن اخ كريم " فقال لهم

كلمته السامية " أذهبوا فانتم الطلقاء " كلمة دوت فى ربوع الحرم كان لها فى مجال التفاخر العربى بالسماحة والنبل والفضل والكرم مقام يعز على من رامه ويطول ، وهذه هى الصفة النبوية الكريمة التى لا تعلق بها شبهة ولا ريب .

وهذا هو فتح مكة الفتح الاعظم وقصته فى التاريخ الاسلامى الحافل باروع المناظر والمشاهد والامثال .

اشترك في نشرتنا البريدية