تكتسى الاحزاب السياسية فى عصرنا الحاضر أهمية بالغة تمكنت بفضلها من السيطرة على عواطف البشر وعقولهم وضمائرهم كما تمكنت بفضلها أيضا من أن تلعب دورا طليعيا فى السياسة.
ومعلوم ان السياسة هي فن الحكم وبها تنظم الامم وتحكم الدول . والاحزاب السياسية غالبا ما تكون الوسائل التى يصل بواسطتها السياسيون الى الحكم .
ومعلوم أيضا أن النظرية الديموقراطية الكلاسيكية تفرض وجود علاقة مباشرة بين الحكومة والشعب . ولكن الديموقراطبة التمثيلية الحديثة أوجدت وسيطا بين الشعب والحكومة وهو المجلس . والمجلس نفسه يتركب من مجموعة أو مجموعات تعرف " بمجموعات الضغط " وهى الاحزاب السياسية .
والحزب السياسى فى نظر الباحثين هو إتحاد بين مجموعة من الافراد للعمل مع بعضهم بعض لفائدة الصالح العام - أو الصالح القومي - وفقا لمبادىء خاصة متفق عليها من الجميع . وهو منظمة لها جهاز إدارى كامل وتشكيلات متنوعة ومرتبطة بعضها ببعض من القاعدة الى القمة كما ان له أنصارا يختلف عددهم باختلاف أهمية الحزب وتأثيره على الرأى العام وجلبه لمذهبه.
ويقوم الحزب بأعمال ترمى أساسا الى الحصول على السلطة لتحقيق اهدافه وبرامجه من كرامة وحرية وازدهار . ولذا فالحزب يقدم للشعب مجموعة من الخدمات العامة وهذه الخدمات ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة للسيطرة السياسية وتقلد مناصب الحكم . وتتلخص هذه الخدمات في ما يلي :
أولا : بعث الوعى فى الجماهير الشعبية وذلك بتقديم مختلف التوضيحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بطرق مبسطة للوضع في البلاد المراد تغييره وتحسينه.
ثانيا : التشجيع على تحقيق الوحدة القومية والعمل على التوفيق بين وجهات النظر المتعارضة بين الافراد والجماعات والعمل على التهوين من شأن الخلافات الشخصية أو المصلحية أو الطبقية مع إعلاء شان كل ما يرمى الى تنمية المصالح المشتركة.
ثالثا : العمل على تمكين الجماعات المختلفة من التعبير عن رغباتها ومعتقداتها بطريقة منظمة وفعالة مما يقوي روابط الهيئة الناخبة بالهيئة الحاكمة
وتحاول الاحزاب أن تحتفظ بقوتها عن طريق وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية بين أعضائها . وتستعمل الاحزاب فى سبيل ذلك وسائل مختلفة ترمى الى اشباع شتى رغبات الافراد .
ومن الوسائل السياسية المناقشة والتوفيق بين وجهات النظر المتضاربة بين أعضاء الحزب ولا يخفى أن المناقشة العلنية داخل الحزب لا ترمي إلى كسب الانصار بقدر ما ترمي إلى زيادة توثيق الوحدة بين الاعضاء
ومنها أيضا التمثيل النيابى والاشتراك فى الاعمال الادارية والقضائية قصد تحقيق مبادىء سياسة الحزب وأهدافه
وتعمد الاحزاب عادة إلى إنتقاد الاحزاب الاخرى صونا لسلامة التماسك والتضامن بين أعضائها وتوثيقا للشعور بالوحدة فيهم وهذه الوسيلة تثبت في نفوس أعضاء الحزب بأنهم على حق وغيرهم على باطل .
كما تعمل على التوفيق بين المصالح الخاصة لاعضائها وللجماعات المنضوية تحت لوائها وبين المصلحة الوطنية عن طريق التمسك التام بالشعارات القومية
وتستعمل الاحزاب السياسية جميع الوسائل للاتصال بالشعب من اتصال مباشر وصحافة وإذاعة وتلفزة ومدارس وغير ذلك من الوسائل الأخرى للتأثير على الرأي العام وكسب تأييده
وتنقسم الاحزاب إلى عدة أنواع أهمها أحزاب البرامج ومن خصائصها التصميم على تصوير الحياة السياسية حسب مذهب معين غالبا ما يكون مذهبا اجتماعيا يسعى إلى إكتشاف العوامل العلمية التى يخضع لها المجتمع وتوضيح الاهداف التى يتحتم الوصول إليها والسبل التى يجب
توخيها . إلا أن هذا النوع من الاحزاب يعمل على مراعاة الواقع ومعالجته حسب معطياته الحقيقية . وهكذا مثلا احتد النقاش حول المذهب الذى ضبط تعاليمه الاساسية كارل ماركس وانقلز وحلل تطوراته لنين وستالين من طرف قادة البلدان الشيوعية فى روسيا السوفياتية والصين وغالبا ما يتأثر هذا النوع من الاحزاب بعبقرية شخصية تنشئ الحزب وتوجه نشاطه وتضع برامجه دون التقيد بالنظرية بل نبراسها الوحيد الواقع والتجربة . الا أن هذه الاحزاب تجمع في ما بعد المعاني التى توحى بها ثورتها وتربط بينها فتخلق من تاريخها مذهبا قويا يعتمد على نظريات وينتهج طرقا وقعت تجربتها . وابرز مثال على ذلك حزبنا الحر الدستوري ومذهبه البورقيبي المتولد عن الواقع التونسي وتاريخ كفاحه ومقضيات مجتمعه . فالحزب بفضل قيادة المجاهد الأكبر تمكن من بث الوعى القومى في نفوس الجماهير الشعبية كما غرس فيها الشعور بالكرامة . وبذلك تسنى له تحقيق الحرية والإستقلال رغم ضعف الإمكانيات وقساوة الظروف وبفضل الطريقة البورقيبية المتشبثة بالمبادىء واللينة في الوسائل والمنتهجة لسياسة الترغيب والترهيب وتفضل الاهم على المهم باعتباره خطوة حاسمة نحو تحقيق الغاية النهائية . . كما أخذ الحزب على عاتقه اليوم إتمام رسالته المقدسة لفائدة الشعب وذلك بغية تحقيق الكرامة والإزدهار . فاختار سياسة التنظيم والتخطيط والحد من الحرية المطلقة واقناع الفرد بهذا الحد الفائدة المجموعة . وأصبح رائد تونس تحقيق اشتراكية مستمدة من واقعها الصميم ومن امكانياتها المادية والبشرية أساسها الاقناع والتضامن ونبذ الشحناء والتطاحن.
وبجانب هذا النوع من الاحزاب احزاب البرامج قصد التحرر السياسى والاقتصادي والإجتماعي توجد أنواع أخرى:
فهناك أحزاب الاشخاص التى تمتاز أولا وبالذات بالولاء لشخصية الزعيم والتى تتكون فى الدول التى يقوى فيها الشعور برابطة القربى أو القبيلة . وينتشر هذا النوع من الاحزاب فى بعض بلدان الشرق وإفريقيا السوداء . .
وهناك نظام الحزبين كما في المملكة المتحدة ببريطانيا العظمى والولايات المتحدة الامريكية . ويختلف نظام الحزبين عن نظام أحزاب البرامج في أنه لا يعتمد في وجوده على البرامج وحدها - اذ غالبا
ما تكون البرامج واحدة - بل الغرض منه هو ممارسة رقابة من الحزب المعارض على الحزب الذي يصبح فى الحكم . .
وهناك أخيرا نظام الحزب الواحد . وقد اختارته أغلبية الدول الحديثة في البلدان النامية تمشيا مع واقعها وحاجياتها . وكثيرا ما ينكر رجال الفكر السياسى فى الغرب لهذا النوع من الاحزاب صفته الديموقراطية . والواقع أن النظم " الشمولية " الحديثة ليست نظما سياسية منافية أو مجافية للنظم الديموقراطية بل هى حلقة فى سلسلة تطورات هذه النظم وهى تعمد فى بقائها على المعاضدة الجماعية والمساندة الشعبية . وعلى الرغم من أن النظم الشمولية الحديثة لا تؤمن بالوسائل التقليدية للديموقراطية البرلمانية فإنها من الناحية الشكلية تحتفظ بالكثير من هذه الوسائل.
ولنا أن نتساءل لماذا لم تتخذ الدول الحديثة غالبا نظام الحزبين أو تعدد الاحزاب ؟ من الواضح أن هذا النظام يحتاج إلى خبرة طويلة الأمد كما يحتاج إلى تظافر جميع المواهب بالإضافة إلى الإستقرار فى البناء الإجتماعى للدولة كما حدث ذلك في البلدان المتقدمة فى أروبا الغربية مثلا . ولا يخفى أن كل هذه العوامل لا تتوافر لدى الدول الحديثة العهد بالاستقلال والسائرة فى طريق النمو وذلك لانخفاض نسبة التعليم فيها ولوجود العصبيات العائلية أو القبلية أو الإقليمية.
وعلى كل فإن نظام الحزب الواحد هو بمثابة مدرسة للتربية المدنية وللوصول إلى الديموقراطية الحقيقية ، فإنه يسمح بالنقد والمعارضة داخل الحزب نفسه بل يعطى وزنا كبيرا لها حتى ان الحزب لا يتردد فى تغيير سياسته واوضاعه ليتجاوب مع النقد الاصلاحى والمعارضة البناءة.
وبهذه الطريقة يمكن تربية أعضاء الحزب تربية سياسية متينة مع مراعاة المصلحة العامة أولا وبالذات والاشتراك في مجهود موحد لفائدة الجميع.

