عندما شرعت اكتب هذه الملحوظات وجدت نفسي مضطرا الى اعادة قراءة اشعارى لست متأكدا من قدرتى على تصور تجربتى الشعرية ، والواقع أننى لا استظهر كلاما بشأنها ، بل انى لا استطيع أن اتمثل اى نص من نصوصي تمثلا حقيقيا الا وقت كتابته ، وعلى نحو غامض بالضرورة ، أو أنى اجده كذلك بعد الخروج من ملكوت الاستغراق .
ربما كان لى تصور للشعر لا استطيع الآن تحديد مدى اطمئناني اليه ، لأني لم اختبره اختبارا كافيا ، على الرغم من محاولاتى فى القراءة والنقد ، وهي ليست قليلة ، لكنها ليست متواترة ، ففيها تطور وحالات قد تستر وحدة منطلقاتها .
ربما كنت أيضا فى قراءتى لشعر غيرى أجرأ وأدق مما يتاح لى فى قراءة شعري . اننا لا نعرف أوجهنا بذات البداهة التى نعرف بها أوجه الاخرين . ولهذا انظر الى المحاولات التى كتبتها فى الماضي حول تجربتى الشعرية باشفاق وأسف وأظن ان هذا سيكون شعورى فى المستقبل نحو هذه المحاولة التى اكتبها الآن .
قبل بضعة عشر عاما استكتبت مجلة الآداب عددا من الشعراء الشبان - آنذاك - مقالات حول تجاربهم الشعرية ، وقد صدرت هذه المقالات في عدد خاص ، أغرى أحد الناشرين بأن يقترح على بعض المشاركين فيه - وانا من بينهم - أن يؤلف كل منهم كتابا حول تجربته ، لكنى وجدت المشروع سابقا لأوانه ، بينما رحب آخرون بالاقتراح ونفذوه فعلا .
واذا كان هذا العجز شأنى قبل بضعة عشر عاما ، فهو لم يزل شأني حتى الآن ، بل انى الآن أعجز مني في أى وقت مضي ، ربما لأني صرت ذا تجربة بالفعل فى كتابة الشعر وفي ثقافته ، ولهذا أشعر بشئ من الدهشة والحسد ازاء اليسر الذى يكتب به بعض زملائى عن المقاصد الفنية القريبة والبعيدة فى أشعارهم ، بينما أعاني في ذلك كثيرا من العسر والتردد .
1 - بين فرض الرؤية واكتشافها :
لقد كتبت معظم قصائدى دون قصد واضح ، نعم انني اندفع للكتابة تحت الحاح مثير ما ، شرارة تنطلق من الصوت أو الهمهمة ، من عاطفة او حسن اخلاقي . لكن هذا المثير يهب لي قصيدة لا قصدا . انه يقذف بي في غيبوبة الكتابة دون دليل ماثل ، وحين يخرج هذا الدليل من الغيب الى الصحو ادرك أن توترى ثقل وأن القصيدة توشك أن تهرب منى ، فأعاود اقتفاء أثرها من جديد ، فيما قبضت عليه مما تناثر من ريشها خلال المطاردات الأولى .
مع هذا جربت النظم قاصدا تنفيذ خطة معينة ، وربما كان من المفيد أن أذكر ان هذا يحدث فى المراحل الاخيرة من تجربتى اكثر مما كان يحدث فى المراحل الأولى يمكن رد هذا الى التطور الذي لحق طبيعة المثير ، فقد صارت الأفكار والتصورات المجردة تلهمنى بذات القدر الذى تلهمنى به الامتحانات والخبرات الحسية والعاطفية . لكنى حتى فى حال القصيدة المخطط لها من البداية أجدني جانحا بعد بضعة أبيات ، محاطا بتأثيرات لم أحسب حسابها من قبل ، تفرض على مسارا مختلفا ، وقد تقودنى الى أرض لم تكن فى خارطتى . أعلم أن واجب الشاعر فى هذه الحال أن يلح فى وضع العلامات للطريق التى انساق اليها وللأرض التى اكتشفها ليتمكن من ارتيادها كلما أراد وليضمها الى ممتلكاته . فهل أنا افعل ذلك أم أنصرف غافلا عن طريق العودة أو زاهدا فى ذلك مكتفيا بذكرى العذوبة التى وجدتها على حين غرة ، صادفا عن تكرارها ، راغبا فى اكتشاف جديد غير منتظر ؟ هل أنا باحث عن مساحة شعرية مرسولة امتلكها وأضع حولها الاسيجة ، ام ان غايتى هى الضلال فى كون شعري غير محدود ؟
لا أجازف بجواب حاسم ، وان كنت اجد نفسي مدفوعا الى محاولة التحرر من كل ما أملك الا من الرغبة فى الكتابة حين أساق اليها سوقا . لست مهتما باستثمار ما كتبته او ما استطيع أن اكتبه ، بل أنا باحث دائما عن قصيدة أخرى عن نشوة أنا لها حينا بعد حين ( 1 ) .
ان هذا ليس مجرد مزاج نفسي خاص ، ليس مجرد أسلوب فى تذوق الحياة ، بل هو أيضا أسلوب فى الكتابة ، ان عملى كشاعر يتلخص فى اكتشاف اللحظات الشعرية التى تبرق فى وجود الانسان ثم تولى هاربة ، اننا جميعا نمر عابرين بهذه اللحظات فنرتاع دون أن نفكر فى مصدر هذه الروعة ، أو نكتشف الخيوط السرية التى تمتد فجأة بين مشاهد وأصوات واحلام وأزمنة تفر من أسر المنطق وتتقاطع ، فتقدم هذه الشرارة الرائعة أو تذيقنا للحظة خاطفة طعم الاندماج الشامل بالكون .
ان لى حياة قصيرة حتى الآن ، ومع ذلك فقد عرفت فيها الحب والاغتراب ، عرفت الامان والخوف ، الحلم والحنين ، عرفت الطفولة والكهولة ، اتحدث حتى فقدت ظلي في الآخرين ، وانفصلت حتى لزمت نفسي بلا شريك . تقاطع روحى وجسدى مع أرواح واجساد ومع الصمت والفراغ ، وعرفت النهايات . اننى كشاعر اصحو على النهايات لاصرخ وأعترض . احاول ان اقبض على شىء مما مر ولن يعود أبدا ، اواجه الفقدان بخلق جديد .
ربما كان هذا هو مصدر الفاجع والطروب في شعري حس بالزمن يلهبه تمثل الموت ، والتجاء للآخر سرعان ما ينتهى الى الوحشة .
اننى مرتاع ابدا بين الصفا والمروة : الكون والكلمات . الكون يعلمني الاسماء ، والاسماء تعلمنى رؤية الكون من جديد ان شعري يضرب بجذوره فى العطش وفي تجربتى المباشرة . اننى أتلقى اللغة باقتصاد واستعملها بورع . نعم هذا هو شعري . لا أجيد اللعب باللغة ، لا ادهش قارئي بالغريب ، لكن أفجؤه بالأليف .
ربما كان هذا مدخلا صالحا للكلام عن رؤيتى الشعرية ، ولكنى لا أحس تماما بالاطمئنان .
ان شعر الشاعر هو المصدر الادق لرؤيته الشعرية ، حتى لو كان هذا الشاعر قادرا على تفسير شعره بنفسه ، بتعبير آخر ، لكل شاعر يستحق هذه الصفة رؤيته الشعرية سواء بدأ بها أو انتهى اليها ، وسواء شرحها بنفسه أو اكتفى بتقديمها فى ثنايا ابداعه وترك للنقاد أن يظنوا فيها الظنون . وعلى هذا لا تكون المسألة هى وجود هذه الرؤية أو عدم وجودها ، وانما تكون أسبقيتها على الشعر أو استكشافها بواسطته من ناحية ، كما تكون من ناحية الدور الذى يمكن أن يقوم به الشاعر فى استخلاص رؤيته واظهار مقاصده ونواياه .
وانا من ناحية المبدأ لا أرى ضيرا على الشاعر فى أن يفسر أعماله بنفسه ، ويدافع عن اختياراته الفنية والفكرية ، خاصة في مراحل الصراعات الحادة والتمايزات الدقيقة والتطورات الحرفية العالية التى اصبحت تلزم المبدع بامتلاك ثقافة دقيقة في مجال ابداعه الى جانب امتلاكه لادوات الابداع(2) ، لكنى من ناحية شخصية أجد وجلا وترددا حقيقيا بازاء هذه المحاولة التى تفترض موهبة أخرى ومنطلقا يلتزم الشاعر بنتائجه التى قد تضطره الى استبعاد عناصر ربما كانت من صميم تجربته ، والى الاهتمام بعناصر أخرى ربما كانت طارئة او هامشية . ثم انه قد يأخذه زهو أو بدعة زائفة او مصلحة شخصية فيقع في خطر الاطلاق والحسم ، وقد تلج به هذه الشهوة حتى يقسر شعره على أن يدخل هذا القفص النظرى المصنوع من اوهامه ومخاوفه ، ويوما بعد يوم يسكت الطائر أو يغنى كاذب الالحان . لكنى ربما كنت مبالغا ، فالشاعر لا يلقي هذا المصير بسبب ما قد يقوله عن نفسه فقط ، وانما قد يقوده غيره الى ذات المصير .
2 - القديم والجديد :
لا نستطيع ان نتحدث عن تجربتنا الشعرية الجديدة ما لم نتحدث عن موقفنا من الشعر القديم الذي ثرنا عليه ، وان كنت أشعر أن هذه المناظرة قد طالت اكثر مما ينبغى ، وصارت أشبه بشعار الثورة الدائمة الذي يقصد به المستبدون وضع الناس الى ما لا نهاية تحت طائلة القوانين الاستثنائية لمنعهم من التفكير الصحيح . وكيف تفكر في الشعر تفكيرا هادئا مجديا وانت فى حرب بين قديم وجديد لابد أن تكون فى معسكر واحد منهما متاهبا للقتال عند أول اشارة .
لقد آن لنا بعد أن انتصرت حركة التجديد وصار المجددون أنفسهم تيارات متعددة أن نفكر في الشعر خارج اطار هذه المناظرة القديمة . لكننا على ما يبدو مضطرون الى الخوض فيها قبل أن نخرج منها . ليس معنى هذا انكار وجود الصراع بين القديم والجديد ، فهو قائم في جيلنا ، وكان قائما فى أجيال خلت ، وسوف يقوم في الاجيال القادمة ، وهذا بالضبط ما يؤكد الحاجة الى البحث عن الشعر دون التقيد أكثر من اللازم بالحدود التى يعاد تخطيطها جيلا بعد جيل .
لقد شهدت السنوات الاولى لظهورنا فى مصر معارك صحفية حامية شاركت فيها باوفى نصيب ، وتبادلت فيها الى جانب زملائى مع الشعراء والنقاد المحافظين أقسى الاتهامات ، لكنى أعترف الآن بكل موضوعية أن معرفتنا بالشعر القديم فى ذلك الوقت لم تكن أفضل من معرفة خصومنا بشعرنا الجديد .
يجب أن اعترف في المقابل بان التسامح الذى أصبح يميز موقفى الآن من الاختيارات الفنية المختلفة ، ينطبق على القصيدة الجديدة كما ينطبق على القصيدة القديمة . فالقصيدة الجديدة لم تعد نموذجا واحدا كما كنت اعتقد فى الخمسينات وأوائل الستينات ، بل أصبحت نماذج متعددة ، وأنا الآن أكثر قبولا للمحاولات الاكثر تحررا من محاولاتنا مما كنت قبل عشرين عاما ، الا ان خصومتي مع النماذج والاشكال التى كنت أرفضها فى القديم والجديد لم تتصف بالاجتراء او باللدد اللذين ظهرا فى كتابات بعض زملائى ، بل ان خصومتى لم تكن مع النماذج والاشكال بقدر ما كانت مع محاولة فرضها من الأدعياء والمتطفلين على الشعر قديمه وجديده .
اننا نختلف الآن - نحن قدماء المجددين - حول هذه المسائل خلافا أشد بكثير مما كان بالأمس .
لقد تراجع بعضنا تراجعا شبه كامل عن فكرة التجديد ذاتها ، وجعل همه الآن أن يقترح استكمالات أو استدراكات للقصيدة الجديدة تعالج عيوبها فى نظره وتقربها من ذوق الجمهور كما هو الحال بالنسبة للسيدة نازك الملائكة التى خدمت القصيدة الجديدة بشعرها ودراساتها خدمة جليلة ، وان كان الشعور بالامومة الذي تحمله . لحركة التجديد غير مبرر تبريرا كافيا في نظري ، وهذا هو رايى كذلك فى دعاوى غيرها من السابقين فى هذا الجيل الذين لهم على القصيدة الجديدة فضل التبنى والاضافة والترشيد وليس لأى منهم فضل الابتكار والاكتشاف ( 3 ) .
تعتقد نازك الملائكة أن هناك طريقة فى كتابة الشعر تسميها " الطريقة العربية " وهي تقوم في نظرها على أسس عروضية صرف مستمدة من تراث الشعر القديم ومن قوانين الخليل بن أحمد . فهي تطالب الشاعر بأن " يتقيد بقانون استقلال الشطر أو البيت " فلا يقوم توزيعه للكلمات والسطور على اساس تعبيري ، وانما على الاساس الذى يظهر به وزن السطر ويكتمل . والحقيقة ان الجهر بالوزن أو الاسرار به مسألة فى صميم خصوصية الخلق الشعرى ، لا يصح أن نقيد الشاعر فيها بشىء . الا ان التقيد بقانون الاستقلال العروضى
يوشك أن يكون صيغة حيية لقانون الاستقلال المعنوى القديم الذي قد يصرف الشاعر عن الانتباه الى وحدة القصيدة وهى الأهم .
والسيدة نازك ترى فى تنويع الضروب ( اختلاف تفصيلات نهايات الابيات أو السطور ) ، وفي التدوير ( الوصل العروضي بين نهاية شطر وبداية ما يليه ) ، وفي التخفف من القافية أو اهمالها اخطاء شنيعة تدعو الشعراء او الرجوع عنها . وهى تحدد الحرية فى الشعر الجديد بأنها تنويع عدد تفعيلات الحشو فى الشطر خالصا من قيود العدد الثابت في شطر الخليل " ( 4 ) فالجدة او الحداثة بالنسبة لها هى أولا حرية نسبية فى استخدام عروض الخليل ، واما العناصر الاخرى فنتائج مترتبة على هذه الحرية العروضية .
لماذا اعتبر هذا الموقف ضربا من التراجع ؟ ان الاختيار العروضى ايا كان ليست له بحد ذاته دلالة تقدمية أو رجعية . كما أن بعض الملحوظات الجزئية التى تقدمها السيدة نازك لها ما يبررها . لكن الطبيعة المحافظة لموقفها تأتي أولا من تنكرها لآرائها السابقة التى كانت تنشرها في أواخر الاربعينات ( 5 ) ، كما تأتي ثانيا من تصورها الجديد أو بالاحرى عودتها الى الفكرة القديمة القائلة بوجود طريقة ثابتة او توقيفية لكتابة الشعر العربي لا تبدل بفعل الزمن او تطور الحاجات أو اختلاف المواهب أو الاحتكاك بالثقافات الأخرى . فاذا كان لابد أن يحدث اختلاف ففي أضيق الحدود . والسيدة نازك هي التى تعين هذه
الحدود بحكم ريادتها التى لا تقبل فيها مناقشة لحركة التجديد المعاصرة ، وبحكم ما تعتقده فى نفسها من حساسية خاصة تجعلها المرجع الوحيد فيما نسمية " الفطرة العربية " و " قوانين الاذن العربية " ( 6) .
ومع أن آراءها الأخيرة ليست بالنسبة للشعر القديم الذي نجد فيه اكثر من طريقة وأكثر من فطرة ، فهى من ناحية اخرى تنسف الأساس الذي تقوم عليه حركة التجديد والذى شاركت السيدة نازك فى بنائه بنصيب ملحوظ وهو أن اللغة والشعر والتراث جميعا ابداع بشرى حي يحمل فى ذاته قانون تطوره وصراعه مع نفسه ، فلا مفر من قبول نتائج هذا القانون ولا خوف منها ايضا ، لأن هذا الابداع يحمل فى ذاته وفى الوقت نفسه قانون وحدته واطراده والدفاع عن خصوصيته وتحقيق الانسجام بين مراحل تاريخه .
هذا الموقف اللاتاريخي فى الارتداد الى القديم يقابله موقف لا تاريخي آخر مساو له فى الدرجة والقيمة ، وان كان مناقضا له فى الاتجاه . صاحب هذا الموقف الأخير هو الشاعر ادونيس الذي يقتضينا الانصاف أن نذكر من الآن انه عدل فى السنوات الاخيرة بعض آرائه التى سنناقشها هنا والتى تعود مرحلة ارتباطه بجماعة " شعر " وانما نناقش هذه الآراء القديمة وحدها لأنها من ناحية تفسر موقف كثير من شعراء ونقاد الجيل الذى ظهر فى سنوات بعد هزيمة 1967 ولأن صاحبها من ناحية اخرى لم يعلن بصراحة انه تخلى عن فمازال ينشرها كما هى مؤرخة الى جانب آرائه الجديدة المؤرخة .
فى رأى أدونيس أيضا - مثله مثل نازك الملائكة - أن " هناك شكل واحد فى القصائد القديمة كلها " تتكون القصيدة على أساسه من مجموعات أبيات ، أى مجموعة وحدات مستقلة متكررة لا يربط بينها نظام داخلى ، انما تربط بينها القافية ... وهي - أى القصيدة القديمة - قائمة على الوزن السهل المحدد المفروض من خارج .. والقصيدة القديمة صناعة ومعان .. ولغة ذوق عام وقواعد نحوية وبيانية " وفي مقابل هذه القصيدة القديمة تنهض القصيدة الجديدة على أسس عكسية تماما ، فهي " وحدة متماسكة حية متنوعة ، وهي
تنقد ككل لا يتجزأ شكلا ومضمونا ، وهى لغة شخصية وهى تقوم على الايقاع لا على الوزن .. ولكل قصيدة جديدة شكلها الخاص نثرا أو وزنا فى آن " ( 7 ) .
ولاشك في أن جانبا من الملحوظات السابقة صحيح . وهذا الجانب الصحيح في حقيقته ليس جديدا تماما ، فنقد التفكك والتكلف والتلفيق فى القصيدة التقليدية تردد كثيرا جدا فى الأعوام المائة الماضية ، بل لقد قال ما يشبهه بعض النقاد القدماء أنفسهم ، كما أن الحديث عن الوحدة العضوية في القصيدة الحديثة وعن الايقاع الذى هو اشمل من الوزن يتردد كثيرا منذ اوائل القرن الحالى ، ان صرفنا النظر عن أقوال النقاد القدماء ( 8 ) .
أما ما أرفضه فى آراء ادونيس السابقة فهو التعميم ، نعم ان فى شعرنا القديم ميلا قويا لاتباع النموذج ، لكن هذا النموذج لم يكن واحدا فقد تعدد وتنوع . فضلا عن أن وجود النموذج لا ينفي التمايز والاختلاف . وهناك فرق كبير بين النموذج والشكل . النموذج هى مجموعة المواصفات والتحديدات النظرية المسبقة للقصيدة . انه ما كان يسمى بعمود الشعر عند الاقدمين ، أو بالبديع عند المولدين . لكن الشكل هو القصيدة ذاتها ، أى مجموعة العناصر اللغوية والمعنوية التى تتألف منها القصيدة ، فليس صحيحا أن هناك شكلا
واحدا فى القصائد القديمة كلها ، وانما هذا وهم من الاوهام التى ربما أشاعها فهم الشكل على انه وحدة البحر والقافية . وهل نجد فى معلقة أمرىء القيس مثلا ذات الشكل الذى نجده فى خمرية لابى نواس ؟ أو نجد فى هذه ما نجده فى قصيدة للمعرى أو لابن الفارض ؟ بل ان فى شعر كل شاعر من هؤلاء اشكالا مختلفة باختلاف التقاليد الفنية وتنوع التشكيلات اللغوية والمعنوية .
وأدونيس لا يعمم كلامه على الشعر العربي وحده ، بل على الثقافة العربية كلها ، اذ يرى أن " الثقافة العربية ثقافة اعادة وتكرار " ، وانها " لا ترتكز على تجربة شخصية بقدر ما ترتكز على أفكار غيبية مجردة . انها طاعة لا حرية ، وتلقن لا اكشاف " . ولذلك يرى أن القصيدة الجديدة لا يمكن ان تكون جديدة حقا الا بالانفصال عن التراث . " ليس التراث مركزا لنا . ليس تبعا وليس دائرة تحيط بنا " . والشاعر لا يمتلك لغته " الا بمقدار ما يغسلها من آثار غيره ويفرغها من ملك الذين امتلكوها فى الماضى " ( 9 ) .
ان هذا الموقف ايضا ، وعلى الرغم من "ثوريته " البادية موقف مثالي غير تاريخي ، لا يختلف في جوهره عن موقف نازك الملائكة ، فالقصيدة القديمة ليست نموذجا واحدا ، كما ان التراث العربى ليس اتجاها واحدا ، ففيه كما فى كل تراث انسانى قديم أو حديث اتجاهات متعددة متناقضة . وليس هذا مجال المناقشة التفصيلية لهذه الآراء ، وانما يكفيني أولا أن الاحظ شيوعها بعد عام 1967 كجزء من وعي الهزيمة ، هذا الوعى الذى سار أحيانا مسارا صحيحا تمثل فى نقد الاستبداد والسطحية ، والخطابية والتعصب ، وسار أحيانا أخرى مسارا معتلا تمثل فى اهانة الذات ، والتبرؤ من الهوية القومية ، والفرار الى المواقف التى تتيح لصحابها أن ينقد المهزومين موهما نفسه بأنه ليس منهم . وثانيا أن أستنتج ما يمكن أن تؤدى اليه هذه الآراء في مجال الشعر .
ان وضع القصيدة الجديدة فى موقف مناقض ومناهض للثقافة العربية كلها لا يمكن الا ان يؤدى بالشاعر المعاصر الى اليأس أو الاغتراب ، فهو يفرض عليه واجبا مستحيلا هو غسل اللغة من آثار الذين استعملوها فى الماضي . لكن هل يقصد ادونيس هذا المعنى الذي فمهناه من عبارته ؟ ربما كان يريد حث الشاعر على استخدام اللغة استخداما جريئا بريئا يجددها ويطلقها من سجن التكرار والتقليد وهذا ما لا نختلف حوله .
لكن ادونيس لا يدعنا نفهم هذا المعنى ، وانما يضطرنا لان نفهم عباراته بمعناها المباشر بسبب تأكيداته الاطلاقية حول سطحية الثقافة العربية وعدائها للعقل والانسان . انه اذن يدعو الى غسل اللغة وافراغها من آثار الماضى بالمعنى المباشر للعبارة ، كيف يكون ذلك ؟ كيف نخاطب الآخرين بلغة خالية من آثار وعيهم الجماعي والتاريخي ، لغة مفرغة من الذكرى والحلم ، وكيف تقوم لغة بغير ماض أو تراث ؟ ان مثل هذه اللغة المغسولة من آثار الغير لن تكون الا لغة أجنبية ، لغة مجهولة كلغة الدادائيين التى كان أصحابها يخترعون لها مقاطع صوتية ويكتبونها بطريقة لا يفك رموزها الا هم . وانما نحن بحاجة الى لغة نعرفها جميعا ونعرفها افضل مع الشاعر ، أو أننا بحاجة الى لغة مشتركة لنعرف بواسطتها لغة الشاعر التى ليست هي دائما لغة مشتركة . أما الطموح الى تلك اللغة التى يتكلم عنها أدونيس فهذا ليس مجرد رفض للماضى ، وانما هو رفض للتاريخ ذاته ( 10 ) .
3 - محاولة نظرية :
كيف أرى القصيدة الجديدة ؟
القصيدة الجديدة هي أولا وقبل كل شئ محاولة في ادراك الشعر ادراكا مباشرا خارج كنائس التقسيمات والتحديدات المذهبية الجامدة . انها موقف ايجابي من كل ما نظن أنه يقربنا من هذا الادراك ، موقف استقلالي يرفض التقليد والاستخدام أمام النموذج قديما كان أو جديدا ويستعيد فتوة الخلق .
* علاقة القصيدة الجديدة بالتراث العربى علاقة قوية لسببين :
الاول ثقافى عام ، فنحن مضطرون الى تعلم اللغة التى نكتب بها ولا نتكلمها فى حياتنا العادية ، وهذه خصوصية من خصوصيات شعرنا وأدبنا جميعا . ان الشاعر الفرنسى أو الانجليزى يستطيع .. نظريا على الاقل - أن يدخل تاريخ أدبه باللغة التى تعلمها من أمه ومن الشارع ، اما الشاعر العربى فلابد له من المدرسة والكتاب ، انه يكتب بارشاد القاعدة لا بوحى السليقة ، أو أن دور الاولى فى أدبنا وخاصة فى الشعر ، أظهر من دور الاخرى . هذه حقيقة أساسية لابد أن نعترف بها وبنتائجها .
السبب الآخر سبب فنى خاص ، فالقصيدة الجديدة استمرار متقدم للحساسية الشعرية العربية التى تمثلت فى تراث شعري متنوع . انها استمرار للبحث الذى بدأه المجددون القدماء عن الجديد والمحدث ، استمرار لهذا البحث بوسائل جديدة نابعة من تراكم الخبرة والانعتاق من أغلال الاتباع .
لكن القصيدة الجديدة تبدأ من التراث لتستغنى عنه وتتجاوزه الى نفسها فتصبح مرجع ذاتها ، والا اشبهت طفلا لا ينفطم ولا ينمو . فنستطيع أن نقول باختصار : ان القصيدة الجديدة عمل من أعمال النهضة التى ما زالت فى رأيى مشروعا لم يستكمل بعد . وبقدر ما ننجح في خلق تراث جديد في الحاضر نتحرر من حتمية الأخذ عن التراث القديم وتتوازن حاجتنا اليه .
* علاقة القصيدة الجديدة بالثقافة الأجنبية علاقة قوية كذلك لسببين :
الاول : ثقافى عام ، فهذه القصيدة الجديدة فى أحد جوانبها ثمرة للقاء المتواصل بين الشعر العربى الحديث والثقافة الاجنبية التى اصبحت عنصرا مهما من عناصر تكوين الشاعر العربى ولو لم يكن يعرف غير لغته .
والآخر سبب فنى يتمثل فى ازدياد العناصر المشتركة فى الفنون الحديثة ، وفي كون القصيدة الحديثة فى العالم كله قصيدة بحث وتجريب . لكن واجب الشاعر العربى أن يجعل علاقته بالثقافة الاجنبية علاقة حوار وتلاقح لا علاقة اقتباس ونقل . لا يجوز أن نتخذ من القصيدة الاجنبية - مهما بلغت قيمتها - نموذجا نحتذيه ، وانما علينا أن نجعلها اداة لتفتيق خيالنا وتوسيع مجال حريتنا ، واكتشاف خصوصيتنا ، وتأكيد انتمائنا للعصر وللعالم كله .
* يستطيع الشاعر المجدد ان يستخدم العروض كما يشاء . ان له ان يستخدم العروض الجديد بأشكاله ، وله أن يعود الى العروض القديم عودة مؤقتة أو نهائية ما دام قادرا على استخدامه بحساسية جديدة . وله أن يكتب دون استخدام للعروض ما دام قادرا على أن يثقل بالايقاع كلماته فلا تتارجع خفيفة ، ولا تفر منا هاربة باهتة كما هو الحال في أكثر القصائد غير الموزونة التى تقدم حتى الآن .
* تصبح اللغة شعرية حين يستطيع الشاعر أن يؤلف بين قدراتها الدلالية والنحوية والايقاعية على نحو خاص يخلخل قيمتها الوضعية المحدودة ويكسبها طاقة تخاطب الكيان الانسانى كله دفعة واحدة . وليست الاستعارة البعيدة أو الغريبة هى الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذه اللغة الشعرية ، ان التشبيه القريب والجملة التقريرية البسيطة هما أيضا من وسائل بلوغ هذه اللغة اذا استخدما باتقان عفوى وكشفا عن الشعر المستور الذى يمتلىء به العالم ، اللغة الشعرية الجديدة ليست لغة الغرابة الظاهرة أو الادهاش الوقتى وانما هي لغة الكشف والتغلغل .
* لغة الشعر بطبيعتها لغة رمزية ، ولو بدت فى ظاهرها وصفا او تسجيلا . ان طلل الشاعر القديم وناقته وفرسه وحبيبته وسحابه وسيفه وخمره وكأسه كلها رموز شعرية لا تشير في القصيدة الى عالم غير عالم القصيدة ، وكذلك يقال عن خبز الشاعر المعاصر وسجنه وحزنه وقلقه وصديقته وقريته ومدينته وزيتونه وبندقيته . نعم ان عالم القصيدة ليس مقطوع الصلة بعالم الواقع ، لكن هذه الصلة ليست صلة الصورة بالاصل ، أو الكلمة بمعناها فى المعجم ، فالشعر ليس تصويرا بسيطا للواقع وليس مفردات ، انه لغة خاصة ، لغة تنقل المفردات من عالم المعجم الى عالم السحر والاسطورة بالمعنى العميق الشامل ، حيث تصبح المفردات بذاتها كائنات . من هنا لا يكون الرمز الاصطلاحى او الاشارة الاسطورية الجاهزة هما وحدهما ما يمنح لغة الشعر قيمتها الرمزية ، بل ان لغة الشعر هى التى تمنحها القيمة الرمزية الاسطورية . يمكن أن تكون لهاتين الأداتين (الرمز والاسطورة) قيمة ثقافية ، ووظيفة بنائية أحيانا ، نكن القيمة الرمزية كائنة فى القصيدة بهما أو بدونهما .
والحقيقة أن كثيرا من الاشارات الاسطورية والتراثية التى اجتاحت شعر عدد كبير من الشعراء ليست الا محسنات ثقافية أو بديعا عصريا يستخدم للابهار دون أن يكون له دور جدى فى بناء القصيدة ، ولعل هذا راجع الى أن
اكثر هؤلاء الشعراء ينقلون عن غيرهم دون خلفية ثقافية تسمح لهم بفهم المادة وتأويلها بما يمكنهم من ادماجها فى عالمهم الشعرى . تحضرني في هذا المجال رواية جبرا ابراهيم جبرا لكيفية شيوع أسطورة " تموز " فى الشعر الجديد ، اذ يذكر انه أعار السياب مخطوط ترجمته للاسطورة فاستخدمها فى شعره ونقلها عنه غيره حتى شاعت قبل أن يصل الكتاب الى أيدى القراء (11) وتحضرني مقالة الدكتور طه حسين التى اكتشف فيها أن شوقي وحافظ ابراهيم ونسيم فى قصائدهم عن كتاب الاخلاق لارسطو لم يقرأوا الكتاب وليست لهم معرفة بصاحبه (12) .
* الوحدة العضوية فى القصيدة ليست هى الوحدة الموضوعية . الوحدة العضوية هي مجموعة العلاقات التى تربط بين عناصر القصيدة واجزائها وتتيح لها التشكل والنمو والتكامل . وهذه الوحدة العضوية قائمة فى الشعر القديم الجيد ، كما هى قائمة فى الشعر الحديث الجيد فالقول بتفكك القصيدة القديمة بسبب تعدد موضوعاتها أو بسبب اعتمادها على الابيات المتساوية المقفاة وهم شائع سببه قراءة الشعر القديم قراءة نثرية بالبحث فيه عن اخبار الشاعر ووقائع حياته وحياة مجتمعه .
* ليس الشاعر وحده صانع قصيدته ، فالقصيدة كخلق نتاج تفاعل مدرك أو خفي لثالوث يتكون من الشاعر والكون واللغة . والشاعر هو مركز هذا الثالوث أو همزة الوصل بين طرفيه الآخرين . ان الكون مفعم بشعر خام أو شعر ممكن ، أو وعي من نوع خاص . لكن هذا الوعى الخاص أو الشعر الممكن ينتقل عن طريق الشاعر الى اللغة ليصبح شعرا بالفعل . كما أن الشعر يرتد الى الكون ليضئ زواياه المعتمة وليطرح أسئلة أو وعيا جديدا . القصيدة اذن مزيج من عناصر تاريخية وكونية . حوار لا يستقر ضمن حدود . ولا مجال للكلام عن شعر فى معزل عن ظمأ دائم للمعرفة وعن وعي شامل مركب .
٤ - قراءة :
عندما صدر ديوانى الاول مدينة بلا قلب فى أواخر عام 1958 اعتبرني النقاد مسؤولا عن باب المدينة والقرية فى الشعر العربي المعاصر . لكن دواويني التالية كانت صدمة لهم ، لأن ما فيها من شعر حول هذا الموضوع أخذ يتناقص ،
وهكذا وقعوا في حيرة البحث لى عن تخصص آخر فلم يوفق أكثرهم وظل الديوان الاول مرجعهم الاساسي في الحديث عني حتى الآن !
والواقع أنى شديد الاعتزاز أيضا بهذا الديوان الذي فتح لى فى الشعر المعاصر بابا ضيقا ولجه كثير من الشعراء بعدى لا متأثرين بالضرورة ، وانما متنبهين على الأكثر الى ما فى موضوع هذا الشعر وفي لغته من عناصر جديدة ، خاصة وان شعراء جيلي ينحدرون مثلى من قرى مصر والعراق وسوريا الى مدن هذه البلاد وعواصمها .
لم أكن أنا أول من نظم حول الريف والمدينة فى الشعر العربى ، فهذا موضوع قديم قدم هذا الشعر(13) ، وانما أنا الذي حاول فى مجموعة شعرية كاملة أن يضيف شيئا جديدا الى ما قيل في هذا الموضوع ، فلم يكن شعري في المدينة أو فى القرية شعر وصف لمظاهر كما كان فى أغلب الشعر القديم ، ولم يكن مفاضلة بين الطبيعة والمجتمع كما كان عند الرومانسيين ، وانما كان شعر خروج وتحول ، شعر معاناة وتمزق بين عاملين متناقضين من السلوك والتقاليد والقيم شعر يستلهم صور الاعراف الفاصلة بين الفردوس الذى خلقته (فردوس الطفولة لا فردوس الطبيعة ) والجحيم الذي أستقبله . لم يكن رفضا للمدينة ولا تشبثا بالقرية وانما كان شعورا بالانقطاع ومحاولة لمد الجذور فى أرض المستقبل الجهنمية . كان محاولة للتغلغل في تفاصيل عالم معاد غير مفهوم ورغبة فى الكشف عن مأساة انتقالنا الى عصر آخر غير العصر الذي قدمنا منه
مثقلي الروح بالأسطورة الدينية الشعبية التى تتحدث عن علامات انتهاء العالم وقيام الساعة ، اذ يتكلم الحديد وتخرج النساء سافرات . و كان من ناحية اخرى رهانا على تحويل موضوعات النثر الى موضوعات لشعر من نوع جديد ، وبصيغة أخرى تأكيدا لمشروعية القصيدة الجديدة . ربما كانت هذه الأسباب التى دفعت معظم النقاد الى نسبتى لهذا الموضوع أو نسبته الى ، وان اعتبرنى نقاد آخرون شاعرا سياسيا استنادا الى أشعارى حول موضوعات الثورة العربية .
لكنى أظن أن معظم هؤلاء النقاد قد وقفوا عند الظاهر ولم يتجاوزوه الى حقيقة شعري . ولاشك في أننى مسؤول الى حد ما عن تضليلهم باللغة البسيطة المباشرة التى تميزت بها أشعارى وخاصة فى المجموعات الثلاث الاولى (مدينة بلا قلب ، أوراس ، لم يبق الا الاعتراف ). لكن لاشك أيضا فى مسؤوليتهم هم عما وقعوا فيه بسبب قراءتهم للشعر من خلال موضوعاته الخارجية ومنطوقاته النثرية دون البحث عن الدلالات الخاصة لهذه الموضوعات بتحليل لغة الشاعر وطريقته فى الاداء .
ان الموضوع لا يصنع القصيدة ، وانما تصنعها لغتها . صحيح أنه قد يكون للموضوع حضور قوى فى بعض الشعر أو فى كثير منه ، لكن هذا الشعر لا يمكن تفسيره بالموضوع وانما العكس هو الممكن ، ففهم الشعر من حيث أنه لغة خاصة أو قول شعري ، كما يعبر الفارابي ، هو الوسيلة الوحيدة لفهم موضوعه ، أو الوصول الى مستوياته الدلالية المختلفة .
لا أتحدث عن قصيدة مغلقة على ذاتها ، ولا عن لغة لا تفصح الا عن قوانين بنائها ، فمهما نجحت القصيدة فى الاكتفاء بنفسها تظل مفتوحة على العالم ، ومهما كانت خصوصية اللغة وبراءاتها تظل محتفظة بعناصر وضعية مشتركة . لا ادعو اذن الى عزل الشعر عن العالم ، ولكنى أفهم صلة القصيدة به على أنها صلة تصور خاص واعادة خلق وتشكيل لا صلة نقل أو تسجيل . كما أن هذه الصلة ليست غاية الشعر ، فالقصيدة لا تتصل بالعالم الا بمقدار حاجتها لكشفه وتمثله .
سأحاول الآن أن أقدم بعض الافكار التى قد تفيد في قراءة شعري ، وأن كنت أحتفظ لنفسي بحق مراجعتها وتعديلها أو التخلى عنها نهائيا ، فأنا أحاسب أولا وأخيرا على كتابة شعري لا على قراءته .
افترض أن الفكرة الجوهرية التى يتبلور حولها نشاطى الشعرى والروحى جميعا هى فكرة التاريخ . ان احساسي عنيف بالتاريخ بما هو صيرورة وتحول وموت . لا اعتبر الميلاد عملا من أعمال التاريخ ، بل هو عمل من أعمال الطبيعة ، وانما الموت وحده هو الفعل التاريخي .
لقد ولد الانسان فى الفردوس خارج الزمن ، وكان يمكن أن يبقى خالدا في الابدية ، وانما تعرض للموت حين اكتشف ارادته ورفض قدره فهبط الى الارض وصار فريسة للزمن . تلك هى بداية التاريخ .
التاريخ بذلك هو الصراع بين الارادة الانسانية والقدر ، أو بين الحرية والناموس ، ونحن نبرر حياتنا وموتنا ، أى نستخلص حقنا من هذا القدر المسلط على رقابنا بقدر ما نحقق ارادتنا فى الحياة ، أى بقدر ما نساهم فى صنع تاريخنا .
غاية الحياة اذن هي رفض الحتمية بمفهومها الميكانيكى ، وتحقيق توازن متوتر بين الجبر الالهى أو الطبيعي وبين الارادة الانسانية . لكننا لا ننجح دائما فى تحقيق هذا التوازن ، ولا نتمكن دائما من أن نلعب دورنا فى صنع التاريخ ، ومن هنا احساسنا العنيف بالاغتراب والضياع والتيه خارج الزمن ، وهنا يأتى دور الشعر .
أتكلم عن الشعر الآن بمعنى شامل ، بمعنى الفن عامة ، أو حتى بمعنى المعرفة . ان الشعر هو اداتنا لمحاورة اللون وتحقيق الانسجام بيننا وبين نواميسه انه اللغة التى يصنعها البشر ليمتلكوا بها الكون عن طريق معرفته ، هو ذاكرتنا الشاملة ووسيلتنا إلى البقاء داخل تاريخ جنسنا واستعادة الطمأنينة فى الاحساس باستمراريته . الشعر هو ديوان الانسانية وملجؤها من الضياع ورقيتها ضد الموت .
من هذه الأفكار الاولى يأتى السؤال الاساسي المطروح فى شعرى ، من أنا ؟ أو يأتى بحثى عن نسبى فى غابة الانساب المشتبكة . كما يأتى بحثى عن لغتى .
اننى أبحث في شعري عن لغة قادرة على استيعاب التاريخ ومعالجة الفجوات القائمة فى الذاكرة . لغة تؤلف بين الذاكرة الخاصة والذاكرة الشاملة بين الفرد والانسان .
من هنا ايثارى للبساطة والوضوح واحساسي القوى بحضور الآخر
شعري شعر مشاهد ومواقف فى لحظات بالذات ، وليس شعر صور مستلة من اللحظة . انه شعر التفاتات زمنية وشهوة لاستنفاد الحاضر وحسرة قاتلة على ما يمضي ويضيع . لدى حنين عاصف للماضى دون رغبة تكراره ، ولا تمنعني قسوة المحن التى مررت بها من أن اتذكرها بحنين . ولدى جرأة على المستقبل دون أيهة أو طلاء . ويحاول شعري أن يجسد مأساة الفقدان وان يألفها ويحقق الطمأنينة بجعل الاحساس بها مشتركا .
وفي شعر يدور حول فكرة التاريخ أوعكس وعيا مأساويا بالزمن ، يمكن للتراث - بالمعنى الجوهري - أن يلعب دورا ملحوظا .
أستطيع أن أقول : إن تراث الشعر العربي هو المادة الاسطورية فى شعري . انا لا احتذى التراث كقواعد أو حدود ، لكنه يسرى كالدم فى خلايا قصائدى . اننى احترم الوزن وأحتفى بالقوافى وانفر من المهجور والمبتذل فى المفردات والتراكيب .
فى هذا الشعر أيضا تكون حياة الشاعر وتجاربه العملية وتقلباته الروحية والفكرية معينا يمده بالالهام والخبرة . نعم ، واني لأعتقد أن شعرا يخلو من مادة الحياة الانسانية هو شعر لا يعيش ، شعر للزينة لا لارواء العطش ، وللتظرف لا للمعانقة .
أحاول فى شعري الاخير أن أوحد بين الموضوعات التى كانت موزعة أو متفرقة فى شعري القديم ، وأن أعيد اكتشافها من جديد . لقد تطهرت نفسي من كثير من الاوهام وخفت وطأة الموضوع كواقعة ، وتحول كل شئ إلى ذاكرة ووجدان .

