. . كنا ثلاثة ، نسير . . . . كانت الطريق ، وعرة . . . . كان بها اعوجاج . . . . كان بها التواء وانحناء . . . . وكانت الأبواب قد سدت . . . . وكانت المنافذ قد أغلقت . . . . وكان أدركنا الاعياء . . قال الأول : أريد عملا . . قال الثانى : أريد خبزا . . لم أقل شيئا ، بيدى كانت قطعة خبز ، كنت احتفظت بها فى حالة تسلسل الجوع ، وضغطه على . قال الأول : وأنت ، أنت ماذا تريدين ؟ . . أنا ، عندى ما يكفينى ، ما يكفى انسانا مطاردا ، قطعة خبز يابسة ، أرجل حافية ، تدربت على الجرى ، والركض . .
- هكذا . . . - أجل . . ما زلت أنتسب الى طفولة البشرية ، - لقد ولى عهدها . . . - يكفى أن تحمل تبعة التفكير فى وضعك حتى تدرك أنك طفل فى تاريخ البشرية ، ، ، - جملتك رائعة ، ، من علمك الكلام ؟ . - السجن . . - السجن ؟؟ - أجل . . ( تنهد بمرارة )
- الحياة شقاء . . . - لا اؤمن بأنها شقاء . .
- كيف ؟ - هى جميلة عندما تستطيع بنفسك ولنفسك أن تملك قطعة خبز . . ( الثانى فى سخرية ) :
- قطعة خبز مثل هذه ، إنها يابسة ، ، - لا فرق بين الطرى واليابس ما دام هناك قوة تهدد بالطحن .. - وجيوبك ، إنها فارغة ، ألا تتحسرين لذلك ؟ - أتدرى لماذا دخلت السجن ؟ - لماذا ؟ - لأن الجيوب الأخرى سرقت نصيب جيبى . ( انفجر الأول ضاحكا ) :
كيف يسرقون جيوبك ، وتدخلين السجن ؟ - انتهزوا فرصة نومى .. - وأين كنت نائمة ؟ - على الرصيف ، على الرصيف فى الشارع . . - ولم تنتبهى لشئ . . - بلى ، ، كنت مشلولة . . - ومتى تحركت .. ؟ - فى السجن ، فى السجن تحركت ، بعد تعب شديد ، أقنعنى وضعى بالتحرك ، وتحركت ، بعد أن افترشت الأرض ، رقدت بجسمى على الاسفلت البارد .
- وماذا فعلوا بك ؟ . - جردونى من ثيابى ، ضربونى ، ضربونى بقسوة ، ضربونى بوحشية وجريمتى - بعد أن فتشوا سجلاتهم - أنهم سرقوا جيوبى تركوها وفاضا . سألوني أيضا عن أمى ، سألونى عن أبى عن قصة حياتى ، ولكن قصة حياتى تافهة ، تقع ألف مرة فى اليوم ، عطس والدى على أمى ، فاسلحتنى ، وبعدها رمتنى فى الطريق ، وعشت فى الطريق ، كبرت فى الطريق ، . كنت أقضى سواد نهارى نائمة على الرصيف ، ، . ضربونى كثيرا ، أوقفونى بجانب الجدار ، أمرونى بأن أرفع الرجل اليمنى ، واليد اليسرى ففعلت ، قصوا شعرى ، إقتلعوا أظافرى وأرادوا أن يقتلعوا لسانى ... - لسانك ؟
- أجل .. - لم ؟ ! - لأنى أشرت به إلى جيوبهم ، بعد أن أدمونى . - وماذا قلت ؟ - قلت إن دراهمى فى جيوبهم . . ولكن ... - لكن ... ماذا ؟ !
- ما أشقى الحدود بين العجز والقوة ، ضربونى أكثر ، بحثوا بأصابعهم القذرة عن لسانى ، لكى يتلذذوا ، بمشهد جسم عاطل ، جسم فقد سلاحه ، ولكن ، أبيت ، أبيت أن أمد لسانى لأنى لا أجد غيره يحول نقمتى عليهم جحيما ، لا أجد غيره يبدل راحتهم عناء ، ضربونى ، امتدت أصواتهم الى رأسى ، تكلموا فيما بينهم لغة لا أفهمها ، لا أعرفها ، حتى اللغة التى يتكلمون بها سرقوها منى ، عندما كانوا ينحوننى عن الطريق ، يبعدوننى أميالا عنه ، عندما كانوا يهددوننى لأنام ، ، فالنوم دوما أسلم المعارك والثورات ! ( الثانى ) :
- مجرمون . . . - أنت المجرم لأنك تتهمهم بالاجرام ... - هذا ظلم ... - الظلم فقد حقيقته ، لأنه بات تنظيما لحياتنا اليومية . - هل أصبحنا إذن خارج منطقته ؟ - إننا خارج منطقته فعلا ، ولكن يجب أن نفكر . - فى أى شئ . . - فى الجولات الخاسرة . . - هكذا إذن . . . - أجل . . ففى كل جولة تكون رجلك قد تعودت القذف والضرب ، حتى تنزرع فى الجيوب وتمزقها ، ، وتثبت فيها نهائيا . . تصور هل يبكى العالم أم يضحك هل يهدأ أم يثور عندما تصبح الجيوب كل الجيوب شفافة ؟
- والمدة ، ؟ - مدة الجولات الخاسرة ؟ ! طويلة طبعا ! - لنا صبية ، لا تصبر ، لا تعرف الانتظار . . - إرمها فى الشارع .
- فى الشارع ؟ - أجل ، كما فعل أمى ، وأبى .. - ومن أجل من ألعب الجولات الخاسرة ؟ - من أجل الرسالة .. - لسنا جميعا نؤمن بهذه الرسالة . - حاول أن تحس بها ، - وبعد ؟ - وبعد ، تتكلم ، ، - وعندما أتكلم . . . - عندها سيخترق صوتك ، جدران السادة الرعناء . - وبعد ؟ - تراهم كيف يخفون أيديهم فى جيوبهم ثم يتهمونك باللصوصية . . الأول : بطال . . . . بطال . . . الثاني : جائع ... جائع . . . انطلقا فى الطريق يصرخان ، ، الطريق وعرة . . . . وبها التواء . . . وبها إعوجاج . والمنافذ مسدودة .
ظللت أتبعهما بنظراتى ، ، لأنى مررت بذلك الطور ، وتعديته الدليل على ذلك أننى أنتظر تسلسل الجوع فى عالمى ، حتى أدك ، بين أضراسى ، خبزا ، قد اخضرت جنباته .

