الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

قراءات في التراث :، الحنين إلى الأوطان

Share

قال الجاحظ :  وجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم ، ولذلك قال بن الزبير : لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ، ما اشتكى عبد الرزق  .

إن ما قيل فى حب الناس لاؤطانهم كثير لا يحصى ، ومما نقله الجاحظ فى هذا الباب عن حكماء الهند ان حرمتها مثل حرمة الوالدين لان غذاء المرء وغذاء أبويه منها ، ولكنا نعيش فى عصر نشأنا فيما نشأنا عليه من العيوب علي الجشع والعقوق . فالانسان الجديد حيوان آكل ؛ قد كبرت فيه غريزة الأكل حتى أكلت كل الغرائز الاخرى . إنه يأكل خطوه حين يمشى ، ويأكل حين يتكلم ، ويأكل القراءة حين يمسك بين يديه كتابا أو صحيفة ، فينظر باختصار ويكتب باختصار ويسمع باختصار ، وبالتالى يحيا باختصار لانه أصبح سئ الهضم مختل المزاج ، يعطي من صحته لضعفه ومن راحته لتعبه ومن نوم لسهره ، فكان رجل الامس أطول منه عمرا وإن عاش عاما واحدا من السنين .

والانسان الجديد يولد عاقا بالفطرة ، اذ لا يكاد يفتح عينيه على الدنيا حتى يتخلى عن لبان أمه ويستعيض عنها بلبان بقرة هولندية حلوب معلبة محكمة

الخلق أو مسحوقة في أكياس البلاستيك ، ويتجافى عن خضر أرضه وغلالها لبتغذى بنباتات سقتها سماء غير سمائه وجففتها شمس غير شمسه ، فيكبر حجمه ويستوى عظمه وكأنه مجموعة من قطع الغيار ، لم تفقد علاقتها بمعملها الاصلى الذى تأخذ منه شرعية الوجود وحرية التنقل .

الانسان القديم لم يكن فى حاجة الى التأكيد على حبه لبلده وكان حديثه عنه لا يثيره غالبا الا حنينه اليه حينما يكون بعيدا عنه .

أما الانسان الجديد فهو محتاج الى أن يؤكد حبه لوطنه مرات عديدة فى اليوم الواحد لانه يعلم انه لا يرتاح الا حين يخرج منه ، واذا خرج لا يسعه الوقت للتفكير فيه والحنين اليه . ولكنه لا يستطيع أن يقول ذلك للناس طالما هو محتاج الى أن يأكل باسم الوطن ، ويسرق باسم الوطن ، ويعذب باسم الوطن ، ويقتل باسم الوطن ، ويحتال ويختال ، ويلتذ ويستمرىء ويفعل ما يشتهى باسم الوطن !

الانسان القديم كان يقنع بالوطن دون الرزق ، أما الانسان الجديد فهو يقنع بالرزق دون الوطن ، وفي كثير من الاحيان لا يقنع لا بالوطن ولا بالرزق لان معدته المثقوبة بكيمياء العصر تأكل ولا تشبع ! ألا ترى أن دواوين الشعر الجديد قد فقدت غرضا هاما من أغراض الشعر هو : الحنين الى الاوطان وتعلق البلدان ؟ وذلك حتى حين يكون المغتربون داخل حدود الوطن بحجم الموجود على أرضه !

اشترك في نشرتنا البريدية