الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

* فى معرض الناصر وسيزان القليبى :، التعبير عن العنف بالألوان

Share

(( الفن هو أن نقول لا )) هكذا قال أحد النقاد . . وفى ذلك جانب كبير من الحقيقة ، فالفن ينشأ - إذا كان أصيلا - من وعى وعدم رضى . . لا عدم رضى نابع  من نفسية مريضة بائسة ترفض رفضا قاطعا كل عناصر الوجود و كل معطيات الانسان ، بل عدم رضى يولد من احساس بالواقع وعزم على المساهمة فى تغييره . . فالرفض هو أن لا نقول لا فقط ، بل أن نقول نعم للأفضل و الأصدق والأقوم ، أن نتحرك لانجاز ما هو أفضل وأصدق وأقوم . لعل هذه المعانى تتحلى فى معرض الناصر وسيزان القليبى . قيل عن الناصر أنه  ((الفنان الذى يقول لا )) ولوحاته تؤيد هذا الزعم . . فهى لا تتقيد بأية قاعدة متعارفة للرسم التقليدى . . . يحس المشاهد أنها - رغم ضيق مساحة أبعادها - تتوق نحو التحرر الشامل . فهى تعجز أحيانا عن الانعتاق الكامل إذ تبقى سجينة ثقافة الناصر القليبى وتأثره .

يقول حاتم المكى عن الناصر : (( إن الأشكال التى يعجنها هذا الرسام يبدو دائما قوية وموضوعة فى إطار هذه القتامة المضاءة التى توحى بكهوف النفس ، حيث تتجابه وتحتدم ما سماه العالم النفسى يونغ بــــــ (( الطاقات الكامنة )) .

هكذا نفهم عالم الناصر الذى لم يرسم لنا قط المرئيات الخارجية للحياة ، بل تغلغل بنا فى مناخ نفسى مغاير للمحسوسات وموح بها . . وهذا ما يجعل الناصر أصيلا ، فأغلب الرسامين التجريديين ينطلقون من البحث الجمالى لاقرار هرمونية وموسيقى لوحاتهم ، ثم يصلونها شيئا فشيئا بخلجات النفس . . . أما الناصر فأغلب الظن أنه ينطلق من حلمه الباطنى كما يتراءى لذهنه فيرسم الاشكال بغرابة وفن . . . ثم يضفى الألوان لخلق التطابق ... ونراه ينجح كثيرا فى إبلاغ تجربته الروحية ... فرسمه ذهنى قبل كل شئ .

قال الناصر عن أعماله : (( أرسم بعنف . . . الرسم لدى هو تعبير عن العنف . . . )) ذلك ما هو رائع حقا ... فالعنف هو الخيط الرفيع الذى يصل اللوحة باللوحة ، يشد اللون الى اللون . . ويعطيك احساسا جبارا بالعمق ... فالعنف كرد فعل انسانى هو النسغ الاول للانسان . . عبر به المجاهد والشاعر والرسام وهم يبحثون عن الحق والخير والجمال فى العالم . العنف هو تلقائية الفن ودرجة قصوى من درجات نقائه وصفائه ويسره . وهو ايضا ظاهرة سياسية وسوسيولوجية من ظواهر حضارتنا المعاصرة . . فلماذا لا يستغلها الفن من أجل بقائه ومعاصرته . نلاحظ أن أجمل اللوحات وأكثرها جمعا واستخلاصا للعناصر التى ذكرناها هى اللوحة رقم 21 بعنوان  ((الثيران )) وتبدو الحركة فيها أهم من الشكل ... فهذه الحيوانات تظهر فى تطاحن مسميت

من أجل شىء ما مع استعمال اللون الابيض المثير يتخلل مساحة من الالوان السوداء والزرقاء والبنية لابراز القرون ... كسلاح ضد المجهول . هنا يتجلى التعبير بالعنف فى أروع ديباجة ويبدو أكثر فأكثر توق الناصر القليبى إلى النفس البشريه وتجريدها من زيف السلوك اليومى . ويجتمع العنف بالجنس فى لوحات عديدة . . إذ يكتسى العراء الأنثوى لا طابع الاغراء ولا طابع الشهوة ... بل طابع فرض الذات ... - فهو أى العراء - سلاح لفرض النفس . . وهو اشارة لحب البقاء وتنازع الحياة ...

أما سيزان القليبى ... فهى تميل الى نقل الأشياء الفولكلورية . . لوحاتها لا تخلو من ملاحظه دقيقة وعين خاطفة إنما تبقى كلها بطاقات بريد للتعريف بتراث تونس ومعالم شخصيتها . . نرجو ان يتحرر الناصر بما يملكه من قدرة وثقافة من بوتقة التحليل النفسى . . لاقرار موقفه من العالم . . من أجل مزيد من الايجابية ... ومزيد من الشمول .

اشترك في نشرتنا البريدية