الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

(( قصة الادب فى الحجاز )), مقال طريف مستل من كتاب تحت الطبع هو :

Share

أول كتاب فى هذا الموضوع ، ومن أوسع الدراسات التى تتناول بيئة اقليمية واحدة فى عصر واحد ، جلا فيه مؤلفاه الحياة الادبية فى العصر الجاهلى بأسلوب علمى حديث ،وتحدثا باسهاب عن الشعر والنثر والخطابة والامثال والوصايا ،ومميزات الادب الحجازى وخصائصه، والفنون الجديدة التى كان الحجازيون أول من طرقها . ويشتمل الكتاب على تراجم مفصلة ، وتعريفات وافية لعدد من الادباء والشعراء والشخصيات البارزة فى المجتمع الحجازى القديم .ودراسة دقيقة للحياة العقلية والاجتماعية والسياسية والدينية ،وهدى تأثيرها فى الادب الحجازى فى عصر ما قبل الاسلام . .

والكتاب - على العموم - جديد فى موضوعه ، وطريقة عرضه ، استعان مؤلفاه الاستاذان محمد عبد المنعم خفاجه وعبد الله عبد الجبار بمراجع عربية وأخرى افرنجية ، الى المصادر الخطية ، ولعله يسد فراغا ملحوظا فى المكتبة العربية التى تفتقر الى امثال هذا الموضوع البكر (( المنهل ))

فى اشتقاق اللفظ الدال على المثل فى اللاتينية واليونانية . ففى اللاتينية تدل الكلمة          Prover bium على ( الكلمة التى تقال أمام الملأ ) ويرادفها لفظ adaguim ويردونها عادة إلى العبارة ad agendum aptum ومنها اشتقت الانجليزية كلمة adage       وكلها تدل على هذا  العنصر الشعبى ، كما تدل على مغزى خلقى . وتنطق بالوظيفة العملية للمثل . أما الكلمة اليونانية التى تقابل كلمة المثل العربية فهى تدل على التعبير الشائع الذى تبتذله العامة .      ولذا كان من الطبيعى أن تكون

فى العصر الجاهلى

أثر البيئة فى الامثال الحجازية    تعتبر الامثال أصدق شىء يتحدث عن أخلاق الامة وتفكيرها وعقليتها تقاليدها وعاداتها ، ويصور المجتمع وحياته وشعوره أتم تصوير . فهى مرآة للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية والدينية واللغوية ، وهى قوى دلالة من الشعر فى ذلك لانه لغة طائفة ممتازة . وأما هى فلغة جميع الطبقات .     فالمثل - اذن - هو صوت الشعب وصورته ، ورسمه ومثله . ينبع من قلب الجماهير، ويصب فيها ، والسمة الشعبية ركن من أهم أركان المثل الشعبى . (( ويتضح عنصر الشعبية

الأمثال الحجازية فى العصر الجاهلى صورة صادقة لنفسية الحجازيين وحياتهم الخلقية والدينية وأن تنعكس على مرآتها بيئتهم الطبيعية والاجتماعية وتصور عاداتهم وتقاليدهم ونزعاتهم وميولهم وهزلهم وجدهم ، وطرائقهم فى التفكير والتعبير ، وماذا عسى أن ينتج من بيئات اشتغل أهلها بالزراعة والتجارة ، وكانت لهم المصارف ، وضربوا فى جنبات الصحراء يحدون القوافل الموقرة بالسلع المختلفة لحسابهم ، أو لحساب غيرهم ، حتى أصبح لهم حظ من الثراء والترف والحضارة ، وكانت بديارهم المواسم والمجتمعات والأسواق التجارية والأدبية كما امتازوا بجوارهم للبيت الحرام الذى يقصده العرب جميعا لأداء الشعائر الدينية ؟. كل ذلك كان له أثره العميق فى نفوسهم وفيما ينتجون من أدب بصفة عامة وما يرسلون من حكم وأمثال بصفة خاصة .

وهكذا كانت الأمثال الحجازية التى وصلت الينا ترجمانا صادقا عن حياة الحجازيين الاجتماعية ، وشمائلهم الخلقية نرى فيها شجاعتهم وبأسهم ، وجرأتهم وفتكهم ، فقد ضرب المثل بالبراض الكنانى ، فقيل : افتك من البراض ، وفى قصة المثل المشهور : (( وعند جهينة الخبر اليقين )) بعد أن فتك الأخنس بن كعب الجهنى بالحصين بن عمرو ، وقفل راجعا الى قومه رأى امرأة تنشد الحصين . فقال لها : من أنت ؟ فقالت : أنا امرأة الحصين . قال : أنا قتلته . فكذبته

وقالت : أما لو لم يكن الحى خلوا ما تكلمت بهذا . فانصرف وفى ذلك يقول :

كصخرة اذ تسائل فى مراح

          وأنمار . وعلمهما فنون

تسائل عن حصين كل ركب

.        وعند جهينة الخبر اليقين

وسيأتي تفصيل الحديث عن هذين

المثلين .

وفى بيئات الحجاز الزراعية كخيبر والمدينة حيث تنتشر النخيل نجد أن الحجازيين قد اتخذوا من (( التمر )) مادة للأمثال يعالجون بها أطرافا من شئونهم المعاشية وحياتهم الاجتماعية فقالوا :

(( كمستبضع التمر الى خيبر (١) )) ويقال للدلالة على خطأ هذا الفعل ، فخيبر مصدر التمر ، والذى يجلب اليها التمر مخطئ أعظم الخطأ مقضى على تجارته بالبوار والكساد وهذا من بديهيات التجارة ، والشئ يجب أن يوضع فى موضعه ، ويوجه لمن هو فى حاجة اليه ، قال النابغة الجعدى : وان امرا أهدى اليك قصيدة

كمستبضع تمرا الى أرض خيبرا وقالوا : (( كل خاطب على لسانه تمرة )) (١) وفى التمرة حلاوة والخاطب عادة يحلو لسانه حتى يحوز الرضا ، ويفوز بحبة قلبه ، وهو مثل للذى يلين كلامه اذا طلب حاجة . وقالوا : (( التمرة الى التمرة تمر )) وينسب هذا المثل الى أحيحة بين الجلاح الاوسى وذلك انه دخل حائطا له ، فرأى تمرة ساقطة فتناولها ، فعوتب فى ذلك ، فقال ذلك القول

يريد أن ضم الآحاد يؤدى الى الجمع ويضرب فى استصلاح المال .

وكان من عادتهم فى الجاهلية أن يقوم مناد على أطم من آطام المدينة حين يدرك البسر . فينادى : (( التمر فى البئر . . التمر فى البئر ، يحثهم على أن يكثروا من سقى نخلهم ، فان من سقى وجد عاقبة سقيه فى تمره وهذا قريب من قولهم (( عند الصباح يحمد القوم السرى ، ويراد بالمثلين : أن من عمل عملا كان له ثمرته (١)     وفى بيئات الحجاز التجارية كمكة مثلا يجد الباحث أمثالا تصور حياتهم الاقتصادية كقولهم :

أقرش من المجبرين :

والقرش الجمع والتجارة والتقرش التجمع ، ومن هذا سميت قريش قريشا . زعم أبو عبيدة أنهم أربعة رجال من قريش وهم أولاد عبد مناف ابن قصى أولهم هاشم ثم عبد شمس ثم نوفل ثم المطلب بنو عبد مناف سادوا بعد أبيهم . لم يسقط لهم نجم ، جبر الله تعالى بهم قريشا فسموا المجبرين وذلك أنهم وفدوا على الملوك بتجاراتهم فاخذوا منهم لقريش العصم أخذلهم هاشم حبلا من ملوك الشام حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الشام وأطراف الروم وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشى الأكبر حتى اختلفوا بذلك السبب الى أرض الحبشة وأخذ لهم نوفل حبلا من ملوك الفرس حتى اختلفوا بذلك الى أرض فارس والعراق وأخذ لهم المطلب حبلا

من حمير حتى اختلفوا بذلك السبب الى بلاد اليمن (٢) . . وانعكست على أمثالهم كذلك صور من عاداتهم الدينية ، وبيئتهم المقدسة فقالوا : (( آمن من حمام مكة )) و (( آمن من الظبى بالحرم )) وهما من الامن وقالوا : (( آلف من حمام مكة )) لأنه لا يثار ولا يصاد، وقالوا : (( أصح من عبر أبى سيارة )) وهو رجل من بنى عدوان اسمه عميلة ابن خالد بن الأعزل وكان له حمار أسود اجاز الناس عليه من المزدلفة الى منى أربعين سنة وكان يقول : أشرق ثبير كيما نغير . وهو أول من سن الدية مائة من الابل (٣)

وفى مكة تبرز أمثال تصور مبلغ ما وصل اليه بعض القرشيين من الثراء والترف كقولهم .

أقرى من حاسى الذهب :

وحاسى الذهب هو عبد الله بن جدعان التيمى سيد مكة فى الجاهلية . وسمى بذلك لأنه كان يشرب فى اناء من الذهب . وهو الذى أطعم العرب الفالوذ ، وفيه قال أبو الصلت الثقفى :

له داع بمكة مشمعل

      وآخر فوق دارته ينادى

الى ردح من الشيزى ملاء

      لباب البر يلبك بالشهاد (٤)

وأخرى تصور جودهم وسخاءهم كقولهم :

أقرى من زاد الركب :

وهذا المثل من أمثال قريش ضربوه لثلاثة من أجوادهم : مسافر بن أبى عمرو بن أمية ، وأبى أمية بن المغيرة ،

وأسود بن عبد المطلب بن أسد بن الحصين - كما هو معروف - كنيه عبد العزى . سموا زاد الركب لأنهم الثعلب .

كانوا إذا سافروا مع قوم لم يتزودوا معهم وقد ذكرنا نبأهم فيما سبق (١) . . ومن أمثال المكيين التى تحكى اعتزازهم وتفاخرهم قولهم :

انا ابن كديها وكدائها :

وكدى وكداء جبلان بمكة والهاء راجعة الى مكة وهذا مثل يضربه من أراد الافتخار على غيره (٢) .

ومن أمثالهم التى تصور جمالهم ووسامتهم قولهم :

أجمل من ذى العمامة :

وهو مثل من أمثال مكة وذو العمامة سعيد بن العاص بن أمية : وكان فى الجاهلية إذا لبس عمامة . لا يلبس قرشى عمامة على لونها ، واذا خرج لم تبق امرأة الا برزت للنظر اليه من جماله (٣) .

ومن الأمثال العربية قولهم :

كسير وعوير وكل غير خير (٤)

ولا يزال الحجازيون حتى اليوم يذكرون معنى هذا المثل بعد أن حولوه الى اللهجة العامية ، فيقولون (( صوير وعوير ، وإلى ما فيه خير )) . ومن الأمثال الحجازية الشعبية قولهم (( شاهد الثعلب ذنبه )) وقد جاء هذا المثل فى خبر لأبى بكر الصديق رضى الله عنه (٥) ، وسار عبر القرون حتى العهد الحاضر فاذا هو يدور على السنة الحجازيين على النحو الآتى : (( قالوا : مين يشهد لك يا أبو الحصين ؟ قاللو : ذنبى . . وأبو

أما حكمهم وأمثالهم التى تجلت فيها قدرتهم الفائقة على فن التعبير ، وبرزت فيها سمات الوجازة والبلاغة الممتازة حتى دارت على الألسنه وتأثرت بها القلوب فحسبنا أن نشير الى قولهم : (( الحرب سجال )) ، (( لا فى العير ولا فى النفير )) ، (( كل الصيد فى جوف الفرا )) . (( السليم لا ينام ولا ينيم )) ، (( رب زارع لنفسه حاصد سواه )) .

وقد يصور المثل الحجازى حادثة أو شخصية جاهلية كقولهم ( أندم من أبى غبشان ) وهو من خزاعة . يروى أنه أسلم قصى بن كلاب مفاتيح البيت الحرام وهو سكران . فطار بها من الطائف ( وهو موضع اجتماعهم ) الى مكة . وقال : معاشر قريش ! هذه مفاتيح بيت أبيكم اسماعيل ردها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم . وأفاق أبو غبشان فندم . فقيل : أندم من أبى غبشان .

ويعلق بعض الباحثين على هذه القصة بقوله : فاذا فرضنا أن هذه القصة قد اشتهرت بين الحجازيين حتى أصبح أبو غبشان فيها مضرب المثل فليس من المحقق أن يكون هذا التركيب بهذه الصيغة كان مثلا شائعا بينهم . وفرق بين القصة والمثل . وبين معنى المتن وصيغته . بل نرجح أن الرواة المتأخرين قد ( ترجموا ) عن الشهرة

بعبارة من صنع أنفسهم ، فترجمها بعضهم ( أندم من أبى غبشان ) وترجمها بعضهم ( أحمق من أبى غبشان ) . فاختلاف التعبير عن القصة قد يحمل الدليل على أن المثل مفتعل ، وان كان مستفادا من قصة مشهورة ، فهو متأخر عنها وضعه الواضعون بعد أن اشتهرت القصة . وهذا ما يجعلنا نرجح أن صيغة المثل اسلامية (١) .    ونحن مع تقديرنا لهذا الرأى نرى أن المثل جاهلى صميم اذ من غير المعقول أن تظل هذه الحادثة الخطيرة طيلة هذه الفترة الطويلة دون أن يتناولها الحجازيون ، ويضربون بصاحبها المثل . ومن المؤكد عندنا أن صيغة واحدة من صيغ هذا المثل كانت أسبق الى الظهور . وان هذه الحادثة لما لها من الخطر وعمق التأثير فى حياتهم الاجتماعية والدينية ، قد اشتقت منها الاقوال والامثال بصيغ مختلفة ، واختلط الامر بعد ذلك على الرواة فرووا هذه الصيغ جميعها ، ولم يحفظوا أقدم الروايات ويفردوها بالنص . فالمثل - فى رأينا - جاهلى صحيح ، وليس اسلاميا مفتعلا .    وبهذه المناسبة نذكر أن الاستاذ أحمد السباعى فى كتابه (( تاريخ مكة )) قد سجل جملة من الحكم والامثال عزاها الى قريش فى العصر الجاهلى . والواقع أن بعض ما أورده اسلامى القائل والقصة ، كالمثل ((عند

الصباح يحمد القوم كسرى  (٢) فقد تفوه به خالد بن الوليه حين نجا هو وجيشه من الهلاك عطشا ، بعد أن سلك المفازة بين اليمامة والعراق (٣) بناء على أمر الخليفة أبى بكر رضى الله عنه له بأن يتجه الى العراق .

وبعضها مولد كقولهم : (( يبنى قصرا ويهدم مصرا (٤) ، ويضرب لمن شره أكثر من خيره . وقد ذكره الميدانى فى أمثال المولدين ، وقولهم (( إذا أراد الله هلاك نملة أنبت لها جناحين )) (٥) .

وبعضها ليس قرشيا كالمثل : (( وحسبك من شر سماعه )) (٦) فقد نسبه الميدانى لأم الربيع بن زياد العبسى ، ونسبه المفضل لفاطمة بنت الخرشب من بنى أنمار ابن بغيض . الامثال الحجازية والمصادر الاجنبية :    وقد يجد الباحث فى الحجاز أمثالا قد دونت فى المصادر الشرقية كقولهم (( مكره أخاك لا بطل )) . روى الضبى (( أخوك )) على الاعراب بالحروف ، ثم نجدها فى لهجات بعض المناطق الغربية : (( مكره أخاك لا بطل ))بالبناء على الالف . وورد فى الضبى المثل : (( اذا عز أخوك فهن ))، فاذا به يروى (( اذا عز أخاك فهن )) . ولكن الجاحظ يعده لحنا .

ثم نلمح السمة الحجازية أحيانا فى الامثال ، حين يختلف الرواة فى شرح قصصها ومواردها ، فيردونها الى

مصادر مختلفة ، ففى شرح المثل القائل (( حدا حدا وراءك بندقة )) . يرى شرقى بن القطامى الكوفى أن : (( حدا )) علم على قبيلة ، هى حدا بن سعد العشيرة، وهم بالكوفة ، وبندقة من مظة : وهو سفيان بن سلهم بن الحكم بن سعد العشيرة وهو باليمن . أغارت حدا على بندقة فقتلت منهم ، أما أبو عبيدة البصرى ، فيرى أن المراد هو هذا الحدأ الذى يطير ، والبندقة ما يرمى به ، وهى كرة تطلق من السهم يلعب بها الصبيان ، وهو مثل يضرب فى التحذير .

فعلى قول عبيدة يكون اللفظ جمع حدأة أسقطوا همزته . وفى اللسان: (( العامة تقول :حدا حدا بالفتح غير مهموز )) فالأقرب أن يكون المثل متأثرا بلهجة غربية أو هو غربى المورد ، فان حذف الهمزة فى نحو (( حدا )) هو ظاهرة مميزة للهجات الحجازية . على أنه قد يصعب الاهتداء الى مصدر المثل فى كثير من الاحيان ، كما فى شرح :

(( أنا النذير العريان )) ، فقد أورد ابن الكلبى قصة وقعت حوادثها فى الحيرة فى أيام المنذر بن ماء السماء . أما ابن سلمة فيشرح المثل بما يدل على أن مصدره حجازى ، اذ ينسبه الى رجل من خثعم ، حمل عليه يوم ذى الخلصة .

ومن الامثال التى يبدو الأثر الاجنبى فى صيغتها قولهم : (( الا ده فلا ده )) وهو كلمة قالها الكاهن عزى سلمة حين أتاه جماعة من ثقيف ، ومعهم عبد المطلب بن هاشم فخبأوا له ، وقالوا : ( لاده ) أى بين هذا

الشئ ، فأجابهم الكاهن بكلام مبهم . فقالوا له : ( لاده ) . قال لهم : ( ان لاده فلاده ) هو رأس جراده وفى خزر مزاده الخ . . قال الخليل بن احمد : ( لاده ) فارسية الاصل ، ورده أبو عبيدة الى أصل عربى قال : ( أريد كذا وكذا ، فان قيل له : ليس يمكن ذا ، قال : فكذا وكذا ).وقال الاصمعى ان معناه ان لم يكن هذا الآن ، فلا يكون بعد الآن . وقال المنذرى : ( قالوا معناه الا هذه ، فلا هذه ، يعنى أن الاصل الا ذه فلا ذه ، بالذال المعجمة ) .

وبالرغم من أن حوادث القصة حجازية ، فان المثل فيما نظن عبارة مأثورة من تلك المصطلحات العتيقة التى تتسرب عادة الى أهل الحرفة من عصور بعيدة الآماد .

ويرجح بعض الباحثين أن العبارة متأثرة بلهجة آرامية أو فارسية ، وأنها جاءت من جهة العراق .

ولا ننسى طائفة أخرى من الامثال هى خرافات شعبية ، نشأت وترعرعت فى أوساط كتابية غالبا فى الفترة التى ظهر فيها الاسلام أو بعده بقليل     وهنالك نوع من قصص الخلق نجدها منتشرة فى الاوساط الكتابية ، يذيعها المعلمون والوعاظ لبيان حكمة الخالق فى خلقه ، وهنالك عدد من قصص الخلق ذاعت فى الكتب المقدسة القديمة ، وقد نجح صانعو هذا القصص فى صياغتها بعبارات شعبية    قالوا : زعمت الأعراب أن النعامة ذهبت تطلب قرنين ، فرجعت بلا أذنين . فلذلك يسمون ذكر النعام

الظليم ، ومن أمثالهم (( كطالب القرن جدعت أذنه )) ويروى أن بشارا تمثل فقال (( ذهب الحمار يطلب قرنين فعاد بلا أذنين )) .

وورد المثل فى شعر بعض الهذليين المخضرمين ، وهو أبو العيال الهذلى ، والهذليون مساكنهم فى الحجاز ، وهو يشير الى النعامة لا الى الحمار .

وهناك مثل آرامى يهودى يقول : (( ذهب الجمل يطلب قرنين فرجع بلا أذنين )) وبذلك يتبادل الدور ثلاثة من الحيوان ، ويبدو أن الجمل أقدمها ورودا فى المثل ، فقد ورد فى نص آرامى ، كما أن الحمار يمثل خلطا من الناطقين المتأخرين بين المثل الاصلى ، ومثل آخر يذكر أذنى الحمار .

ثم ان هناك ما يسمى بـ (( الخرافات الحوارية )) التى تعتبر من وسائل تعليم الشعب وتسليته . وأكثر هذه القصص الحوارية يتسم بسمة (الحيلة) ومن ذلك الخرافة الحوارية التى رويت عن على بن أبى طالب رضى الله عنه :

يقول الميدانى : ( يروى أن أمير المؤمنين عليا رضى الله تعالى عنه قال : (( انما مثلى ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة كن فى أجمة : أبيض وأسود وأحمر ، ومعهن فيها أسد ، فكان لا يقدر منهن على شئ ، لاجتماعهن عليه فقال للثور الاسود والثور الاحمر ، لا يدل علينا فى أجمتنا الا الثور الابيض فان لونه مشهور . ولونى على لونكما، فلو تركتمانى آكله صفت لنا الاجمة . فقالا : دونك فكله . فأكله . ثم قال للاحمر : لونى على لونك . فدعنى آكل الاسود لتصفو لنا الاجمة . فقال :

دونك فكله . فأكله . ثم قال للاحمر انى آكلك لا محالة . فقال دعنى أنادى ثلاثا . فقال : افعل . فنادى ألا انى أكلت يوم أكل الثور الابيض . ثم قال على رضى الله عنه : ألا انى هنت - ويروى وهنت - يوم قتل عثمان ؛ يرفع بها صوته . وهو مثل يضربه الرجل يرزأ بأخيه . وقد ورد هذا المثل فى كتاب كليلة ودمنة ، ولاحظ هذا أبو هلال . كما أنه ورد مختصرا فى خرافات ايسوب ، ويعلق الدكتور عبد المجيد عابدين على ذلك بقوله : فاذا صحت رواية هذا المثل عن على ابن أبى طالب ، وهو أسبق فى التاريخ من ابن المقفع مترجم كليلة ودمنة ، فمن الممكن أن نفترض أن المثل عرفه الآراميون ، الذين سكنوا فى الحجاز أو اليمن ، من طريق الترجمة السريانية لكتاب كليلة ودمنة - وقد ترجم حوالى ٥٧٠ م - أو نفترض أن المثل عرفه الكتابيون فى هذه المنطقة من طريق خرافات ايسوب التى كانت قد عرفها اليهود من قبل وتدارسوها فى مجالسهم ومدارسهم .

وقصة استسقاء وفد عاد بمكة ومعهم لقمان معروفة مشهورة ، وسنذكرها فى موضع آخر ان شاء الله ، ونحب أن نشير هنا الى أن عناصر هذه القصة وثنية قديمة ، لكنها امتزجت بعناصر كتابية فيما بعد فى الفترة القريبة من الاسلام .    (( ولم يلبث أن أصبح لقمان مشتهرا بالحكمة الكتابية قبيل الاسلام ، بعد

أن كان صانع أمثال شعبية ، تكاد تكون خالية من النغمة الكتابية الظاهرة وقوامها الالغاز . ويكثر فيها المجاز والايماء والاشارة ومعاريض الكلام .

ولم يكد يظهر الاسلام فى شبه الجزيرة حتى كان عرب اليمن الذين سكنوا فى الحجاز أو اتصلوا بالجانب الغربى من شبه الجزيرة قد بدأوا يتعرفون لقمان ، فرأينا كعب الاحبار وأصله من يهود المدينة ثم أسلم ، قد أذاع عددا من أخبار لقمان ورأينا سويد بن الصامت يقدم الى مكة ، ويعرض على الرسول مجلة لقمان . . ونكاد نرجح أن هذه المجلة كانت تتضمن شيئا عن لقمان فى صورته الكتابية . يدلنا على ذلك أن سويدا كان ممن قرأوا الكتب فى الجاهلية ، وانه كان من أهل المدينة ، وأن لفظ (( مجلة )) (١) ، عبرى أو آرامى الاصل ))(٢)

الفرق بين المثل اليمنى والمثل الحجازى

وقد اختلطت الامثال اليمنية بالامثال الحجازية ، فقد لبست جميعها ثوبا من العربية الفصحى، وأصبح من العسير على الباحث التمييز بينها .    بيد أنه يلاحظ أن بعض الصيغ قد ترد فى المثل فتشير الى أصله اليمنى . ومن ذلك - فيما يظن بعض الباحثين صيغة (( فعال )) الاسم المؤنث المبنى

على الكسر ، وقد جمع الباحث ك . فولز Vollers طائفة من أسماء الاماكن الواردة على وزن فعال المنتهية بالكسر،

ورأى أن معظمها يرجع الى اليمن وما جاورها . وصلة اليمن من الحبشة معروفة واذا رجعنا إلى الحبشة القديمة وجدنا أن فعال Faal هى صيغة المؤنث لوزن فعيل ، فيقال حديس ( جديد ) ومؤنثه حداس ( جديدة ) ويقال طبيب ( حكيم ) ومؤنثه طباب . وفى أمثالهم ( من دخل ظفار حمر - أو تحمر ) ، وظفار بلد باليمن وحمر تكلم بالحميرية . . وقالوا : ( روغى جعار وانظرى أين المفر ) جعار الضبع ، وهو مثل يضرب للذى يهرب ولا يقدر أن يغلب صاحبه . وقالوا : ( تيسى جعار ) يضرب للاستكذاب ولم يعرف أصل هذه الكلمة . والتيس جبل باليمن . ويقال فلان يتكلم التيسية أى بكلام أهل ذلك الجبل (٣) .

الأمثال الغربية :

وفى الحجاز يصادف الباحث عددا من الامثال يتسم بسمة الاغراب ،

ويستغلق معناه على الفهم . ومن ذلك قول الحجاج بن يوسف الثقفى : (( ده درين سعد القين )) ويروى (( دهدرين وطرطبين )) . قال الحجاج لقوم من الفرس فلم يفهموه ، ففسر لهم ، وهو

مثل يقال لمن يأتى الباطل استهزاء به . . ولم يعرف الاصمعى أصله ، وقال أبو هلال : انه كلمة لا معنى لها .

وقال ابن الاعرابى : (( وتركوا تنوين سعد استخفا ونصبو دهدرين على ضمير فعل )) (١) ولعل هذا المال من بقايا لهجة حجازية بائدة كانت تمثل مرحلة سابقة على الطور الادبى .

وروى أن عمر بن الخطاب جاءه رجل يحمل لقيطا ، فقال عمر : (( عسى الغوير أبؤسا )) والغوير : تصغير غار والابؤس : الشدائد جمع بؤس ، أى لعلك صاحب هذا اللقيط تعريضا بالرجل ، وقال اللغويون فى معناه : (( لعل الغوير يصير أبؤسا )) وقالوا عسى بمعنى كان . وتركيب المثل

غريب لأن هذا الاستعمال لم يرد فى القرآن الكريم ، وانما وردت كلمة (( عسى مقرونة بأن والفعل ، فلعلها لهجة حجازية سبقت طور العربية الفصحى .

ويروى بعض الباحثين أن عسى تقابل فى الاستعمال الكلمة العبرية asah  أى (( صنع )) ويكون معنى المثل: (( صنع الغوير أبؤسا , أى شدائد ونكبات )) (٢) والمثل - وأن تمثل به عمر - فهو قديم كما قال أبو هلال . أما رواية الميدانى القائلة بأن أصل المثل من قول الزباء ، فليست صحيحة لانها لا تنطبق على ما ورد فى أقدم نص لقصة الزباء فى كتاب الضبى (٢)

اشترك في نشرتنا البريدية