الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

في تجديد طرق تعليمنا, التعليم المبرمج

Share

تتطور طرق تلقين المعرفة للانسان بتطور الزمن وذلك باستعمال وسائل فنية اكثر احكاما واتقانا اذ من المعلوم ان طريقة تلقين المعرفة للطفل التى يقوم بها المعلم شفاهيا منذ أقدم العصور اتسع نطاقها الى حد بعيد منذ ان عرف الانسان الكتابة والطباعة لينتهى بنا اليوم الى وضعية تربوية جديدة ينبغى استغلالها الاستغلال الكافى لارضاء حاجياتنا المتزايدة الى المعرفة سواء اكان ذلك فى ميدان التربية المدرسية التقليدية او فى ميدان التربية المتواصلة .

ذلك ان فى عالمنا هذا حيث التقدم الفنى يخطو بسرعة مدهشة يوما بعد يوم وحيث ان العلوم اخذت تعتمد اكثر فاكثر على الملاحظة وعلى المفاهيم الرياضية فقد اصبح من الضرورى ان نساير هذا التقدم وان نعمل على اكتساب المعرفة فى كل طور من اطوار حياتنا ولا سيما كل ما فيه تخصص لكن نشر المعرفة وتعميمها بين الجنس البشرى المتزايد العدد بالطرق التقليدية بات عسيرا جدا اذ لم نقل مستحيلا نظرا لما يتطلبه من اعتمادات وتمويلات لا حول ولا قوة لنا بها ولذا وجب البحث عن جهاز تربوى مناسب يساعدنا على مواجهة الموقف ذلك مما اوجب استعمال الوسائل الفنية والسمعية البصرية بطريقة منتظمة وبعث التعليم المبرمج الذى سينجر عنه تقدم فى نشر المعرفة وبث الثقافة مثلما انجر عن استعمال الكتاب والسبورة والطباشير فى هذا الميدان .

وباعتبار هذه الطريقة تحولا لا مناص منه فى المنهج التربوى فان استعمالها يرمى قبل كل شئ الى جعل التعليم :     1 - محسسا واكثر اتصالا بالحياة الواقعية .

2 - اقل اصطناعا وبالتالى يمكن الحصول عليه باقل التكاليف وباعتبار ان التربية هى تنمية للطاقات البشرية ولذا وجب عليها ان تخضع لطرق مماثلة للطرق المستعملة لتنمية الزراعة والصناعة التى هى بدورها تبحث عن تنمية الثروات المادية .

فمن مزايا هذه الطريقة العصرية الموجهة الى عدد متزايد من الطلبة انها تسمح بمنح المتعلمين معلومات اكثر دقة من ناحية وكمالا من ناحية اخرى كما انه تعجل هضم ما يتلقونه فتشفى غلة من له رغبة فى النظر والمعرفة ومن مزاياها ايضا انها تحقق بطريقة اكثر موضوعية المعلومات المتحصل عليها وتحرر المتعلمين المطالبين بمراجعة الاهداف التى يرمون اليها فى عملهم واحصاء كل ما لديهم من الوسائل من مجموعة الاعدادات المادية التى تطبعوا بها ومن كثير من الاشغال الروتنية ليعنى بعمل تربوى اكثر نجاعة .

ان هذه الطريقة الداعية الى التفاعل الحى بين المعلومات تساعد الذاكرة فى عملها اذ نحن نعلم ان قدرة الحافظة على تسجيل المعلومات عند الاشخاص تكون بنسبة 20 % مما يسمعون و 30 % مما يرون و 50 % مما يسمعونه ويرونه فى آن واحد اما ما ينجزونه بانفسهم فالنسبة فيه تبلغ 70 % .

ومن كل هذا يتضح لنا بصفة خاصة ما لهذه الطريقة من فوائد جمة فى الدول التى هى فى طريق النمو والتى عليها ان تواجه تضخم عدد المتعلمين وقلة توفر المعلمين الاكفاء اذ ان من نتائجها تعميم المعرفة وجعلها فى متناول عدد كبير من البشر فى اقصر وقت ممكن .

وعلى هذا الاعتبار فاستعمالها يرمى الى الامور الثلاثة الآتية :   - اما ان تحل محل المعلمين والكتب والاسطوانات وآلات التسجيل .   - واما ان تتخذ وسيلة لتبليغ رسالة تفرض على التلميذ كآلات العرض والاذاعة والتلفزة .   - واما ان يقدم بفضلها برنامج منظم يحتوى على معلومات مقسمة الى عناصر سهلة الادراك تلك الطريقة هى التى اطلق عليها اسم (( التعليم المبرمج )) .    ان هذا التعليم يرمى الى تلقين المعرفة للتلميذ بطريقة تدريجية ومحكمة وبكيفية تضمن له هضم المعلومات هضما حقيقيا .

فهو وان اعتبر درسا خاصا منظما يجرى حسب قواعد معينة فالتعليم المبرمج يجمع بين عدد من المبادئ التربوية ليجعل منها اداة يمكن استعمالها بنجاعة من طرف تلميذ بانفراده اذا كان يرغب فى تكوين نفسه باقتناء سلسلة من المعلومات الجزئية .

هذا ولقد ظهرت جودة نتائجها بعد استعمالها منذ ستة عشر عاما وقد عرفت انتشارا متزايدا بالولايات المتحدة حيث يوجد مقرها واكثر من خمسة الآف معهد بين ابتدائى وثانوى وفنى وجامعى وقد استدعى تطبيقها بصفة جدية مساعدة اكثر من مائة مؤسسة وجهت عنايتها نحو صنع الآلات اللازمة واعداد البرامج .

وهى تنتشر اكثر فاكثر ببريطانيا والسويد والمانيا والروسيا واليابان وتشيكسلوفاكيا حيث تعد المواد المبرمجة فى كل الفنون وقد نظمت ندوات عالمية بالمانيا سنة 1963 وببلغاريا سنة 1968 حول هذا الموضوع تاكدت اثرها الفوائد الجمة التى يمكن ان تحققها هذه الطريقة التى لا تتطلب حتما استعمال آلات خاصة ولكن نجاعتها ترجع الى آلة صغيرة اخترعها حوالى سنة 1928  الاستاذ سدناى براسى من جامعة اللوهيو .

وبما انها صنعت لتستعمل من طرف تلميذ واحد فانك تجذبها سلسلة من الاسئلة على التلميذ ان يجيب عنها بالسرعة التى تتلائم مع امكانياته . وكل سؤال مشفوع ببيان اربعة اجوابة تقابلها اربعة ازرار وعلى التلميذ ان يعين الجواب بضغطه على زر منها يعتقد ان الجواب الذى يقابله هو الصحيح فاذا كان الجواب كذلك عرضت عليه الالة سؤالا ثانيا والا بقى السؤال الاول معروضا حتى يعثر على الجواب الصحيح .

على ان هذا الاختراع وان كان عبقريا لم يعره احد الاهتمام الذى يجدر به الى حد سنة 1954 وهى السنة التى نشر فيها الاستاذ سكنار من جامعة هوارد مقالا كان نقطة انطلاق لحركة تنوه بفضل التعليم المبرمج .

لقد توصل عالم النفس سكينار الى استنتاج مجموعة من المبادى من شانها ان تساعد على اكتساب المعرفة اعتمادا على دراسة طريقة فى التعلم يمكن حصر مباديها فيما يلى :

- اكتساب المعرفة بتدرج وبعد مراحل - مشاركة حية من طرف المتعلم - التحقق من هضمها فى الحين - مراعاة مقدرة كل متعلم واليك كلمة عن كل مبدأ من هذه المبادى :

1 - تقدم المادة او الفن المراد تدريسه فى شكل سلسلة من الدروس المقتضية يقع عرضها بكيفية منطقية منظمة تراعى المسألتين الآتيتين :       أ - درجة الصعوبات التى ينبغى ان يذللها التلميذ .      ب - مستوى التلميذ المطالب بتوجيه عنايته الى نقطة واحدة ومواصلة دراسته من دون ان يثنى عزيمته شئ ولا ان يعتريه اى فتور .     2  - فالتلميذ بدل ان يستمع بطريقة سلبية يشارك مشاركة فعلية فيثار اهتمامه باسئلة تتطلب اجابة سريعة فيصرف فيها كل همه .

3 - فهو يحقق ما اكتسبه لنفسه فيشعر بتقدمه ويجد فيه التشجيع اللازم لمواصلة دراسته اذ الجواب الصحيح الاول الذى يقدمه يسمح له بان ينتقل الى المرحلة الموالية واذا ما اخطا وجب عليه ان ينقد نفسه بنفسه وان يصلح الخطا قبل ان ينتقل الى المرحلة الموالية وهكذا يتسنى له اصلاح الفرض الذى طولب به فى الحين بدل من ان ينتظر احيانا اياما إن لم نقل أسابيع .

فيجنب بذلك ان ترسخ فى ذهنه الاخطاء اذا ما تكررت وفى هذه الطريقة نوع من تدعيم المعلومات المكتسبة لانها تدعو العقل الى شئ من السباق خلافا لما عليه الطريقة التقليدية التى تفرض على كل التلاميذ العمل بمقتضى سرعة واحدة وفى اوقات معينة فبفضلها اصبح التلميذ يعمل حسب منهج شخصى لا حسب ما يفرضه عليه القسم فينتج عنه ان الموهوب يتقدم بسرعة بدون ان يترقب من كان دونه انتباها وفطنة وذكاء وهو بدوره يعرقل سير بقية القسم ممن كان اسرع فهمامنه .

ويستطيع استئناف عمله اذا ما اضطر الى الانقطاع عنه لاسباب صحية او غيرها فهو يتقدم حسب مقدرته ولا يخطو الا بعد ان يسجل المعلومات المقدمة له وبعد هضمها على الوجه الاكمل .   وبما انها اخترعت باعتبار اختلاف الاطفال نفسانيا فان هذه الطريقة جعلت

من التعليم تعليما فرديا اذ انها تاخذ بعين الاعتبار امكانيات وخاصيات كل فرد على حدة فلا تغمره السرعة ولكنه يصبح يعمل حسب مواهبه الشخصية فلم نعد نسمع بالتلاميذ المتقاعسين ذلك ان جميعهم سيصل الى هضم كل ما احتواه البرنامج ولكن ذلك سيحصل لهم بعد زمن متفاوت .

فهذا التعليم يتطلب معرفة الطرق الاساسية كما هو الشأن بالنسبة لكل المواد ونجاعته مضمونة خاصة فى المواد التى تعتمد التفكير كالرياضيات والعلوم واللغة واكبر دليل على ذلك ان النتائج الحاصلة سواء كانت بالنسبة للكهول او بالنسبة للاطفال الصغار كانت مشجعة للغاية الامر الذى دفع عددا من المدارس والمؤسسات الى استعمالها .

ومما لا شك فيه ان التدرج فى عرض الصعوبات التى تعترض المتعلم واختيار سرعة العمل والتشجيعات الناتجة عن الاجابة الصحيحة ومشاركة القارى الفعالة والمراقبة العملية ورسوخ المعلومات بفضل الاصلاح السريع واخيرا الاقتصاد فى الوقت كل هذه العوامل من شانها ان تجعل تعليم الكهول ميدانا ممتازا لتطبيق التعليم المبرمج هذا من ناحية .

ومن ناحية اخرى فان التلاميذ الذين يغلب عليهم الحياء والمعروفين بالتلاميذ الكسالى اذا ما تخلصوا من هيمنة المعلم واصبحوا يعملون بدون ضجر جمعوا امكانياتهم وعادت اليهم الثقة فينشطون ويسرعون فى العمل التلقائى فالوقت المربوح يقدر بنسبة 25 % وقد بينت التجارب ان سرعة الفهم قد تضاعفت مرتين بعدما تخلص الطفل من مراقبة المعلم المتواصلة .

على ان الشئ الهام ليست الالة فى حد ذاتها التى ما هى الا جهاز شبيه بكتاب او كراس او آلة الكترونية يتفاوت تعقيدها تطبق برنامج وتكون له دعامة . فالآلة لا تدرس ولكنها تعرض بكيفية يسيرة البرنامج ولذا فقيمتها مرتبطة كل الارتباط بقيمة ما احتوته من المعلومات .

اما البرنامج فهو عبارة عن سلسلة من المواضيع تقدم للتلميذ فى صورة اسئلة كفراغ يجب تعميره او اشكال يجب ترجمتها او التعبير عنها وقد وضعت اعتمادا على المبادئ المتعلقة بمستوى التلميذ والاهداف التى ينبغى الوصول إليها فى الفن المدروس .

على ان اعداد البرنامج الذى هو عمل شاق يتطلب مجهودا اكبر ووقتا اطول مما يتطلبه اعداد كتاب ذلك ان اعداده يوجب تحليلا كاملا لطريقة تبليغ المعلومات الفكرية وضبط الترتيب والخطوات التى ينبغى ان تتعاقب المعلومات بمقتضاها والتمارين التطبيقية التى ينبغى مطالبة التلميذ بالقيام بها سعيا وراء هضم المعرفة واكتساب الطرق العملية لذلك فهى تعلم وسائل التفكير والى جانب ذلك تبرز القدر الاوفر من الطاقات الخلاقة لكل فرد ويقتضى هذا ان يجرب على البعض من البشر الذين اعد لهم كل برنامج على ان تكون مشاركة هذا البشر مشاركة فعلية فى كل مراحل التجربة وهذه التجربة من شانها ان تمكننا من الحكم على درجة ملاءمة البرنامج لمن اعد لهم حتى يقع تنقيحه بناء على ردود الفعل الصادرة عنهم اذا اقتضى الحال وبذلك يمكن ان نقول : إن التعليم المبرمج بعيد كل البعد على الاعتماد على اراء خيالية فهو يعتمد التجربة الحقيقية وقدرة الفكر على فهم المعلومات والمنطق وارتباطها بعضها ببعض . وفى هذا يبدو تفوقه على غيره من طرق التعليم ولذلك فانه اوجب اعادة النظر فى تصميم برامج التعليم المدرسى نظرا للاهمية التى يعيرها للتحليل والتنظيم وفى هذا الاثر الحسن على الدروس والمؤلفات والافلام التى سيقع التدرج فيها بطريقة عملية .

وعلى هذا الاساس ستتحدث انقلابا فى الوظيفة التربوية التى تميز بين اعداد البرامج ذلك العمل الصعب لما فيه من تنظيم وتنسيق والتطبيق الذى يسمح باستخدام معلمين قد وقع تكوينهم بسرعة مهمتهم توجيه التلاميذ اثناء العمل .

على ان فى هذا التعليم كما يبدو لا يمكن بحال من الاحوال الاستغناء عن المعلم فى اى وقت كان بل ستصبح مسؤوليته اعظم بتعميم استعمال التربية الحديثة واذ ذاك يصير المعلم مثقفا لا ملامة عليه ان يحيط بكل العلوم فيتغير دوره وينحصر فى دور المنشط الضرورى لمساعدة وتوجيه التلاميذ وتهيئة الافكار للحكم والاختيار . والتربية لا يمكن ان تؤول الى تبليغ آلى للمعلومات والمواقف والتجارب وليس هناك شئ فى استطاعته ان يعوض الاتصال المباشر بين التلميذ والاستاذ او المعلم لذا سيجد نفسه متحررا من عبء عمله الشاق الذى كان عليه ان يقدمه لكل تلميذ وعلى هذا الاساس فالمعلم ستبقى له مكانته وسيحافظ على ناموسه وسيلعب دور المربى كاملا ذلك الدور الذى قيل عنه بحق انه سيتلخص فى تعليم الانسان كيف يعيش سعيدا مع التحول .

وان كل الطرق الفنية الحديثة لا تعمل الا لتزيد فى امكانياته ولتدعم عمله

فهى لا تستطيع ان تحل محله البتة والمعلم مازال ولا يزال العنصر الاساسى فى كل عمل تربوى ولد وجب اعداد معلمين اكفاء قادرين على اتباع طرق علمية ازاء الاهداف التربوية التى يريدون البلوغ اليها وإزاء التحقيقات التجريبية التحضيرية اللازمة للوصول الى الغاية المنشودة .

وهكذا يبدو مما سبق ان استعمال التعليم المبرمج الذى لا يوجب استعمال الآت مكانكية يستطيع ان يلعب دورا تكميليا لدور المعلم وبذلك يقع تلافى النقص الناتج عن عدم كفاءة المعلمين وهذه المساعدة تجد مكانتها الطبيعية بجانب مساعدة الاسطوانات والافلام والراديو والتلفزة على الجمع بين أداء الرسالة بواسطة الوسائل السمعية والبصرية والتعليم المبرمج وبتعاقب البرامج يمكن ان يسفر على تضافر الطريقتين فيستفاد من كلتيهما أحسن الافادة نظرا لما يشتملان عليه من مزايا .

ومما لا شك فيه ان هناك تربية جديدة تستعد لاستغلال هذه الطرق الفنية الحديثة على الوجه الاكمل من تسيير برامج بكيفية منظمة لتساعد على نشر متزايد للثقافة .

ولهذا وجب تدريب رجال التعليم فى بلادنا على استعمال هذه الفنيات الجديدة التى ما زالت فى خطواتها الاولى .

ان هذا التدريب سيؤثر فى توجيه بحوثنا نحو المبادئ النفسية التى ينبغى ان تعتبر فى تركيب مراحل التعليم المبرمج المناسبة والمتماشية مع اطاراتنا وواقعنا التربوى .

وقد يكون من المفيد جدا ان ينظم فرع هيئة الامم المتحدة للثقافة تربصات فى هذا الصدد يشارك فيها عدد من رجال التعليم ببلادنا كما فعلت ذلك بالرملة من الشقيقة الاردن وبابدان من نيجيريا وهكذا نامل ان يصل الينا فى وقت قصير التعليم المبرمج المستعمل فى اكثر من بلد والذى يستفيد منه فى الوقت الحاضر عدد من التلاميذ يفوق بكثير عدد الذين يستفيدون من التعليم التقليدى فيضمن لكافة شبابنا ان يكرع من مناهل العلم بسرعة ولكهولنا تغييرا عميقا لعقلياتهم .

اشترك في نشرتنا البريدية