( ٢ )
ياشباب الاسلام ! خذوا درس الطموح السامي والمغامرة الحازمة من سيرة هذا الشاب المغوار
ومما استرعي نظرنا بصورة خاصة ، اثناء دراستنا لرحلته (( تحفة النظار فى عجائب الامصار )) مالاحظناه فيه من النزوع الى التجدد بحسب اقتضاء الاحوال فعندما يكون رحالتنا فى الهند يلبس لباس اهلها ، ويصنع صنيعهم فى الامر الدقيق والجليل ، حتى انه ليصطاد صيدهم ، ويجاهد الكفار فى سبيل الله جهادهم بل ويتعلم لغاتهم ، ويتاثر عاداتهم ، ويتخلق باخلاقهم ، ويخاطب ملوكهم وامراءهم وتدب عقارب الحسد فى صدور بعض حواشى هؤلاء الملوك فيمعنون في الكيد لهذا الرحالة الشاب ؛ ولكنه ينجو منهم باعجوبة هى نتيجة عقله الثاقب وذكائه العبقرى . . . واذا وصل هذا الجواب بلاد التركستان فانه ينزل كذلك بزيهم ويركب عرباتهم ، ويعنى بوصف هذه العربات عناية الرائد الحصيف ؛ ويصبح كانه واحد منهم فى الماكل والمشرب وفي كل شيء !
ومع ما يعرو الرحالة النازح ، من اضطراب اعصاب وانتهاك قوى وخور عزيمة وبلبلة فكر فان جوابتنا قد سلم من هذه العوارض طيلة رحلاته الشاقة العالمية فكان مفعم الجوانح سرورا مملوء القلب ابتهاجا ثابت الجنان لدى الصدمات رابط الجأش حين الا زمات وكأنما قد قلبه من فولاز وجسم من صخر صلد وكان واعيته (( حاك )) لكل ما مر عليه فهو يسجل له الحوادث والوقائع والملاحظات تسجيلا فنيا دقيقا ويحفظها له فى طياته فايان يلزم النبث يجد كل حوادث رحلته محفوظة مضبوطة فى (( اسطوانة )) قلبه الرائعة ومع هذه الحافظة النادرة تجده ذا عقل خصب ورووية المعية فما تمر عليه حادثة او منظر او مخبرة الا واستخرج منه العبر والعظات والفوائد الجزيلة ادبية او عمرانية او اقتصادية او اجتماعية . . مما جعل كتابه اشبه شىء بدائرة معارف القرن الهجرى الثامن اسمع ما يقول عن خدام المسجد النبوى فى عهده - ..
وخدام هذا المسجد الشريف وسدنته فتيان من الاحابش وسواهم وهم على هيئات حسان وصور نظيفة وملابس ظراف وكبيرهم يعرف بشيخ الخدام وهو فى هيئة الامراء الكبار واسمع ما يقول عن ثغر جدة فى زمنه : -
وهى بلدة قديمة على ساحل البحر يقول انها من عمارة الفرس وبخارجها مصانع قديمة ، وبها جباب للماء منقورة فى الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الاحصاء كثرة ))
وعند ابن بطوطة نبوغ عظيم فى تلقف اللغات ، فقد فهمت من دراستى لكتابه انه يتقن (( العربية )) وانه على المام بالبربرية والفارسية والهندية والتركية؛ اما اللغة العربية فهى لغة وطنه وهو أحد العلماء فيها والبربرية هي لغة قبيلته (( لواتة )) وأما الفارسية فانما قلنا انه على المام بها بدليل المخاطبات التى كانت تجرى بينه وبين السلطان (( محمد شاة )) بهذه اللغة ؛ وبدليل ماشحن به مؤلفه من كلماتها وعباراتها . وهكذا شأنه في الهندية والتركية .
اما دقة ملاحظاته فى وصف مشاهداته فحدث عن البحر ولا حرج ، فها هو يصف النباتات والاشجار والمآكل والمشارب والملابس والمظاهر والمصنوعات التى تكون له بها علاقة ما وصف الخبير المدقق الذى يعنى بانتظام الوصف وشموله والكشف عن المنافع والمضار والاسباب والمسببات . . استرعي نظره ، وهو سائح فى بلاد الترك شكل هذه (( العربات )) التى تجرها الخيل فى تلك البلاد ، فيركبها المسافرون وتجتازبهم المسافات الشاسعة وهم من صناديقها الكبيرة ، فى غرف واسعة مؤثتة باللوازم ، تجعلهم فى راحة من الشعور بمشاق السفر واهواله - استرعي نظره هذا اللون الجديد من أدوات السفر والانتقال فعنى بوصفها وصفا دقيقا خالدا قال فى الفصل الذى عقده لهذا الغرض والذى جعل عنوانه هكذا : -
(( ذكر العجلات التى يسافر عليها بهذه البلاد ))
(( وهم يسمون العجلة عربة ( بعين مهملة وراء وباء مفتوحات ) وهى عجلات تكون للواحدة منهن أربع بكرات كبار ، ومنها ما يجره فرسان ، ومنها ما يجره اكثر من ذلك ،وتجرها أيضا البقر والجمال ، على حال العربة فى ثقلها أو خفتها والذى يخدم العربة يركب احدى الافراس التى يجرها ، ويكون عليه سرج ؛وفى يده سوط يحركها للمشى ، وعود كبير يصوبها به إذا عاجت عن القصد،وهى خفيفة الحمل ، وتكسى باللبد أو بالملف (١) ويكون فيها طبقن مشبكة ، ويرى الذى بداخلها الناس ويرونه ، ويتقلب فيها كما يحب ، وينام ويأكل ويقرأ ويكتب وهو فى حال سيره . والتى تحمل الاثقال والازواد وخزائن الأطعمة من هذه العربات يكون عليها شبه البيت كما ذكرنا وعليها فقل )) اه
فهذا الوصف الحافل لنوعي العربات ، يدل على مبلغ حذاقة ابن بطوطة فى استعراض مشاهداته ، ولو قام اليوم فنى بليغ وازمع وصف هذه العربات لما زاد شيئا عما سجله ابن بطوطة فى كتابه منذ عدة قرون !
ومن دقة ملاحظاته تعمقه إلى حقائق المسميات وفلسفه الاسماء ؛ ومن ذلك قوله عن اقليم (( بنجاب )) بالهند : ان السبب فى اطلاق هذا الاسم عليه انه ذو أنهار خمسة . قال : والبنج فى لغتهم معناها خمسة ؛ والآب هو النهر . . أى الاقليم ذو الأنهار الخمسة . وقد وصف هذه الانهار الخمسة . واذن فلقد اوصلنا ابن بطوطة إلى ادراك سر تسمية بنجاب بهذا الاسم المركب تركيبا مزجيا قد يخفى على كثير من الناس ! المدينة المنورة
