الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

قصة العدد، رجل وامرأة

Share

دلفا عبر الطريق فى بطء فى غبشة الفجر كشبحين من أشباح الليل الراحل يرفعان بصرهما مع كل خطوة يتطلعان فى الافق الى الشمس وهى ترسل أولى خيوط أشعتها الحمراء .

كانت المرأة تعض بأسنانها على شفتيها و كان يؤلمها ذلك بالطبع ولكنها لم تجد غير ذلك يدفعها للمضى فى السير خطوة فخطوة والميل بعد الآخر ، وكانت تتنهد بين الفينة والفينة ولكنها تجلدت ولم تبك ، وسمعت زوجها يقول :

لقد آن لنا أن نتوقف لنستريح مرة اخرى . .

فلم ترد عليه بشئ . . ومضيا فى السير ، حتى التقيا وجها لوجه مع الشمس على التل ولم يقطعا فيه بعد الا " ربع المسافة " ثم تطلعا أخيرا الى السفح . . الى الوادى وقد توشح بالضباب الذى كان يتصاعد شيئا فشيئا الى أعلى ولكنهما استطاعا رؤية عدد من البيوت والمزارع الا انها كانت جد بعيدة حتى لا تكاد تبدو للعين فى ذلك الضباب المتكاثف .

كان الدخان يتصاعد من مدخنة أول بيت مرا به ، فنظرت ( روث ) الى الرجل بجانبها وقد بدأت أشعة الشمس تصبغ وجهه المصفر بلونها الدموى الاحمر بالرغم من ان عينيه كانتا لا تزالان متعبتين جامدتين . . كان يبدو وهو يجهد فى التماسك على قدميه كأنما يوشك بين حين وآخر أن يختل توازنه ويقع على الارض ، فقالت المرأة وهي تعد اللحظات في انتظار ما يقول :

- بامكاننا أن نتحصل من هذا البيت على ما تيسر من الطعام . . . توسطت الشمس فى كبد السماء وأرسلت

أشعتها العموديه تخترق طبقات الضباب المتصاعد وعادت ( روث ) تقول :

- على أى حال يجب أن نحاول . نظر اليها رينج لاولى مرة . . الى وجهها الشاحب المعروف وبدون أن يرد عليها بكلمة انطلق يهبط من التل من غير أن يدير وجهه ليرى ما اذا كانت تتبعه أم لا حتى وقف أمام البيت يحدق الى الدخان المتصاعد من مدخنته فى ذهول وسرعان ما لحقت به ( روث ) وهى تقول :

- استرح انت فى هذا المكان وسأذهب أنا لاحاول أن أحصل على شئ يمسك رمقنا . . ففتح رينج فاه يريد أن يقول شيئا الا ان الكلام اختنق في حلقه فلم ينطق بشئ ، ونظر الى البيت . . الى عتبته المتهدمة ونوافذه بستائرها المسدلة والمدخنة الممتلئة بالدخان ولم يحس في نفسه وهو ينظر الى كل ذلك انه غريب فى بلد غير بلده .

أما روث فقد انطلقت الى باب البيت ، ووقفت الى جانب باب المطبخ ، وتطلعت وراءها فرأت رينج يتقدم وفي أثرها عبر الفناء ، وكان هنالك شخص يرقبهما من وراء ستارة أحد النوافذ ، فقال لها رينج : - اقرعى الباب يا روث . . .

قرعت الباب ولم تكد تفعل حتى فتح الباب قليلا وبدت من ورائه امرأة في منتصف العمر سمراء على جبينها علامة فارقة وقالت لهما :

- ما الذي أتى بكما الى هنا ؟ ! _ اننا لا نريد أن نزعجك ، كلما نريد هو أن نسأل اذا كان يمكن أن تقدمى لنا شيئا من الطعام . . الطعام . . بطاطس . . خبز . . أى طعام كان . . .

وعادت المرأة تقول كأنها لم تسمع شيئا . .

- ما الذي أتى بكما الى هنا . . انني لا أريد أحدا أن يقترب من بيتي . . .

وضاقت فتحة الباب عن ذي قبل كأن صاحبته تريد أن تقفله في وجههما ولكن الفتحة ما لبثت ان اتسعت أكثر من ذي قبل وردت المرأة أخيرا بقولها :

- لا بأس سأطعمك انت فقط ، أما الرجل فلن أسمح له بتناول شيء فليس لدي من الطعام ما يكفى لكل منكما ! . .

فتراجعت روث الى الوراء ونظرت الى رينج ، ولم يكن قد سمع شيئا مما دار بينهما فتقدم بعض خطوات من روث ليرى ما تم من أمر : فقالت روت :

- حسنا . . لنحاول ذلك فى مكان آخر غير هذا . .

- كلا يا عزيزتي . . ادخلي أنت وتناولي ما تقدمه لك من طعام أما انا فسأحاول أن أحصل على شىء من مكان آخر . . . ولكن روث امتنعت وظلت في مكانها لا تريد أن تدخل بدونه . . . !

ظل الباب مفتوحا فى انتظار أن تدخل ، وكان رينج قد جلس على مقعد تحت شجرة فقال لها :

- اذهبى انت وتناول طعامك وسوف أنتظرك ههنا حتى تعودي . . دخلت روث الى المنزل فأشارت لها المرأة الى مقعد بجانب الطاولة فجلست عليه . .

وكان ما وضعته أمامها طبق من البطاطس الساخنة من بقايا اليوم الفائت وبسكوت ثم ملأت لها قدحا من القهؤة ووضعته الى جانب الطبق .

أقبلت روث على الطعام تأكل فى شراهة وسرعة فائقة ، وأخذت ترشف من القهوة السوداء ، وتمضغ الخبز والبطاطس في الوقت الذى وقفت فيه تلك المرأة عند الباب ترقب رينج تارة وترقبها تارة أخرى ، وقد حاولت روث خلسة فألقت مرتين بعض قطع الخبز فى بلوزتها ثم وضعت أخيرا نصف حبة من البطاطس فى جيب قميصها ، فنظرت اليها المرأة بارتياب عندما أدارت بصرها عن مراقبة رينج فى الخارج فسألتها قائلة :

- هل تريدان الذهاب الى مكان بعيد ؟ - نعم . . . - هل قطعتما مسافة طويلة ؟ - نعم . . - من هو هذا الرجل الذي معك ؟ - زوجى . . .

فنظرت المرأة الى الفناء مرة اخرى وعادت فنظرت اليها ثم قالت بعد برهة من الصمت . . وكانت روث قد حاولت وضع قطعة اخرى من البطاطس في جيبها في الوقت الذي كانت المرأة ترقبها عن كتب أكثر من ذي قبل فقالت :

- لا أعتقد انه زوجك . . . ! - بلى انه زوجى . . - ان مما يجعلنى أشك انه زوجك انه تركك تقطعين كل هذه المسافة الشاسعة على قدميك تستجدين طعامك كما حدث قبل بضع دقائق . . .

فاستدارت روث في مقعدها ونظرت الى المرأة فى تأثر بالغ وقالت :

- لقد كان مريضا . . فقد قضى أكثر من خمسة أسابيع طريح الفراش قبل أن نفكر في الخروج .

- لماذا لم تمكثا حيث أنتما بدل أن ترخصا نفسكما ، ألا يستطيع أن يقوم بعمل ما ام انه لا يرغب فى العمل . . ؟ فتوضت روث وألقت ما بيدها من خبز على الطاولة وقالت :

- شكرا لك على هذا الافطار انني ذاهبة الآن . . .

فقالت لها المرأة : - اذا أردت النصيحة فعليك أن تقطعى علاقتك مع هذا الرجل في أقرب فرصة ممكنة ، لان من الحمق أن تتمسكى به وهو لا يقوم بأي عمل . . !

- لديه عمل الا ان ما أصيب به من المرض أقعده عن الذهاب اليه طوال هذه المدة . . - لا أصدق ما تقولين . . ولا أشك فى انك تقولين عنه غير الواقع . . !

ذهبت روث الى الباب وفتحته بنفسها وخرجت ثم التفتت فرأت المرأة التى قدمت لها الطعام تتبعها الى الخارج وهى تقول :

- إذا كان زوجك طريح الفراش كما تقولين فما حمله على أن يخرج ويقطع كل هذه المسافات ، الطويلة سيرا على قدميه بدون أن يحمل معه شيئا من الزاد ؟ !

أبصرت روث زوجها جالسا على المقعد تحت الشجرة ، وكانت لا تريد أن ترد على المرأة ولكن لم يسعها الا أن تقول شيئا : - السبب الذي دعانا للخروج بهذه الصفة هو ان اختي كتبت الينا تخبرنا ان طفلتنا توفت ، وكنت قد بعثت بها اليها عندما مرض زوجي لا تفرغ للعنايه به وقد خرجنا الآن لنزور القبر الذى دفنت به ابنتنا . . !

قالت ذلك واندفعت تهبط السلالم وتجتاز الفناء بكل ما أمكنها من السرعة ، ولم تكد تخرج من باب الفناء حتى نهض رينج وانطلق في أثرها . انطلق الاثنان يسيران في صمت ولم

تتمالك روث من أن تلتفت الى الوراء كأنها تلقي نظرة أخيرة على المنزل فرأت المرأة ما زالت ترقبهما من خصاص الباب . . وبعد أن قطعا مسافة مائة قدم أو أكثر حلت روث أزرار بلوزتها وأخرجت منها قطع الخبز التى خبأتها ، فأخذها رينج بدون أن ينبس بكلمة ، وبعد أن أتى عليها ناولته قطع البطاطس فمضى يأكلها فى شراهة .

سار الاثنان نحو نصف ساعة بدون ان ينطق أحدهما بكلمة حتى قالت روث أخيرا :

- يا لها من امرأة دنيئة ، صدق اننى لولا الجوع لخرجت بدون أن اتناول شيئا مما قدمته الى ! .

ظل رينج صامتا لا ينطق بشئ لمدة طويلة حتى وصلا الى أسفل الوادي ، وهنا نطق رينج قائلا :

- أظن انها لو عرفت الى أين نحن نسير لنا عاملتك بهذه الخسة ؟ !

فتنهدت روث قائلة : - كم بقى أمامنا يا رينج ؟ - حوالى ثلاثين أو أربعين ميلا . . - هل تظن اننا سنصل في الغد ؟ فهز رينج رأسه بالنفى . . فقالت : - متى اذن . . بعد غد ؟ !

- لست أدرى . . ولكن اذا تيسر لنا مركب فسنصل الليلة الى هناك .

فلم تستطع روث كبح جماح نفسها من البكاء . . مضي رينج فى كلامه قائلا : - نعم اذا تيسر لنا مركب فاننا نصل إلى هناك أسرع بكثير . .

قال ذلك وألقى نظرة وراءه على الطريق فلم ير شيئا على مد النظر ، ثم عاد فنظر أمامه ومضى في السير يرفع رجلا ويضع أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية