كان جميل شابا في الحادية والعشرين من عمره يمتاز بقوة شخصيته وحبه لوطنه ، يسكن في ذلك البيت الذي يتوسط ذلك البستان الواقع في الشمال من يافا ، تلك المدينة المحاطة ببساتين البرتقال ذات الثمار الذهبية وكأنـها حسناء طوقت عنقها بعقد ذهبي فزادها جمالا على جمالها وجلالا على جلالها .
واستلقى جميل فى ظل إحدى شجيرات البرتقال بالقرب من البركة التى تبعد عشرات الأمتار عن البيت ، وكانت الساعة تشير الى التاسعة مساء ، جلس ينتظر ، وطال انتظاره إنه على موعد مع فتاته " سميرة " التى كان يقضي معها معظم وقت فراغه قرب هذه البركة وفي ظل هذه
الشجيرة ، يبثها همومه ، وتبثه حبها ، بلغة ملؤها الحب والغرام ، لقد أحب كل منهما الآخر حبا عذريا طاهرا . .
وأخذ يفكر بمستقبله الذي سيكون مفعما بالآمال والمسرات لا سيما اذا تحققت أمنيته بالزواج من سميرة وقد صمم مرارا أن يشعرها بهذه الأمنية التى كانت دائما تجول بفكره ولكن كان الخجل فى كل مرة هو المانع الوحيد لعدم المصارحة ولكنه الآن قد عقد العزم على مصارحتها بالموضوع .
ثم رفع رأسه ليرى فتاته تقف على يمينه مبتسمة معتذرة عن تأخرها عن الموعد المحدد ، فبادلها ابتسامة باتسامة وصافحها مرحبا وقد ظهرت على وجهيهما علامات النشوة والسرور فكأن الواحد منهما سقط على زميله من السماء ، وحل من قلبه في السويداء . وجلسا كعادتهما
ليجدوا ذكريات أمسهما المنصرم في جو ملؤه العبير الطيب والآمال الحلوة والأحاديث العذبة ، يتمنى كل منهما لو يقضي العمر كله فى ظل هذه الشجيرة وعلى حافة هذه البركة . . ولا غرابة فالماء والخضرة والوجه الحسن . هي أروع متع الحياة . وفي هذه الجلسة الهادئة أشعرها بأمنيته ،
وغمرته النشوة عندما لاحظ أنها تبادله نفس الشعور . وانتهى بهما الكلام الى التعاهد على الزواج . .
واصفر وجه الشمس إيذانا بانقضاء ذلك النهار ، ليصافح كل منهما الآخر ، وينظر كل منهما نظرة الأمل بالمستقبل الحلو الجميل وتوجها كل منهما الى بيته آملا بأن يقضى ليلته مسرورا بذلك النصر الذي أحرزه . ولماذا لا ينام مسرورا وقد أصبح يرى أمنيته فى طريق التحقيق ؟ . .
كان يجهل الحبيبان تلك المؤامرة التى حاكها القدر ليقضي على آمالهما . ونفذتها يد القدر لتهدم ما بني هذان الحبيبان ، فما كاد يأوى كل منهما إلى فراشه حتى سمع أزيز بعض الطلقات التى أطلقها المجرمون اليهود معلنين الهجوم العام على المدينة الآمنة ، وقد سقطت بعد ساعات من الهجوم . فكانت تلك الليلة آخر عهد للحبيبين بيافا وبالبستان ، فخرجا منها كبقية اللاجئين ، فقد لجأت سميرة ولكن إلى أين ؟ لا يعرف جميل ، ولجأ جميل ولكن إلى أين ؟ لا تعرف سميرة وهل خرجت سميرة أم استشهدت وهل خرج جميل أم استشهد ؟ لا يعرف الواحد منهما شيئا عن زميله .
وساءت حالة جميل المادية مما اضطره للرحيل الى الكويت ليعمل فى إحدى شركاتها يحمل بين ضلوعه عهدا عليه أن يوفى به وفي قلبه أمنية عليه أن يحققها . وبقيت سميرة تعيش في تلك الخيمة المتواضعة
التى لا يوجد بها الا البؤس والمذلة ، تقرأ الصحف اليومية وتراقب كل غاد ورائح علها ترى جميلا ، أو تسمع عنه خبرا ، ولكن دون جدوى ، فهي إذن بائسة . . وهو إذن شقي . .
وفتحت أبواب التجنيد مصراعيها لتقبل كل شاب يعرض نفسه لإنقاذ فلسطين الشهيدة ، وسمع جميل بهذا النبأ . . فأبى على نفسه البقاء بالكويت فواجبه تجاه وطنه يدعوه ، ذلك الوطن الذى ظللته سماؤه ، وتغذى من خيراته أياما وشهورا إنه يناديه لينقذه من ظلم تلك الشرذمة النجسة ، من حثالة العالم . من اليهود .
وفي الحال ذهب إلى دمشق لينخرط فى سلك المنقذين ويحمل رتبة ملازم وأخذت الصحف تنشر أسماء المتطوعين لتقرأ سميرة عنوان حبيبها الذي كثيرا ما بحثت عنه . وفي الحال أمسكت القلم والقرطاس وأخذت تخط له رسالة تذكره فيها بالماضي الجميل الحافل بالذكريات ، وتخبره أنـها التحقت بفرقة الممرضات اللواتي تطوعن للعمل على إسعاف المجاهدين ،
وتذكر له عنوانها الحالى حتى يراسلها ولكن هذه الرسالة تعود دون أن يفتحها جميل ، فقد تلقى الأوامر بالزحف على أحد المراكز اليهودية لتطهيرها ، وهو ككل جندى ذاهب إلى ساحة الموت كان قد حسب حساب الموت فحمل قرطاسه وقلمه وكتب :
" أملى المنشود سميرة . . تحية الحب والوفاء وبعد . . لا زالت بقلب ذكرى أيام حلوة صافية قضيناها معا ، ولا أزال أحن إلى تلك الأرض وتلك السماء ، فلا تظني أني نسيتها ولن أنساها . . وكيف أنساها وقد عجنت مع الروح والدم . .
إننى ذاهب إلى ساحة الشرف على أقوم بواجبي تجاه وطني ، وعلى أجدد تلك الذكريات ، فأما حياة ملؤها العز والسؤدد والسعادة ، وإما ممات يغيظ العدى فان قدر لي النصر فانني على العهد ، وان مت فأكون قد وفيت بعهدى لوطني الذي عاهدته منذ نعومة أظفارى والذكرى هى خير ما يخلف الانسان ، وإن قدر لك العودة بعد شهادتي فأقرأي ليافا سلامي وللبستان أشواقي وهناك :
اذكريني يا سميره
في ليالينا المنيره
اذكرى تلك الليالي
في ظلال البرتقال اذكرى عطف الزمان
واذكرى حلو الأماني نرشف الماء زلالا
ومن الزهر عبيره
وعلى تلك الرمال
صفو أيام طوال
وانشدى طوعا وقولى
عز يافا غير فان
" جميل "
ثم وضع رسالته فى ظرف وسلمه لأحد أصدقائه في المعسكر وأوصاه أن يسلم هذه الرسالة لصاحبتها فى حالة استشهاده فهي لا بد سائلة عنه فى يوم من الأيام ، ووكله بتسلم الرسائل الواردة اليه . .
وخاض جميل المعركة ليعانق الموت فوقع شهيدا على أثر رصاصة أصابته بعنقه . نعم وقع شهيدا فى ميدان الشرف ملبيا نداء ربه ثم وطنه مأواك الخلود يا جميل ! . .
وبعد بضعة أيام من استشهاده تسلم وكيله رسالة ، هي تلك الرسالة التى سطرتها سميرة يوم عرفت عنوانه من الصحف تخبره بها أنها التحقت بقسم الممرضات ، وعرف وكيله أن هذه الرسالة من تلك الفتاة التى يحمل لها رسالة من الشهيد الراحل فوضع الرسالتين بظرف واحد وسجله بالبريد حسب عنوانها الذي في رسالتها القادمة . وبعد
ثلاثة أيام من تسجيل هذه الرسالة قابلت سميرة موزع البريد لتتسلم منه رسالة تحمل لها آخر الفاظ نطقها حبيبها وآخر ذكرى خلفها لها فتلألأت فى عينها دمعة ، إنها دمعة الحسرة والأسف لا على استشهاد جميل فهي تعرف أن الموت حق ، بل على موته قبل أن يرى يافا والبستان وبكت ما شاء لها البكاء ولكن هل فى دموعها حياة لجميل ؟ أو فيها العزاء لنفسها ؟
وقررت زيارة ضريحه فذهبت الى ساحة الشهداء على الحدود السورية وأخذت تبحث عن ضريحه حتى اهتدت اليه فوضعت إكليلا من الزهر وقبلته قائلة : لقد آن لى أن أنثر عقد دموعي الذي طالما بقى منظوما ببقائك والآن قد انتهى كل شئ ووقع ماكنا نخشاه ، سامحك الله . .
وجلست فوق رأسه تارة تناجيه ، وتارة تذكره ، ولكن هل يسمع مناجاتها ؟ وهل يرى عبراتها ؟ فلقد توارى وغيبه التراب . .
ثم نظرت إليه نظرة المودع وقالت : استودعك الله يا جميل ، ومضت وفي قلبها حسرة ، وفي عينيها دموع لا تفارقها أبدا حتى أصيبت بسعال شديد نقلت على أثره الى المستشفى لتفارق الحياة طاهرة نقية . .
وهكذا قضى الحبيبان نحبهما بعد أن أوفيا بعهدهما للوطن الذى حال دون وفائهما بعهدهما لبعض ، وهذا شعار كل وطني يأبى الضيم والسكينة ..

