انه لشرف اتاحه لى صديقى العزيز الدكتور محى الدين صابر الامين العام للمنظة العربية للتربية والثقافة والعلوم لأقول كلمة الافتتاح فى موضوع قضايا الشعر العربي المعاصر بين ثلة من الاساتذة الكرام ، وانها لفرصة خولها لى الصديق العزيز اشكره عليها جزيل الشكر لانه مكنني من ان استعرض بعض الافكار المتواضعة كنت ادليت بها في مناسبات عديدة ولعله من قبيل الحظ السعيد ان ابسطها على مسامع اخوان لهم باع فى هذا الموضوع .
وانه لا يخفى على احد ان الانتاج الشعرى يحظى بمنزلة خاصة ضمن التراث العربى فى مختلف مراحله وعهوده ، وقديما اكد الكثيرون ( ان الشعر هو ديوان العرب ) والمعبر الصادق عن احوال معاشهم وظروف حياتهم واطوار ادبهم .
ولقد كتب الكثير وقيل الكثير فى قضايا الشعر العربي ، وحبرت الدراسات والبحوث في مسائل ذات صلة بهذا الموضوع الثرى ، ولست اعتزم ، فى هذه الكلمة ، ان اورخ للشعر العربى او اتناول العديد من قضاياه المتشعبة ، انما اكتفى باثارة جملة من المسائل لعلها تلخص قضية اساسية هى فى نظرى قضية الشعر العربي في مختلف مراحله وتطوراته .
ولقد سبق لى ان اشرت في اكثر من موضع مما كتبت ، الى ان قضية الشعر العربى فى جوهرها هى قضية لغة الشعر ولكنها ايضا قضية اللغة العربية قبل كل شئ .
ذلك ان لغتنا العربية قد خرج بها الاسلام من اطارها المحدود كلغة العرب الى مستوى انسانى ارحب واثرى فحملها مسؤولية التعبير عن ثقافات شعوب وأمم متعددة دخلت الى الاسلام وانضمت الى الثقافة العربية الاسلامية الجديد ونقلت معها الى هذه الثقافة وجوها متنوعة ثرية من أساليب النظر ومناهج الفكر واصنافا من القيم والمفاهيم تستند الى حضارات عريقة تجسم مجمل التراث الانسانى فى تلك العهود ، فكان على العربية ان تضطلع بمسؤولية التعبير عن فلسفة اليونان وحكمة الهند ومعارف فارس . وعلوم الصين ... وكان عليها ان تؤدى ما ينشا من ضروب التفاعل الحي بين هذه الحضارات في اطار الثقافة العربية الاسلامية الجديدة لتنحت من خلال كل ذلك ، مصيرها كلغة ذات رسالة انسانية تستجيب لمتطلبات الدين الجديد وتستوعب ثقافات دخيلة ، وتؤدى دور اللغة القومية لشعوب حديثة الانتماء الى الثقافة العربية ، وتعبر عن تطور المجتمعات الناطقة بها لتكون مقوما مستجيبا لمقضيات الحياة المتطورة .
ولعله من اليسير ان نتبين ما عاشته العربية من ضروب الجهد والمعاناة فى هذه التجربة والتحول على مستوى اللغة الفلسفية مثلا ، بمجرد تتبع لغة الكندى فى مؤلفاته الفلسفية وما تنطوى عليه من العنت والغموض ، ولقد اقتضت هذه التجربة مدة من الزمن لتتمكن العربية من التعبير عن مفاهيم فلسفية فى لغة سلسلة واضحة كما هو الشأن مع الغزالي وابن رشد وغيرهما من اصحاب المؤلفات الفلسفية العربية حتى يظهر ابن خلدون بلغته العجيبة التى كانت ايذانا للعصور الحديثة .
وكانت حيرة اهل العربية عظيمة عندما قننوا اللغة وضبطوا قواعدها واحكموا القيود فيها من جهة واقبلوا على الحياة الحية فى زخارتها وتنوعها وتعدد مشاربها من جهة اخرى ولم يجدوا مفرا - حرصا على ان تبقى الفصحى مسايرة لمقتضيات تطور العصور - من ان يدفعوا بالجملة العربية من الداخل الى فنون من الارتباط بالحياة مع المحافظة على القيود والقواعد .
وان هذا الدفع الداخلى للجملة فى الفصحى ليس هو الاسلوب بل هو ما سميته اللغة التجاوز التى تخلق نفسا جديدا من اللغة هو كامن فيما دعوته
التطعيم الايقاعى (1) وهذه النظرية تقول بأن كل عبقرى اضفي على الجملة العربية نمطا جديدا غير به ايقاع صياغته فانه قدر فى الحقيقه على افحاء ايقاعات لهجته العامية المحلية فى الفصحى وتطعيم صوغه لها بهذه الايقاعات من كلامه ومعنى هذا اننى ادعى ان امثال ابن المقفع والجاحظ وبديع الزمان الهمذاني والتوحيدى وابن خلدون وأبى نواس وأبى العتاهيه والشابى ومحمود المسعدى وغيرهم قد طعموا جملتهم بايقاعات لهجاتهم المحليه بدون ان يشعروا لقدرة حباهم الله بها لان اللغة العربية الفصحى باعجازها وطاقتها الكبرى قادره على الديمومة والاحتفاظ بعبقريتها الكامنة في نحوها مع الارتباط بواقع اهلها المتحول والمتحرك الذي تعتبر اللهجة المحلية جزءا منه يحمل خلاصه الحياة المعاشة ويترجم عنها حق الترجمة ولكن تبقى الفصحى دائما هى القادرة على السمو بذلك الواقع وتلك الحياة وهذا سر من اسرار بقائها .
وان هذه المعادلة الصعبة لتظهر جلية فى الشعر العربي الذي احتفظ ببحوره واوزانه ورغم هذا فقد تطور تطورا كبيرا وكان على شعراء العربيه ان يبتدعوا اللغة الشعرية الحديدة الكفيلة بالاستجابة لهذا التحول الجذرى ، القادرة على التعبير عن المضامين المستحدثة والتفاعل الحضارى القائم وان يبتكروا ضمن هذه اللغة الشعرية انواعا من الموسيقى والايقاع والتناغم وغيره من الخصائص التى لا يكون الشعر شعرا الا بها .
لكن يظهر ان شأن العرب مع لغة الشعر كان غير شأنهم مع لغة العلوم والفلسفة وربما كان مرد ذلك الى رسوخ الثقة بموروثهم الادبى والشعرى ، بما حمل عل القصد في الاستجابة لمقتضيات التحول الجديد فى مستوى لغة الشعر وزهد في الاستفادة الواسعة من تجارب سائر الشعوب المؤلفة للمجتمع العربى الاسلامى الجديد فى هذا المضمار .
ذلك " ان اهل العربية قد وجدوا انفسهم امام ظاهرة غريبة قديمة وهي استباط ابنية قارة للشعر تتمثل فيما يسمى بأوزان الخليل . ونحن لا نعلم سر اختيار العرب للبحور المعروفة ، ولكنه من واجبنا ان نسلم بأنهم ضيقوا
على انفسهم تضييقا كبيرا حتى انه يمكننا ان نحصر ابنية الشعر العمودى فيما يقرب من سبع وستين بناء " (1) .
ومهما تكن اسرار الاختبار فان أوزان الخليل بن أحمد قد بنيت على استقصاء لما سبقه من الشعر واستقراء لاوزانه وبحوره وتصنيف لقوالب شعرية مطروقة فالالتزام بها علي مر الدهر ، مهما كانت التجديدات الجزئية والاجتهادات الطريفة ، فى حدود هذه القوالب ، انما هي فى النهاية اكتفاء بالماضى ، وحد من امكانيات الابتكار والخلق ، وتضييق للاجتهاد فى مجال موسيقى الشعر ولغته وايقاعه بالخصوص .
والمسالة في هذا الباب لا تعود الى التفعيلة فقط بل ترجع الى الوزن بتمامه ( فالبحر الطويل مثلا بما فيه من تفريعات (ثلاث) يمثل ثلاثة قوالب جاهزة يتبارى فيها الشعراء ، ولقد حاولت ان انظر فيما غربله التاريخ من قصائد عربية ثبتت خاصة لما فيها من موسيقى موفقة ، واكتمال بنائها الشعرى فوجدت أمرا غريبا ، ان الوزن الواحد يقول فيه الشاعر المتقدم فى الزمن ، وياتي من بعده محاولا استكماله فنيا ، فاذا اتفق لاحدهم ان يستفرغ ما فى ذلك الوزن من طاقات ايقاعية . وموسيقية فانه يغلق الباب على غيره وينتهي امر ذلك الوزن ، ويصبح كل شاعر يصوغ شعره فيه مقلدا وظلا لغيره (2) .
ان اللغة الشعرية مهما كانت منطلقاتها مربوطة بالوزن اذ هو ضرورى للشعر لاغني عنه .. متصل كل الاتصال بماهيته وجوهره " وهو أداة من ادوات التعبير فيه .." (3) لكن هل يقتضى كل ذلك ان يقع الاعتماد على أوزان قارة مطروقة والاقتصار على ما ابتكره السالفون من اوزان شعرية خلال مرحلة معينة من الزمن ، والانحباس ضمن ما احصاه الخليل بن أحمد من أوزان شعرية للسابقين ؟ وهل لدينا ما يؤكد ان هذه الاوزان كفيلة بالتعبير عن مقتضيات تطور المجتمعات الناطقة باللغة العربية على مر العصور ، قادرة على الاستجابة لما يجد لديها من وجوه التحول فى الذوق والرؤية واساليب التصرف والاحساس والحياة ؟
ان تطور الشعر العربي ليس مجرد تطور فى الاوزان والدوائر وعمود الشعر بل هو تطور لغة الشعر بصفة اساسية اى اللغة العربية بما يسمح لها ان تحتفظ بمنزلتها كلغة للحياة تواكب سائر وجوه التحول فى المجتمعات التى تعتمدها لغة قومية وتعبر بطرافة وعمق عن احاسيسها ومستجدات الحياة فيها ... واذا كان الجانب الموسيقى او ما يسمى بالموسيقى الخارجية للشعر عنصرا اساسيا لا يكون الشعر بغيره شعرا فانه ليس من المسلم به ، نظريا على الاقل ، ان يقع فى بناء هذه الموسيقى بانماط جاهزة وقوالب محددة لا يمكن التغيير فيها الا في حدود ضيقة مقننة ، وهل لهذا التضييق المجحف ما يمكن ان يبرره ويقره ؟
ان بعض الشعراء الاندلسيين قد احسوا بضيق هذه القيود واستمدوا من محيط الحياة في بيئتهم الجديدة الوانا من الموسيقى والايقاعات الشعرية نابضة بالحياة لم يعرفها العرب من قبل ،" فشقوا طريقا أخرى فى الشعر عددوا بها ابنية الشعر العربي رغم محافظتهم على البناء الاصلى ، فهم في حقيقة الامر لم يتلاعبوا بالتفعيلة بل تلاعبوا بالقافية وفكوا انفسهم من اسرها بدراية كبيرة جعلتهم يدخلون على السبعة والستين وزنا المعروفة ابنية جديدة منغمة لا تخرج فى غالبها عن الروح العربية رغم تطعيمها بعناصر اجنبية . فكانت التجربة موفقة الى حد بعيد " (1) .
وامكن للوشاحين الاندلسيين ان يدخلوا دما جديدا بتفجير لغة الشعر القديمة الى لغات أخرى وخرجوا بفطنة وذكاء من قالب القصيدة التقليدية فى الشعر العربى .
وتمثل تجربة الشعر الحر التى ظهرت حديثا وجها آخر من وجوه التجاوز للقوالب الجاهزة للقصيدة التقليدية ، فلقد حاول هذا اللون من الشعر الجديد التخلص من البحور الشعرية المعروفة والتمسك بالتفعيلة يعتمدها اساسا لبناء موسيقى الشعر ويتصرف فيها بصفة حرة ليعوض البيت القديم ذا المصراعين ببيت يخضع لمتطلبات المعنى المراد التعبير عنه ، واستعمل هذا اللون من الشعر القافية ايضا ولكن بصفة مرنة غير ملزمة وعلى نحو يختلف عن الالتزام بها في القصيدة التقليدية .
ولعل اهم الصعوبات التى واجهتها هذه التجربة تتجسم فى ان التفعيلة جزء من دائرة كاملة تتكرر ، والتفعيلة اذا هي انفصلت عن هذه الدائرة لا معنى لها فى بناء الشعر ويمكن ان نظفر بها فى النثر الفنى دون ان يتحول الى شعر ، وهكذا يظل الشعر الحر بين أمرين اما ان يبقى فى حدود دائرة الوزن فيخضع للبحوث بقطع النظر عن طول البيت او قصره واما ان يكسر الوزن بالتلاعت المفرط بالتفعيلة وبذلك يخرج اصلا عن لغة الشعر .
فالتفعيلة اذن ليست وحدة ايقاعية بل هي وحدة عروضية او دائرية تقريبية وقد شعر كثير من الدارسين والباحثين فى هذه السنوات الاخير بضرورة البحث عن الوحدة الايقاعية فى الشعر العربى فهناك من استعمل الارقام الثنائية كالدكتور محمد طارق الكاتب ومنهم من راي انه (فى مقدورنا ان نصف الايقاع الشعرى بطريقة تستقى من النظرة النووية فى العلوم وانما بشكل مبسط كالدكتور كمال أبو ديب الذى توصل فى آخر الامر الى ايجاد وحدة ايقاعية يمكن تطبيقها على الشعر العربى العمودى والحر وحتى الخارج عن هذين الصنفين ، ومضى الاستاذ محمد العياشى فى كتابه نظرية ايقاع الشعر العربى الى الاستعانة بالموسيقى وترقيمها وتوصل الى ايجاد عنصرين في الايقاع واعطى لكل عنصر ترقيما موسيقيا .
وفي ظني انه فى الامكان البحث عن الوحدة الايقاعية عن طريق الآلة وخاصة مسجل الذبذبة باشعة مهبطية Ccillographe cathodique المنسق مع ضابط الصوت Sonometre وهذا كفيل بان يكشف عن سر من اسرار الشعر العربى .
وهكذا يظل الشاعر العربي رغم اهمية هذه التجربة مدعوا الى الابتكار والبحث عن الوحدة الايقاعية من اجل بناء لغة شعرية جديدة تحتفظ للشعر بمقوماته الاساسية وتستجيب لمتطلبات التطور والحياة . وبذلك يتضح ان المشكل فى النهاية انما هو مشكل علاقة جدلية حية معقدة بين موروثنا الفنى فى لغة الشعر من جهة ومقتضيات الحاضر والعصر ، ومتطلباته من جهة ثانية ، فهو مشكل العلاقة بين الاصالة والتفتح على انفسنا اى على حياتنا المعاشة والتفتح على غيرنا اى على العالم وهي قضية بداها عندنا رجال الاصلاح مع خير الدين التونسي ولا يزال المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة يوليها عناية كبيرة وبها دفع - على حسب أصول ثانية مكينة - بعجلة التطور فى تونس مع التشبث بمقوماتنا الذاتية العربية الاسلامية .
وهذه قضية اخرى من أعوص القضايا التى جعلت الشعر العربى لا يتخطى حدود البلاد العربية قديما وحديثا ، ففي القديم عرف الغرب كتب الفلسفة والطب والقصص ، والتاريخ ولم يعرفوا عن الشعر العربى الا القليل وفي العصر الحاضر اهتم القراء الاجانب بالايديولوجيات وبالقصص وبالنشر بصورة عامة ولم ينظروا الا باحتشام الى دواوين الشعر العربى المعاصر .
هل القضية قضية شكل ؟ والحال ان الامر يستوى عند الترجمة ويبقى المحتوى هو الفيصل ام القضية ماذا ؟
هناك أمر يجب ان نوليه أهمية كبرى ولا يمكن بحال ان نغض الطرف عنه وهو هذه الظاهرة التى تجعل الغرب يطرق سمعه بكل قوة انتاج مثل انتاج ابن خلدون وشعر مثل شعر اقبال وكتابة مثل كتابة جبران ولا يحرك ساكنا امام شعر المتنبى مثلا وشوقي وحافظ ابراهيم وغيرهم .
سؤال يجب ان نردده على انفسنا لندرس جوانبه ونوجد الحل . لعل ذلك يكون فى نطاق حوار الثقافات حتى نعبر بقوة عن قضايانا المصيرية بمحتوى يتلاءم مع مشاغل العصر ولغة ايقاعها قادر على محو التفاوت بين ايقاع الحياة عندنا وايقاع الحياة عند الغير .
هذه - حضرات الاساتذة الكرام - لمحات مما اردت ان اساهم به فى ندوتكم وهى ليست الا رؤوس اقلام لقضايا لا اخالكم الا ستمحصونها وتحللونها ويبقى للشاعر وحده بعبقريته وموهبته القدرة على تجاوز كل هذه القضايا وحل مشاكلها . اتمنى لكم النجاح في اعمالكم واشكركم جميعا على عنايتكم .

