ها هو العيد !
أجل يا اماه ها هو العيد قد اصبح قريباً منا . . وها هم " الأولاد " يتحدثون كل يوم عن العيد السعيد ، وها هو " محمود " زميلي في المدرسة قد أرانى ما احضره له ابوه من فاخر الثياب . . " ثوباً أحريرياً " قال لي ان قيمته عشرون ريالا ، وإحراماً مطرز أقيمته ثلاثون ، و " حذاء جميلاً لامعاً " ما أخبرني عن قيمته بعد ، ولكنها لا تقل هي الاخرى عن العشرين ، أو الخمسة والعشرين فقد كنا نلعب ، وكان معنا " إبراهيم " أبن أحد الجيران ، وكان يقول ان حذاءه الجديد قد فرغ منه الصانع بالامس ، وقيمته خمسة وعشرون ريالا ، أرسله بها أبوه إلى الصانع . . وأنا يا أماه ! ...
وأنا يا أماه . . قالها ذلك الابن فى حرارة وحيرة وامل ، واصغت اليه الام التى اعياها النطق ، وحبس لسانها الالم المكبوت ، وسرعان ما ترقرقت من عينبها دموع ، حاولت عبثاً ان تخفيها عن وحيدها الحبيب ، ولكن لا مناص !
ورأت نفسها امام سيل من الذكريات . . ها هو الماضى يمرامامها كأنه حلم ، كان زوجها بالأمس يحمل عنها أعباء الحياة ، وكان يؤدى فى مثل هذه الآيام البهيجة من شهر رمضان الكريم ، مهمته المحببة اليه . . مهمته التى يتولاها - فى إخلاص أصيل - كل زوج ، وكل أب ، يشعران من الصميم بمعنى الرجولة ومعنى الحنان !
انه فلم...وياله من فلم رائع ، كان بالامس صورة للسعادة ، فأصبح اليوم
صورة للشقاء ، وكان فى عالم الحس رمزاً للفرح ، وعنواناً للرجاء ، فاصبح فى عالم الذكريات مثاراً للالم المضنى ، ومبعثاً للياس المميت...
كانت كمثيلاتها من الزوجات الفارغات ، لا تحمل اي تفكير يمس العيش من قريب أو بعيد ، وكانت المسئولية انأي الاشياء وصولا الى الرأس الذي تحمله هذه المرأة ، وعلام تفكر ؟ وفيم يجعل من نفسها إنساناً مسئولا وقد بسم لها الحظ ما شاء له ان يبسم ، واصارت لها المقادير من زوجها " حسان " زوجاً مثالياً ، يحمل عنها - على أحسن الوجوه كل مسئولية ، وكل تفكير ، ويؤدى لها كاجمل اداء - ما يتطلبه " البيت " من مختلف الشئون !
والآن ماذا ؟ . . لقد اصبحت هذه الحقائق في خبر كان ، وانطوت مع ايامها الذاهبات ، لقد مات زوجها تاركاً لها هذا الابن فى التاسعة من سنيه ؛ وتاركاً لها قليلاً من المال ، ما لبث أن ذهب هو الآخر أيضاً ، صرفته فى الشهور الأولى التى أعقبت الوفاة ...
وقد شاء القدر ان يرحمها ويترفق بها ، فاستطاعت ان تحمل عبئها الجديد ولكن فى شىء من الضيق ، كانت يحترف لونا من الوان التطريز ، هديت إليه من أيام الصبا ، فها هى اليوم تعود اليه !
هو ذا مورد للرزق الحلال ، يسد الرمق ، ويضمن الخبز ، ولا يتجاوز الضروريات !
هو ذا مورد متواضع ، يكفل الغذاء ، ولكنه يعجز عن الكساء ! وغلب التجلد ، الحزن ، وعاد للأم التى هدها الألم ، واضنتها الذكرى ، تفكيرها الطبيعى ، واتزانها العاطفى ، وعزمها الصميم ، واستجابت لاحساس الطفل فى وله وتأميل ، راحت تحدثه أطيب الحديث . . أحمد ... أحمد ! " ثوب من الحرير " ( إحرام مطرز ) ( حذاء ) كل هذا سيأتي مع العيد ، كل هذا سيحضر إليك تماماً تماماً كمحمود وإبراهيم !
كلمات معسولة ارسلتها ارسالا ، ووعود لا اقل ولا كثر وكأنما ألهم الطفل ما في هذه الكلمات من ابهام وغموض ، فالقى بنفسه في أحضان أمه الحيرى ،
يسألها فى الحاح ممض : اصحيح يا أماه ؟ ! أصحيح هذا الذي تقولين ؟ ! أني سالبس كما يلبس محمود وإبراهيم ؟ ! أصحيح يا أماه ؟ ! ولماذا لا يحضرين ذلك من الآن ؟ لماذا لاتوصين ذلك الصانع بعمل الجذاء من اليوم ؟ أجل يا أماه ؛ لقد قال لى إبراهيم أنه ذهب إلى الصانع مراراً ، وبعد عشرين يوماً استطاع ان يتسلم حذاءه الجميل ، وانا اخشى . . اخشى يا أماه ان يأتي قبل ان نتحصل على المطلوب .
- أحمد . أحمد . ( ثوب من الحرير ) ( إحرام مطرز ) (حذاء لماع ) كل هذا سيأتي مع العيد ، كل هذا سيحضر إليك تماماً تماماً كمحمود وإبراهيم !
نفس الكلمات راحت تكررها الأم في إغراء وابتسام ونفس الوعود حاولت بها ان تلهي وليدها وهي فيما يشبه اليقين بانه عما قريب سينسى ينسى كل هذا يتسنى الثوب والحذاء والأحرام يتسني محموداً وإبراهيم وغير محمود وإبراهيم من أتراب المدرسة ورفقاء الحارة وأبناء الجيران
لكن الطفل - وللطفولة في كثير من الأحيان نوع من الفهم ، يتحدي المنطق ، ويتخطى الكلمات - لم يستطع ان يلهو كما ارادت له أمه ان يلهو ، وهو بعد لا يمكنه أن ينس ما أصبح كل همه ومتمناه وكيف ينسى وهاهوا لعبد قد اصبح على الابواب ، كيف ينسى وغداً - بكل تأكيد سيأتي اليه كل من رفيقيه ، في تيه مابعده تيه ، يزهوان أمامه بملابسهما العيدية الجديدة ، وهي وحدها في نظر الأطفال ، رمز العيد السعيد !
ولم يجد الأم الشقية بداً من الافصاح ، وقد برح بها شجنها المكظوم ، وارهقها تهافت الغلام واخني عليها الحاحه المثير ، لم يجد بداً من أن تبوح ... وقد ذهبت بها همومها المتخافتة كل مذهب ،
واحست لأول مرة ، بانها اعجز ما تكون بيانا ، امام المنطق الساذج ، منطق الطفولة في براءتها وطهرها ، وما اروعه من منطق ساحر غلاب ، بتلاشى امامه في استحياء ، منطق الختل والخداع ، منطق اللف والدوران ! - أحمد أحمد أنت تريد لباساً جديداً ، ولكننا يا بني لانستطيع هذا
الآن ، لأن " الفلوس " التى معنا يا أحمد أوشكت أن تنفذ ، وموردنا الجديد ضئيل لا يكفى الا للطعام والشراب فاصبر أيها الحبيب كن مطمئنا لا تنظر إلى إبراهيم أو إلى محمود هذا أن لهما أبواهما. . واما نحن... . وأما أنت... فقد اراد الله... لنا - وارادته لا ترد - ان تفقد اياك في وقت نحن أحواج الناس فيه اليه ، نحن الأن نكتفي بالطعام ، وبالضروري من اللباس ، وإما ما عداهما فلنا عنه مندوحة ، فى هذا الظرف على الاقل... فكن واثقاً كل الثقة مؤمناً كل الايمان بأن حالنا هذه لن تدوم ، وإن الله الذي لا ينسى أحداً من خلقة ، سوف لا بنسانا ، سوف يتغير كل شئ يا أحمد... وسوف يحلو العيش ويطيب ، وأخيراً سوف تنعم بأفخر اللباس ، عند كل عيد جديد !
سمعت كلامك يا اماه . ولكن آه اسمعي منى ، هؤلاء الاولاد سوف يسخرون مني ، هم من الآن يتهامسون وأحياناً يقولون لي : أنت يا أحمد ليس عندك فلوس تبتاع بها الثياب ، آه يا اماه لا أريد أن يقولوا هذا ، لا اريد ان يسخروا منى ، لا بد من اللباس ، لا بد من تدبير الفلوس هاهو خالي عياد الا يمكن ان تستديني منه ماتبناعين به هذه الثياب ، ارجوك يا أماه ، واذا لم يوافق خالي او لم توافق انت فأنا سأشتغل . . سأشتغل كما يشتغل سائر الناس ساشتغل لا حضار الفلوس ، سأشتغل لنبتاع ثياب العيد ، سأشتغل يا أماه ، وهذا أفضل من أن أدع الاولاد يسخرون منى ويتهامسون . . ويقولون ما يقولون
- دعك من هذا الكلام يا بني ، هؤلاء الأولاد لا يسخرون ، انهم فقط يضحكون ، انهم فقط يلعبون ، الصفار لا يعرفون السخرية...دعك من هذا الكلام ، واما خالك " عياد " فهو لا يستطيع ما تريد وأن هو إستطاع فأ كبر الظن انه سيرفض منا هذا الطلب شأنه فى هذا شأن سواه من الناس فى هذا الزمن الذي نعيش فيه .
- لا باس يا أماه ولكن ما رأيك في ان استغل لاحضار الفلوس ؟ انى خال من الدروس ومن اليوم الى ان يأتي العيد والى ان تفتح المدرسة يمكنى ان اشتغل فى اى عمل كان ويمكن تدبيرما يكفينا لشراء الملبوسات اليس كذلك يا أماه ؟
- لا ، لا يا أحمد : اصرف عنك هذه الافكار ، الشغل يحتاج إلى اشياء انت منها خال الذهن ، يحتاج الى سبق تمرين ، وانت ما زلت تلميذاً فى الابتدائية ومن كان فى مثل هذا الدور خليق به ان لا يحسن أمراً من هذه الأمور والشغل أيضاً يحتاج الى مجهود وانت مابرحت طفلاً صغيراً لاتقوى على أي عمل ، قد عك من كل هذا ، وأصبر فان الله مع الصابرين .
- انى صابر يا أماه ، ولكن الشغل الذي استطيعه موجود وهو لا يفتقر الى تمرين ، ولا يحتاج الى مجهود كبير ، انه شعل يقوم به الكثيرون من أترابي فلا يلقون منه العناء الذي يخشين ، وهو شعل ايام معدودات ، مهما كان من بلائه ، فلن يضيرنا شيئاً ، فاسمحي يا أماه ، اسمحي لولدك الصغير أن يشتغل يشتغل من أجل الفلوس ، ومن أجل الملبوس ...
قال الابن هذا ، وقبل ان يتلقى من امه اي جواب على عباراته الأخيرة ، انفلت من امامها فى خفة وحماس ، وما هو إلا أن خرج من باب الدار يعد وكما يعد والغزال ، هناك حيث احدى العمارات قد اوشكت على التمام ، والعمال منهمكون فى اكمال دورها الأخير . . هناك وجد أحمد مكانا له بين صغار العمال وبدأ بالعمل الذى اسند اليه .
ولم تكن الأم راضية كل الرضى عن هذا الصنيغ ، فقد غمر نفسها احساس غامض مريع ، لم تستطع له تأويلا ، جلست وقد احاطت بها الكآبة من كل جانب ، لا تعرف ماذا تقول . . هاهو ولدها الوحيد - وكله إندفاع - يغامر فى الحياة ، هاهو يذهب الى العمل ، قبل ان يستمع الى الكلمة الاخيرة من أمه الرؤوم ، وهو فى هذا إنما يعبر عن ادراة الحياة ... - وبعبارة أصح - عن ارادة " التفوق " الكامنه فيه ، وفي امثاله من الصغار ارادة " النفوق " يالها من عصاً سحرية . . ارادة " التفوق " . . حتى الكبار لم يسلموا من هذه اللوثة...حتى الكبار لم يسلبوا هذه الارادة . . ولكنها فى الصغار - وفى الصغار على الدوام - تبدو أعمق وأقوى وأصدق وأسمى !
ذهب الصغير الى العمل ، ويقيت الأم مشدوهة حيرى ، تضرب أخماساً فى أسداس يرهقها إحساسها الغامض...وراح القدر يعمل عمله الرهيب فى ضبط واحكام ، وتلاحق واسراع .
كان هذا اول ايام العمل ، بل أول ايام الوجود ، بالنسبة الى هذا الصغير ! وكان هذا اول ايام الحيرة ، وأول ايام الشكوك بالنسبة الى الأم الرؤوم !
بالأمس فقدت زوجها العطوف ، فاستطاعت ان تواجه " المصاب " بقوة الأمل الحنون ! أملها فى فلذة كبدها كان لها كل العزاء... والآن ماذا يخبيء لها القدر ؟ رحماك يا الله !
كان هذا اول ايام العمل ، فهل هو آخرها ياتري ؟ نعم كان هذا هو اليوم الأول ، وكان هذا هو اليوم الاخير !
وكانت المأساة . . وكانت الفحيعة . . وحدث ما لم يكن في الحسبان ، ونفذ القدر ارادته الجبارة . . ذلك التى لا تقف أمامها أى إرادة للتفوق . او اى ارادة لاثبات الوجود . . ولم ينقض ذلك اليوم الأليم حتى انقضى معه امل . . وتصرمت فيه حياة . . وتجددت فيه احزان وتهدمت الدار وهي فى نظر اصحابها . . اقوى ما تكون بناءاً ، وكان ماذا ؟ كان فريق من العمال ضحاياها وكان أحمد ذلك العامل الصغير أول من راته الاعين من هولاء . . أجل هذا الغلام الوحيد بين فريق العمال والبنائين ، هذا الطفل الحساس - وقد كانت تنتظره أم شذ عن ارداتها ، وخرج عن طوعها - انه قد ... مات . .

